اليوم وبعد التطورات المتلاحقة في منطقة الشرق الأوسط، وتوغل النظام الصهيوأمريكي فيها، والتي من شأنها أنها أنست شريحة كبيرة من الناس أنه كان هناك أيضًا هزائم متتالية لحقت بهذا النظام، كالتي حدثت لدولة الكيان الإسرائيلي من أكثر من طرف في المنطقة، بدءًا من غزوها لبنان عام 1982، إلى الانسحاب منها عام 2000، مرورًا بالانسحاب من غزة، ثم وصولًا لحرب عام 2006 في لبنان أيضًا، إلى الهزيمة الأمريكية في أفغانستان، وفي العراق هناك حيث الانتصار الكبير الذي لم يحتفل به أحد، ولا حتى العراقيين أنفسهم وهذا من مآسينا نحن العرب والمسلمين حتى الانتصار لا نحتفل به بسبب ترويض حكام العرب لشعوبهم على الهزائم المتلاحقة، ناهيك عن الحالة الانهزامية التي أورثوها لشعوبهم.

والشواهد لدينا كثيرة ولكن على سبيل المثال، وعندما نسلط الضوء على العراق، المقاومة العراقية والشعب العراقي والإرادة العراقية الوطنية التي قاومت هي التي هزمت أمريكا هناك.

أما في هذه الآونة وبعد الإحداثيات في العالم العربي والإسلامي، وبعد ثورات الربيع العربي تحديدًا، دخلت أمريكا وقتها على خط الأحداث بقوة بل وأشعلت نيران حرب جديدة، ولكنها ليست حربًا فعلية على أرض الواقع بقدر ما هي سياسة جديدة تبنتها الإدارة الأمريكية، وهي عملية إذلال وإخضاع كل من رفض ويرفض الخضوع للهيمنة الأمريكية، وعندما نتوقف قليلًا لما جرى في العراق مؤخرًا، وما جرى أيضًا في سوريا بعد بداية ثورتها، نجد أن بينهما أوجه تشابه كبير لكنه متعدد الأوصاف، فعندما تأتي دول غربية وعربية وإقليمية وتجمع عشرات الآلاف من المقاتلين بغض النظر عن انتمائهم سواء كانوا محسوبين على تنظيم القاعدة، أو على تنظيم الدولة، وتأتي بهم من أرجاء العالم وكلنا يعلم إذا أراد شخص أن يحصل على تأشيرة للسفر في هذا الوقت كم يُكلف الأمر من عناء، ويتم تقديم التسهيلات لهم والأموال وآلاف الأطنان من السلاح والذخيرة بعد التحاقهم بأرض الصراع، بل وتُقدم لهم الأسلحة الثقيلة والمتطورة مثل التي رأيناها مع تنظيم الدولة في سوريا والعراق.

السؤال هنا: هل هذه الدول أقدمت على خطوة كتلك بدون علم أمريكا ورضاها؟

الإجابة لا، ولماذا؟ لأن هذا الذي يحدث في أصله مشروع أمريكي عملت فيه ولا زالت تعمل دول مثل السعودية بسياساتها الحديثة، وبحربها على اليمن، وتعمل فيه الإمارات، ودول مثل البحرين ومصر. وهذا يفسر ما نقوله بأن مشاريع الحروب الدائرة الآن في منطقتنا قائدها الحقيقي هو أمريكا، وهي التي تدعم وهي التي تُساند وتُنسق وتُوجه.

في العراق وعند سيطرة تنظيم الدولة على الموصل، من الذي قدم الدعم والسلاح والمال والتسهيلات للتنظيم عند دخوله الموصل وحتى بعد استقرارهم فيها وإعلانهم إياها ولاية تابعة لهم؟

الإجابة أمريكا وحلفاؤها في المنطقة، ولماذا وهي التي قالت عند خروجها من العراق سنخرج لنُتيح الفرصة للعراقيين لبناء دولتهم!

قالوا هذا الحديث وهم أصلًا من جلبوا الخراب والدمار بغزوهم العراق عام 2003، ولكن هذا الحديث كان كذبًا منهم على أبناء العراق وعلى المجتمع الدولي؛ لأن أمريكا أرادت حينها أن تُخضع العراقيين وتُذلهم بعد أن طردوها وهزموها وكسروا شوكة احتلالها وأحبطوا مخططتها، فأرادت بذلك أن توصل لكل شعب العراق رسالة مفادها أن لا حامي لكم اليوم من اجتياح الدولة الإسلامية في الموصل وغيرها إلا أنا، أنا العرين لكم وأنا السيدة؛ ولذلك توغلت هناك بعد ذلك في تحديد سعر النفط العراقي، وساهمت عن طريق عملائها هناك في تشكيل الحكومة، وحتى في اختيار رئيسها، وفي تعديل دستور بلادها، ودفع أبناء إقليم كردستان من خلف ستار للمطالبة باستقلال الإقليم عن العراق، وذلك حتى تتفتت الدولة وتنقسم أكثر مما هي عليه، ومن بعد سقوط بغداد وحتى اليوم لا زال الشعب العراقي يتنفس الصعداء، ولا يكاد ينتهي من أزمة إلا ويُقحم في أخرى هي أكبر من أختها، واحتجاجات مناطق الجنوب ذات الأغلبية الشيعية قبل أيام شاهدة على ذلك.

أيضًا الحرب على اليمن الدائرة إلى وقتنا هذا في الحقيقة هي ليست حربًا عربية أو خلافات بين دولتي جوار، أو مع متمردين ومسلحين سيطروا على العاصمة اليمنية، وتحكموا في مقدرات الشعب اليمني وزمام أمره، كما قالت دول التحالف، ولكنها في الأصل حرب أمريكية حتى وإن لم تكن أمريكا في صدارة مشهدها، ولكنها استطاعت إقحام نظام آل سعود وآل زايد فيها بحجة وقف تمدد جماعة الحوثي المدعومة من نظام الجمهورية الإسلامية، وإرعابهم بالخطر الرابض على حدود ممالكهم وعروشهم إذا أخذ أبناء الخميني فرصتهم واستطاعوا أن يكونوا رقمًا صعبًا في المعادلة بشبه الجزيرة العربية.

سقطت السعودية والإمارات إذن في الفخ الذي نصبته لهم أمريكا، ووجد فيهم النظام الأمريكي تربة خصبة وسوقًا استهلاكية جيدة لتسويق أسلحته وصناعاته العسكرية، وأغرتهم أموالهم وسلطتهم ونفطهم بأنهم يستطيعون أن يُنهوا الحرب مع اليمنيين في غضون أيام، كما صرح وزير خارجية السعودية قائدة التحالف في مطلع هذه الحرب، وها هي رحى الحرب لا زالت دائرة هناك لسنوات، وتعجز السعودية عن الانسحاب منها لأنها لم تحقق أي إنجاز على الأرض يُذكر، اللهم إلا إنجاز آلاف المدنيين الذين قُتلوا وأصيبوا، والأمراض التي تفشت، والفقر المدقع المنتشر هناك، ونقص المواد الغذائية والطبية، وحالات التهجير، وآلاف اليمنيين الفارين إلى خارج البلاد من ويلات الحرب في اليمن التي غدت تُعاني أشد المعاناة من جراء هذه الحرب المفروضة ظلمًا على شعبها، لا أقول إن النظام السعودي عجز عن تحقيق نصر في اليمن وفقط؛ بل عجز حتى عن حماية حدوده مع اليمن المنتشرة فيها الآليات العسكرية أكثر مما بها من جنود أمام هؤلاء الحُفاة اليمنيين، وعجز أيضًا عن تأمين مطاراته وقصوره الرئاسية من صواريخ الحوثي المقصوفة عليه بشكل لا يتوقف حتى الأمس القريب، بعدما فشلت في التصدي لهذه الصواريخ منظومتهم الدفاعية التي اشتروها من الولايات المتحدة الأمريكية.

تكمُن المشكلة الكبرى في اليمن أن المعركة بين الأطراف المتحاربة هناك تطورت في الآونة الأخيرة بشكل سريع وخطير، من بعد معركة الحُديدة التي دارت حول الميناء الذي كانت تسيطر عليه قوات الحوثي، وكان الدافع الأكبر من هذه المعركة هو قطع أي إمداد يصل للحوثي، سواء كان دعمًا عسكريًّا من أسلحة وذخيرة، أو مواد إمداد لمواصلة حربهم، هذا الأمر ابتز جماعة الحوثي فأقدموا بعدها على خطوة خطيرة، وهي استهداف ليس الأراضي السعودية بصواريخهم كما اعتادوا وحسب، ولكن طالت أيديهم أيضًا أهدافًا أخرى لإحدى الدول المعاونة بشكل أساسي في هذه الحرب، والتي يعتبرها الحوثي محتلة لأراضيه؛ فقاموا باستهداف مطار أبوظبي مؤخرًا بطائرة مسيرة، وهو ما أرسلوا به للجميع رسالة مفادها أننا نستطيع نقل الحرب إلى داخل أراضيكم وبلدانكم الآمنة، بل وقاموا باستهداف حركة الملاحة المارة من مضيق باب المندب وقصفوا بارجتين سعوديتين كانتا تُقلان نفطًا للتصدير، وهذا ما لم تنكره الرياض.

يا سادة النظام الأمريكي بمساعدته غير المعلنة في إخضاع اليمن هو لا يُخضعها للنظام السعودي والإماراتي وحسب، إنما يُخضعها لأمريكا بحرب الوكالة هذه، لتبقى اليمن في دائرة الهيمنة الأمريكية، هذه هي الحقيقة، ولذلك أرادوا لهذه الحرب أن تأخذ بُعدًا طائفيًّا وبعدًا مذهبيًّا حتى يتمكنوا من ذلك، وللأسف ساعدت السعودية في هذا الأمر، كي تتحول هذه الحرب إلى حرب سُنية شيعية، لكنهم حتى الآن لم يُوفقوا التوفيق الكامل في ذلك، ويحضرني في هذا السياق ما كتبه ريتشارد ميتشل في كتابه «الإخوان المسلمون»، والذي قال فيه لكي ننجح في غزو المسلمين فكريًّا علينا أن نُعمق الطائفية والمذهبية بينهم. وهذا هو الحاصل الآن في أكثر من منطقة في الشرق الأوسط، لكن من الأسباب التي كانت حائلًا من أن تأخذ حرب اليمن هذا النمط هو وعي الشعوب، ومواقف أغلب العلماء والنخب والقوى السياسية التي رفضت هذا التوصيف لهذا المشهد، وكان لعلماء السنة الصادقين منهم والمخلصين الدور الأكبر في عدم السماح بأن تتحول هذه الحرب لحرب سنية شيعية، هؤلاء العلماء الذين امتلأت سجون آل سعود بهم بعد مواقفهم، بل ومنهم من قضى نحبه فيها قبل أيام، ولكن كان ولا يزال المطلوب أن تكون الحرب هكذا، وأن تتحول هذه الحرب لحرب طائفية ومذهبية حتى يجد المُتصدرون لمشهدها داعمين من الدول السُّنية ومؤيدين لهم؛ لذلك شاركت معهم دول عربية وإسلامية.

وهذه هي المشكلة التي يتم اختلاقها منذ زمن أن تُستفز مشاعر المسلمين السُّنة وشباب السنة، ويقال لهم هذه معركة الشيعة والسنة، وتعالوا قاتلوا عن حمى الرسول وعن حمى بيت الله الحرام، ويُقتل الآلاف تحت هذا المُسمى الأرعن تمامًا كما فعلوا في سوريا، وفي نهاية المطاف وبعد هذه المطحنة الكبرى والقتال والدمار والدماء والأشلاء نتيجة هذه المعركة هي لأمريكا ولأدواتها في المنطقة، هذه حقيقة الصراع الدائر في منطقتنا الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد