لا غنى للسياسي عن العلوم القانونية ولا غنى للقانوني عن العلوم السياسية

تقوم الجامعات الفلسطينية وغير الفلسطينية بانشاء كليات حقوق مستقلة بذاتها عن أي تخصص آخر، وأحيانًا تكون هذه الكليات ضمن كليات أخرى، أو تكون هي الكليات الأم، بمعنى إما أن تكون تابعة أو متبوعة لتخصص ما، جامعة بيرزيت الفلسطينية على سبيل المثال تعتبر الحقوق جزء من كلية الإدارة بجامعة الخليل، اسم الكلية كلية الحقوق والعلوم السياسية، وهي خطة موفقة جدًا، ذلك يعني أن طالب الحقوق ملزم بدراسة المدخل للسياسة ومبادئ العلاقات الدولية، فيما يدرس طالب السياسة المدخل للعلوم القانونية، والقانون الإداري، والقانون الدستوري، والقانون الدولي العام، وتاريخ التشريع، والفقه، وقانون اللاجئين الدولي، والقانون الدولي الإنساني.

جميع ما ذكر متطلبات إجبارية لكلا التخصصين العلوم السياسة أو العلوم القانونية في حقولها المختلفة؛ ما دعاني لكتابة هذه المقدمة الوصفية لطبيعة المساقات المشتركة بين طلوب العلوم السياسية والعلوم القانونية هو العلاقة السياسية الوثيقة مع القانون والقانون الدولي في ظل الهجمة مؤخرًا على محكمة الجنايات الدولية تحديدًا الهجوم الأمريكي والإسرائيلي، وتهديدات اليميني المتطرف جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي.

كيف ينظر العالم العربي للمحاكم والمنظمات الدولية

من الدارج في عالمنا العربي أن كل ما يحمل اسم الدولي هو بالضرورة مؤسسة استعمارية كالبنك الدولي مثلًا،ينظر العالم العربي أيضًا إلى مجلس الأمن كسيف مسلط على رقاب هذه الشعوب باستثناء الدول الخمس الكبرى، وأن إسرائيل صدر بحقها آلاف القرارات، ولم تنفذ قرارًا واحدًا، الفيتو الأمريكي بالمرصاد لأي تحرك دولي فلسطيني لنيله حريته ودولته المستقلة، الفيتو الروسي جاهز لأي قرار دولي بوقف مذابح النظام السوري بحق شعبه.

تبريرات منطقية وصحيحة وكلنا نعرف ذلك،لكن ما يجب أن نعلمه أن قصة محكمة الجنايات الدولية وغيرها من المنظمات الدولية حتى التابع بعضها للأمم المتحدة هي منظمات حيوية وضرورية، وهي من أسمى ما أنتجته الأمم المتحدة مثل منظمات الصحة والغذاء، مع أن محور الحديث ليس عن منظمة تابعة للأمم المتحدة وأقصد محكمة الجنايات الدولية التي تأسست عام 2002 بتاريخ 1 يوليو (تموز)، ولها الاختصاص بالنظر بالجرائم الواقعة ضمن اختصاصها بعد هذا التاريخ، بناء على اتفاقية روما عام 1998، والمحكمة تختص بأربعة أنواع من الجرائم هي جرائم الابادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان، عانت الشعوب العربية هذه الجرائم الأربعة، سواء على يد الاحتلال الأجنبي أو الأنظمة العربية الاستبدادية.

محكمة الجنايات الدولية والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان

على عكس محكمة الجنايات الدولية فقد تم اقرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بقرار من مجلس الأمن الدولي عام 2005 حيث للمحكمة الولاية والاختصاص بمحاكمة كل المتهمين المفترضين في الاعتداء الذي وقع في 14 فبراير (شباط) 2005، والذي قتل فيه رفيق الحريري و14 آخرين في انفجار ضخم هز كل بيروت وهز العالم العربي سياسيًا وإعلاميًا،لكن ما يجمع المحكمتين أي الجنايات الدولية والمحكمة الخاصة بلبنان هو العدالة ومعاقبة الجناة.

كيف تلاقت مصالح الأطراف المختلفة العدوة والصديقة بمعاداة العدالة الدولية في الشرق الأوسط

  تبقى كلمة اللعبة هي المقتل، اللعبة فيها مزيج من السخرية والتهريج والتضليل الإعلامي والسياسي في العالم العربي، ليس دائمًا  تتضارب مصالح الأعداء، وليس دائمًا تلتقي مصالح الأصدقاء، هذه المرة جميع الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط تلاقت على معاداة المحكمة الجنائية الدولية لأسبابهم المختلفة، لكن يجمعهم شيء واحد جميعًا هو التغطية على جرائمهم، لكل طرف جريمة أو مجموعة جرائم متهمًا بها وأغلبها بالدليل الجنائي يريد التغطية عليها أو الهروب من تبعاتها.

السعودية والإمارات مهددتان بالملاحقة بسبب جرائمهم في اليمن بسبب عمليات قتل جماعية لأطفال وأعمال اغتصاب وتعذيب في السجون التي تديرها الإمارات في عدن، العراق ومصر وسوريا مهددة بسبب جرائمهم في السجون والمعتقلات وأعمال اغتصاب وتعذيب وخطف وقتل خارج القانون، إسرائيل مهددة بسبب الاحتلال وكل توابعه من تجاوزات وانتهاكات وأعمال تهجير قسري وقتل خارج القانون، أمريكا مهددة بسبب جرائمها في العراق وأفغانستان، أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني البشير على خلفية الجرائم في دارفور، كذلك العين في ليبيا على الانتهاكات الخطيرة لمليشيات حفتر في الشرق الليبي وفي بنغازي تحديدًا من عمليات إعدام وتصفية تم تصويرها بالبث المباشر علانية خارج إطار القانون.

في لبنان حزب الله وحلفائهم يتهمون المحكمة الخاصة باغتيال الحريري صراحة أنها مسيسة وتخدم أجندة إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية وأنها تستهدف المقاومة اللبنانية لاتهام حزب الله وقادة عسكريين منهم من قتل، ومنهم من بقي على قيد الحياة ومختفي أو مجهول المصير باغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق الذي كان بما له وما عليه رجل سياسة ودولة، ولم يكن رجل مليشيات، ولم يرتبط اسمه بمجازر في الحرب الأهلية اللبنانية، سواء ضد اللبنانيين أو الفلسطينيين بعكس بعض السياسيين اللبنانيين الذين ارتبط اسمهم بانتهاكات خطيرة تحديدًا، نبيه بري رأس السلطة التشريعية اللبنانية المرتبط اسمه بحصار ومذابح بحق المخيمات الفلسطينية استمرت ثلاث سنوات من عام 1985 حتى عام 1988، وهذه الانتهاكات خارج ولاية المحكمة الجنائية الدولية بسبب بدء سريان ميثاق روما على الجرائم المرتكبة بعد سنة 2001، في نفس الوقت الذي  اتهمت إسرائيل المحكمة بالمسيسة والمنحازة للفلسطينيين.

أعرف وأدرك أن كلًا من حزب الله وإسرائيل ليس أحدهم متواطئًا مع الآخر، لكنها سخرية القدر والتاريخ التي جعلت إسرائيل وحزب الله في خندق واحد ضد العدالة الدولية، لسخرية القدر تزامن الهجوم الأمريكي والإسرائيلي ضد المحكمة الدولية مع هجوم قوي لحزب الله وكل ناشطيه على وسائل التواصل الاجتماعي من محلليلن سياسيين وإعلاميين على المحكمة ومن صحف وفضائيات تابعة أو ممولة من حزب الله أو إيران التي تدعمه، نصر الله في خطاب له مؤخرًا هاجم بصراحة وهدد كل من يحاول التلويح بالمحكمة الدولية أنه يلعب بالنار في لبنان، وهو خطاب ليس بالجديد، فمنذ اليوم الأول الذي قرر فيه المجتمع الدولي تشكيل محكمة خاصة للبنان هاجمها حزب الله بشدة، وبقيت القصة تتدحرج إلى أن وصلت الأمور حد إمكانية اتهام السيد حسن نصر الله نفسه بالوقوف وراء جريمة اغتيال الحريري، بالإضافة لسوريا ممثلة في الرئيس الأسد، وقد ذكر أنصار حزب الله خصومهم في لبنان بالسابع من مايو (أيار) 2008، وهو تاريخ اجتياح حزب الله بيروت والسيطرة عليها عسكريًا.

كيف تلاقت الصحافة الشرق أوسطية المختلفة على مهاجمة العدالة الدولية

 في إسرائيل وصف وزير البناء والتطوير الإسرائيلي والجنرال السابق في الجيش الإسرائيلي المحكمة الدولية بالمهرج الذي يجب وضع حد له، رحبت الصحافة الإسرائيلية صراحة بالهجوم الأمريكي على المحكمة الجنائية الدولية، ووصفتها بالخطوة في الاتجاه الصحيح في عناوينها الأولى والعريضة، واعتبرت أن إضعافها هو إضعاف للفلسطينيين سياسيًا وقانونيًا.

رسمت صحيفة إسرائيل اليوم كاريكاتير لجون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، وهو يضغط على زر الكهرباء لكرسي الإعدام الأمريكي الكهربائي، وعليه المحكمة الجنائية الدولية مكبلة، فيما شنت صحيفة الأخبار اللبنانية الموالية لحزب الله هجومًا عنيفًا على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

هجوم شبيه في الصحف السعودية والإماراتية الرئيسة على تقارير المنظمات الدولية تحديدًا منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش التي قالت في تقاريرها إن انتهاكات كل من السعودية والإمارات في اليمن ترتقي لجرائم حرب، على الجانب الآخر لا بد أن نشير إلى أن تقارير نفس هذه المنظمات أشارت لتجاوزات للقوات التركية، وبعض المليشيات المقاتلة إلى جانب الجيش التركي في عفرين، وهي من فصائل المعارضة السورية حيث نشرت هذه المنظمات عن انتهاكات بحق سكان عفرين الأكراد من قتل وتهجير واعتقال وتعذيب، ونفس هذه التجاوزات لقوات سوريا الديموقراطية الكردية المدعومة أمريكيًا بحق السكان العرب في شرق الفرات السوري.

سلوكيات لا تقل خطورة عن سلوكيات الحشد الشعبي العراقي و(داعش) في العراق ولا تقل عن خطورة عن سلوكيات جبهة النصرة وحزب الله في سوريا ومئات المليشيات الأخرى التي قاتلت مع أو ضد النظام السوري، مع العلم أن جزءً كبيرًا من هذه التجاوزات المليشياوية، تم بثها على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل أفراد هذه المليشيات، وليس من خصومهم كنوع من المفاخرة والمباهاة، وهي ستشكل دلائل وبينات لإدانتهم على انتهاكاتهم الفظيعة كجرائم حرب لا تخضع للتقادم مهما طال الزمان لأن نظام روما الأساسي ينطبق على الأشخاص الطبيعيين.

لماذا محكمة الجنايات الدولية؟

 محكمة الجنايات الدولية هي الملاذ للضعفاء فقط، لليمنيين والفلسطينيين والبحرينيين والسوريين وكل الشعوب التي تعاني، إما من ظلم الاحتلال، أو ظلم أنظمة استبدادية تفتك بهم وبأحلامهم، لكن على الضعفاء أن يطرقوا بابها، وهنا المحك لهذه الشعوب المسحوقة والقوى التي تمثلها، معلومة أخرى ملفتة أن خمس دول عربية فقط وقعت على ميثاق روما 1998 الذي يعد النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهي الأردن وجيبوتي وجزر القمر والسلطة الفلسطينية وتونس.

ورغم مهاجمة إسرائيل لمحكمة الجنايات الدولية فإن إسرائيل تعتبر من أكثر  الدول في العالم التي تهتم بالقانون الدولي عموما حيث  تملك وحدها من الخبراء القانونيين الدوليين أضعافًا مضاعفة من نظرائهم في العالم العربي مجتمعًا، وهي لا تستهين، لا في المحكمة الدولية، ولا في القانون الدولي، بل تعمل على خطين متوازيين،حيث تهاجمها سياسيًا عبر التشويش على أعمالها إعلاميًا عبر التحريض والتشكيك في مصداقيتها، فيما تعمل طواقمها ليل نهار لتفنيد كل ما تتهم إسرائيل فيه كدولة احتلال ليل نهار وبشكل قانوني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد