“إذا لم تكن قد شاهدت تلك الفانتازيا Game of Thrones    أو لعبة العروش فقد فاتك الكثير”. هكذا باغتني صديقي مجنون الفانتازيا لما يعلمه عني من بغض شديد لمثل تلك المسلسلات. ظل يكرر كلماته تلك مرات عديدة حتى وعدته بأني سوف أشاهده قدر ما أستطيع، ولكن يبدو أنه كان محقا هذه المرة.

 

فسرعان ما بدأت أتأثر بشخصيات هذا المسلسل شيئا فشيئا حتى وقعت -كغيري من المشاهدين- في حب القزم “سير تيريون لانيستر” وطوفت بين جمله الحكيمة كثيرا على مدار المواسم الخمس من هذا العمل محاولاً سبر أغوار بعض لوغاريتمات عالمنا اليوم. فهو الظريف المضحك والمستشار الحكيم، والسياسي المحنك، والمحارب الذي لا يشق له غبار، والسكير مدمن اللذات وآسر قلوب الفتيات. ولعلي توصلت إلى بعض النتائج فأرخوا مقاعدكم فلدينا هنا ما يستحق النظر.

 

“ليس من السهل أن تصبح ثملا طوال الوقت، فلو كان أمرا سهلا لفعلها الجميع”

 

هكذا يدخل القزم سير تيريون لانيستر الموسم الأول من “لعبة العروش” غير آبه بما يدور من صراعات حول العرش وخلافه، بل يفعل كل ما بوسعه ليهنأ بحياته. يتنقل كل يوم بين المواخير، لا يفارق الكأس يده قط، بل ويفخر بذلك قائلا لكل من حوله أنه ليس بالأمر السهل أن تثمل طوال الوقت. أنا هنا لا أدعو إلى السكر والعربدة -والعياذ بالله- ، ولكن دعونا نتأمل تلك الحياة. أن تترك كل ما يدور في العالم من حولك وقد آمنت أن وجودك لن يغير شيئا قط أو أن دورك لم يحن بعد وتستمتع بما بين يديك من نعم.

 

احزن لفقدان من أحببت وافرح لفرح أحدهم دون أن يؤثر ذلك على خططك المستقبلية. لطالما أبعد والد تيريون لانيستر ابنه القزم عن شؤون السياسة لكرهه له ولكن “نصف الرجل” -كما أطلقوا عليه- ظل يختزن كل ما يدور أمامه وما تلتقطه مسامعه مؤمنا بفرصة يحفظها له القدر وهو ما يسمى اليوم بمراقبة ما قبل التجربة

 

” Observation  before experiment” .

 

“عندما تعترف بعيوبك، تفسد على الآخرين متعة استخدامها ضدك”

 

هكذا وجه نصيحة إلى أحد رجاله. أدرك أن كونه قزما أمر مثير للسخرية منذ البداية فعمل على استخدام هذا السلاح قبل الآخرين. فإذا كنت تعاني من سمنة مفرطة على سبيل المثال وقد تلاشت أمامك كل فرص النحافة فأعتقد أنه من الأفضل لك أن تتغنى بسمنتك قبل أن يجعل منك الآخرون نكتة قبيحة، وهو ما يفعله معظم نجوم الكوميديا بالمناسبة. وبفعلتك هذه تكون قد أضعت على الناس فرصة استمتاعهم باستفزازك وتكون أيضا قد أرحت نفسك من أي ضغوط عصبية محتملة جراء محاولة تبرير سمنتك أو تسويغ عدم نجاح الحمية التي اتبعتها مؤخرا لدى سؤال خالاتك أو عماتك.

 

“لا تقاتلوا من أجل ملك ما أو من أجل مملكته، لا تقاتلوا من أجل العزة، لا تقاتلوا من أجل المجد، ولا تقاتلوا من أجل الأغنياء لأنكم لن تغتنوا حال انتصاركم”

 

بهذه الكلمات الحاسمة خاطب جنوده في أول معركة خاضها محاولا شحذ هممهم وصارفا أبصارهم عن الأهازيج التي يرددونها في حب الملك أثناء استعدادهم للمعركة. وفي ظل التخبط السياسي الدموي المقيت الذي تشهده المنطقة منذ بضعة سنوات أجد هذه الكلمات مناسبة جدا لكل من اشتغل أو اهتم بالسياسة على الأقل.

 

لا ترهقوا أنفسكم في حوارات ومناظرات لن تجدي نفعًا. لا تستنزفوا أصواتكم في انتخابات محسومة نتائجها، لا تقتلوا أنفسكم في صراع تقوده مصالح الأغنياء وصفقاتهم مع رموز تصنعت الاهتمام بالعوام من الشعب، وأخيرا أسدوا أنفسكم معروفا وتوقفوا عن التحزب والفرقة ونعت بعضكم البعض نعوتا سفيهة، فكلكم هالكون لا محالة.

 

إذا التزمتم بهذه القواعد فلن تجدوا معركة تناسبكم وهو أمر جيد بل والأفضل منه أنكم ستعودون تلقائيا إلي النقطة الأولى الخاصة بعيش حياتكم كما يحلو لكم بعيدا عن هرطقة المهرطقين وتشدق الساسة بما لا يعلمون.

 

“لا تنس أبدا من تكون! فالكل سينسى”

 

ارتد شخصيتك درعا تلف به صدرك ولن يؤذيك العالم. اعقد من تاريخك طوقا تعلق به إنجازاتك لؤلؤة تلو الأخرى ثم زين به رأسك، فالناس من حولك لن يقتنعوا بما أنجزت إذا لم تجهر به أنت. الأسوأ لم يأتي بعد، وظلم الحياة لم يبلغ مداه حتى الآن، وعدل الدنيا لم ولن يظهر، فآمن بما لديك وأمسك عليك نفسك. محاولات العالم لتغيير النفس البشرية قائمة منذ خلق آدم -عليه السلام- إلى قيام الساعة ولن يفلت منها أحد ولكن حاول ألا يمس التغيير جوهرك.

 

لم أحاول سلك مسلك خبراء التنمية البشرية أو تقديم نصائحي كقديس خبِر من الحياة ما خبِر، ولكن هذه الاسقاطات تثبت دوما أن التاريخ يعيد نفسه حتى وإن كتب من وحي خيالنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إبداع, سنيما, فيلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد