لم تَخْلُ فترة من التاريخ، سواء القديم منه أم المعاصر، من شكل من أشكال الاحتكاك والتداخل والتشابه بين شرقنا الإسلامي والغرب، وسواء أكان هذا التداخل والتشابه بسبب حضور الغرب في شرقنا أم بسبب حضور شرقنا في الغرب ؛ لعلة الحرب أو التجارة أو الاستكشاف أو الترحال أو خلافها.

فهذا هو الإسكندر يحتاج الشرق فيأتينا مستعمرا ، أعقب ذلك قيام الدولتين السلوقية في سورية والعراق والأناضول والبطلمية في مصر وجنوب فلسطين وشرقي الأردن، ثم قيام الدولة البيزنطية.

ثم تدور الدوائر ويأتي دور شرقنا لتكن له القوة والغلبة ، فتبدأ الانتصارات العربية الإسلامية في مطلع القرن السابع الميلادي ، حيث وصل العرب في أوجِها إلى الأندلس.

ثم ما لبثت الصورة أن تعقدت بأن دخل الغرب إلى الشرق في حروب الفرنجة فيما استمر الحكم العربي الإسلامي في الأندلس، أي إنه تداخل الغرب في الشرق (من جهة شمال المتوسط) والشرق في الغرب (من جهة جنوب المتوسط)، لكن شتان بين ما كان يعم الشرق من نور وعلم ويلف الغرب من ظلام وجهل.

وليست العصور الحديثة إلا استمرارا لهذا المد والانحسار بين طرفي المعادلة التاريخية التي أوصلت عالمنا الإسلامي إلى ما هو عليه الآن وأعيد رسم الخريطة التي لم تثبت يوماً، ولن تثبت على صيغة واحدة، بل إنها تتغير وتتبدل باستمرار وفقاً لمبدأ سنن الله في أرضه.

العصور المظلمة مصطلح يستخدم للدلالة على العصور الوسطى في أوروبا حيث غابت في تلك الحقبة ما بين الأعوام 400 – 1400م تقريبا. الكتابات التاريخية وانعدام الإنجازات الحضارية المادية والانحطاط في مختلف المجالات، ولم يبق من معارف الإغريق والرومان التي ازدهرت في أوروبا سوى القليل محصورا بين الأديرة والكاتدرائيات وبلاطات الحكام.

حيث ساد حكم البطريركية، أو السلطة الأبوية، نظام مارسته الكنائس المسيحية في أوروبا قديمًا، وهو نظام لا أصول له في المسيحية، لكنه صار أساسًا للكنائس المسيحية، التي رفضت منازعة سلطتها على الدولة وعلى مواطنيها، سواء من المسيحيين أو غيرهم، بحجة أنها تمثل الإله، وكلمتها ملزمة ككلمة الإله، مما أضر بالدول الأوربية على جميع المستويات، العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأخضعها لحكم مؤسسة لا حق لها في الحكم، ما أغرق أوروبا في وحول الظلام والتخلف والجهل لعدة قرون. وذلك إلى أن قررت أوروبا التوجه إلى الشرق الأوسط عسكريًّا وكذلك فكريًّا.

فكانت الحملات الصليبية الأوروبية بداية احتكاك الحضارة الأوروبية بالحضارة الإسلامية، وفى الدول الإسلامية رأى الأوروبيون حضارة لا يحكمها رجال الدين، حيث لا رجال دين في الإسلام، بل يحكمها العلماء المتخصصون، فهناك علماء الطبيعة والكيمياء الهندسة والرياضيات والفقه الإسلامي، وكل يلتزم مجاله لا يخوض في آخر إلا بقدر إلمامه بهذا المجال وبغرض الإضافة له، ومن هنا بدأ الأوروبيون ذوو الفكر يدركون أن بلادهم لا سبيل لها إلى التقدم ، إلا بالتخلص من قبضة البطريركية، والتوجه إلى القوانين العلمية المناسبة لكل تخصص علمي، وكانت تلك بداية النهضة الأوروبية.

في حين تسربت البطريركية من أوروبا إلى الشرق الأوسط وإلى الدين الإسلامي على استحياء، محاولة أن تجد لنفسها طريقا تتسلل منه إلى الدين الإسلامي ؛ لتصير أساسًا له كالمسيحية، لتبدأ عصور الظلام وأفول الحضارة الإسلامية.

لتقوم في أوربا ثورة تحرر تكون بمقتضاها الكلمة العليا للشعب ، وليست للكنيسة والدين ، أما عصور ظلامنا فبدأت عندما قيدنا بعيدا عن ديننا وصارت الكلمة العليا للشعب، وليست لله والدين.

 

الوجه الأول للتشابه بين الشرق والغرب في ثوراتهم: أنه كما كانت ثورات الربيع العربي عدوة سريعة الانتشار من دوله لأخرى، كان الحال هكذا في أوروبا انتشرت الثورة في أوروبا عام 1848م من مدينة إلى أخرى عبر القارة، مطيحه بالأنظمة الحاكمة في تلك الفترة.

فالثورة التي اندلعت في صقلية كانت تنذر بأخرى أشد في باريس، وبالفعل لاذ ملك فرنسا بالفرار بعد ثلاثة أيام وتم الإعلان عن قيام الجمهورية، مما أطلق العنان لموجة عملاقة من الثورات التي اجتاحت سائر العواصم الأوروبية من برلين إلى فيينا وبودابست وميلان. حتى أن البابا قد اضطر للهرب وأعلنوا الجمهورية في روما. حدث كل ذلك خلال أربعة أشهر فحسب، في الربع الأول من عام 1848م.

ثاني أوجه التشابه ، هو أن الثورات في الوطن العربي وفي أوروبا قامت بالأساس لإسقاط الأنظمة الاستبدادية، وتأسيس دول تحترم الحريات السياسية ويقوم عليها ممثلون منتخبون مباشرة من الشعب.

أما وجه التشابه الأخير، والأكثر أهمية، فهو أنه عندما اندلعت الثورات الأوروبية، لم يكن للمنظمات الاشتراكية أي تواجد حقيقي بين الطبقة العاملة، وهو الحال نفسه بشكل أبرز في البلاد العربية فعند قيام الثورات العربية اختفت كل المسميات وكان هناك ثوار وفقط دون أي انتماءات . فبالرغم من مرور كل تلك الأعوام، إلا أن المنظمات الاشتراكية لم تنجح في خلق جذور حقيقية بين العمال سواء في الثورات الأوروبية أو العربية ، حتى مع كثرة من يتبنون الأفكار الاشتراكية في العالم العربي.

 

وكما تشابهت مقدمات ثورات الربيع الغربي والعربي تشابهت كذلك الأحداث التي تلت تلك الثورات من عودة الدولة العميقة للظهور وبقوة وبطش، فعندما استمر الحراك الثوري من دولة لأخرى والإطاحة بالطغاة لم يكن أمام جميع الملوك بديل سوى القبول بطلبات الشعوب الثائرة أو حتى مجاراتها والإصغاء إليها.

 

 
إلا أن هؤلاء الثوار كانوا على درجة من الواقعية في مطالبهم، فحتى ماركس نفسه خفّض من سقف مطالبه لتقتصر على توحيد ألمانيا والاقتراع وإلغاء الرسوم الإقطاعية، لم يشفع كلّ ذلك للحلم الألماني الذي انهار سريعاً عقب نشوب الحرب الألمانية الدانماركية ليدرك المجتمعون في برلمان فرانكفورت أنّهم بلا حول ولا قوة.

وقبل انقضاء عام 1849م عادت أسرة البوربون لتحكم صقلية، كما عاد الملوك لممارسة سلطتهم المطلقة على باقي الشعوب الثائرة، بعد تحرك جنرالاتهم الذين قضوا على تلك الثورات، مستعينين بتحالفات فيما بينهم وأخرى مع ممالك لم تصلها تلك الثورة كروسيا، لتكتمل خواتيم ذلك الربيع في فرنسا بإعلان رئيسها نفسه إمبراطوراً عليها. واتخذ اسم نابليون الثالث!

 
لم يكن الانتصار الجزئي لتلك الثورات في بداياتها واقعياً، وإنّما رضخ الملوك لمطالب الثوار لكسب الوقت فقط، ولإعادة تنظيم الصفوف، ومن ثمّ الانقضاض على الثورة، كما لم يكن لدى الثوار قوة يدافعون بها عن أنفسهم في وقتٍ حافظت فيه الجيوش التقليدية على ولائها للملوك، التي كان جنرالاتها وقادتها ينتمون إلى الطبقة الأرستقراطية التي كانت تدين بوضعها الاجتماعي للنظام الملكي.

ثمّ تقلّبت معظم الدول الأوروبية بين الملكية والفاشية لمئة عام أخرى؛ فما أشبه اليوم بالبارحة، لكننا لا نقرأ التاريخ أو نتعلم منه فهذا ما حدث مع الربيع العربي نصا ، دنو أي اختلاف يذكر ، حيث اقتصرت مكاسب الثورات العربية على إزاحة وجوه معروفة من رجال النظم القديمة، وغياب المكاسب الاجتماعية المباشرة عن هذه الثورات، فانتهى الأمر بعودة الأنظمة القديمة نفسها، وإن أتت برداء وواجهة مختلفين وهو ما حدث بالفعل في موجة الثورات الأوروبية في 1848م.

 
إن حركة التاريخ وما تملكه الشعوب من وعي وتقدم، ليست كافية لإنجاح الثورات الشعبية، وإنّما تحتاج لظروف خاصة كي تنجح؛ وهذا ما انطبق تماماً على النموذج الأوروبي منذ ربيعه الأول عام 1848م، وحتى بدء ظهور وتبلور التجارب الديمقراطية أواخر الأربعينيات من القرن العشرين.

تكرّرت تجربة الفشل تلك في الربيع العربي وسقطت معظم الثورات بالآليات نفسها التي سحق بها الربيع الأوروبي ، وإذا اعتمدنا على الناحية النظرية في حساب الوقت اللازم لاستنساخ التجارب الأوروبية فنحن لا نحتاج الى مائة عام لنصل لديمقراطيتهم التي صاغوها من أجل التحرر؛ لأننا نملك بالفعل ما هو أعظم وأنجح من نظامهم الواهي وهى شريعتنا ! قانوننا الإلهي المنزه عن أي نقص.

.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد