أرسلت سؤالًا إلى الأستاذ نعوم تشومسكي الغني عن التعريف وإلى روبرت سابولسكي بروفيسور بيولوجيا السلوك البشري في جامعة ستانفورد ومؤلف كتاب «Behave: The Biology of Humans at Our Best and Worst».

السؤال: لماذا لا تُحدِّث الحكومات والأنظمة العلمانية القوانين؟ وأخص بالذكر قوانين العقوبات، بما يتناسب مع النتائج العلمية الحديثة؟
كان جواب نعوم تشومسكي شافيًا ووافيًا، «لأن العلم ليس الصوت الرئيسي الذي يستمعون إليه، بل القوة الاقتصادية».

أما جواب روبرت سابولسكي فكان:

«هذا سؤال رائع، وأنا بالفعل أقضي الكثير من وقتي الآن في محاولة للتعامل مع هذا في سياق القانون الجنائي.
أود أن أقول إن هناك على الأقل ثلاثة مستويات للإجابة عن هذا السؤال:
– أولًا، حتى في دولة ذات حكومة علمانية، مثل الولايات المتحدة، هي ليست علمانية بحق. الولايات المتحدة هي بلد مسيحي للغاية، وغالبًا ما تعنيه «حرية الدين» هنا هو أنه لا يهم أي نوع المسيحية الذي تعتنقه لتعد «طبيعًّا». بالنسبة لأي شخص آخر، إنه أمر مشكوك فيه كثيرًا ما إذا كنت تُعد «بطريقة غير واعية» شخصًا طبيعيًّا. لا يمكن انتخاب أي شخص رئيسًا في هذا البلد دون أن يحضر بشكل واضح الكنيسة «الخاصة بهم»، ويتحدث عن مدى أهمية قيمهم الدينية بالنسبة لهم. حتى ترامب يجب أن يتظاهر بأنه متدين. إن ما تعنيه «الحكومة العلمانية» في الولايات المتحدة هو أنك لا تتخذ قرارات حكومية من خلال الإشارة بصراحة إلى قيمك الدينية. أظن أن الأمور علمانية حقًّا، مختلفة تمامًا ، في أماكن مثل السويد والنرويج.

– حتى في بيئة علمانية بحق، يؤمن الناس بشدة بفكرة وجود الإرادة الحرة، كما يعتقدون حقًّا أن العقوبة يمكن أن تكون شيئًا رائعًا ومثيرًا وممتعًا.

هذا سوف يبدو مجنونًا بعض الشيء، ولكن لقد تعاملت مع الكثير من المحامين وأساتذة القانون والقضاة حتى الآن، فيما يتعلق بحملهم على التفكير في الدماغ والإرادة الحرة (يقصد هنا إطلاعهم على العلم الحديث بخصوص هذه الموضوعات). ولقد أدركت أن هؤلاء أناس أذكياء حقًّا، ومع ذلك هم يكرهون العلم. هؤلاء هم الأشخاص الذين أجبروا على دراسة العلوم في المدرسة، ثم بقوا بعيدين عن العلم منذ ذلك الحين، ربما يرجع ذلك في معظم الأحيان إلى أنهم يشعرون بالملل والخوف من العلوم. – ربما يكون هناك الكثير من الأسباب الأخرى، ولكن هذه الأسباب بالتأكيد تتبادر إلى الذهن».
*

للتوضيح: يقصد بالتحديث المطلوب في قوانين العقوبات هو أن تطلع السلطة التشريعية والقضائية على نتائج العلم الحديث التي تظهر بوضوح أن سلوك الإنسان ليس إلا نتاجًا لعمليات كيميائية في الدماغ، وانعكاسًا لتأثير البيئة في كينونته، حتى إن النزعة الإجرامية قد تكون نتيجة لورم معين في جزء من الدماغ، أو خلل هرموني، أو صدمة نفسية، أو حتى التغيرات التي تطرأ على هرمونات الأم في مرحلة حملها له عندما كان جنينًا، مما يؤدي لتغييرات طفيفة في نمط حياة الفرد وشخصيته.

وجدير بالذكر أن نتائج الأبحاث في مجال الذاكرة الجينية (أثر التغير البيئي في الجينات)، قد خلصت إلى أن تأثير البيئة في الجينات (أي تأثير البيئة في نمط حياة الكائن الحي)، يمكن أن ينتقل إلى الجيل الرابع عشر.[1] إضافة إلى بحث علمي حديث يدل على أن عواقب سوء المعاملة في مرحلة الطفولة (الإهمال أو الاعتداء) يمكن أن تنتقل عبر الأجيال، مما يؤثر في أطفال الضحية وأطفال أطفالها (3 أجيال على الأقل)، حتى لو لم يتعرضوا لسوء المعاملة بأنفسهم.[2]
وتبعًا لذلك، فالمجرم يجب أن يجري التعامل معه كمريض وإعادة تأهيله بالطب النفسي والوسائل الأخرى الممكنة. وهذا الأمر بديهيًّا يلغي بالضرورة عقوبة الإعدام، ويعيد النظر في فكرة السجن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد