«طفلة ملقاة أمام المسجد»، «العثور على طفل في الساعات الأولى من عمره أمام إحدى المستشفيات»، «شاب يعثر على طفل في كيس قمامة». عناوين تنشر بكثره في مجتمعاتنا، ظاهره تنهش وتزعزع إنسانيتنا، تستحق البكاء حزنًا، ليس فقط لبؤس المنظر، ولكن لتحملنا جزءًا كبيرًا من المسؤولية، وضياع مستقبل الطفل يقع على عاتقنا جميعًا كمجتمع، لا أقصد تبرئة ساحة المجرم الذي أقبل على هذا الفعل، ولكن الحقيقة بأنه أُجبر من المجتمع بشكل أو بآخر على فعله.

لا أعلم ماذا أصاب المجتمعات العربية، حتى صارت ضحلة وعقيمة الفكر ومختلة في رؤيتها للإنسان، في السياقين الاجتماعي والنفسي. هذا الاختلال نتج عنه ضعف في أساس تربية الفرد، وأخرجه للعالم ساذجًا لا يفهم ماهيته وطبيعة جنسه، أو يفهمها ولكن يأبى الاعتراف بها؛ ظنًّا منه بأن ادعاءه للمثالية وإنكاره لغرائزه فضيلة اجتماعية أو دينية، ومما ترتب عليه النفور القاسي من الحديث عن الجنس وكل ما يتعلق به من رغبات وممارسات، والإحساس بالعار منه في غالبية البيوت والمؤسسات التعليمية، وكأن «لا حياء في العلم» حُذف منها النفي بقدرة قادر!

الجنس إحدى الرغبات الأساسية لدي الإنسان الطبيعي، ولا يلجأ الجميع إلى الزواج لتلبية هذه الرغبة. وطريقة تغذية هذه الرغبة ليس من شأننا، طالما أنها خلف باب مقفل، جميع وسائل الإجبار لن تمنع الأفراد من ممارساتهم الاختيارية، والحقيقة التي نأبى الاعتراف بها تقول: اختيارات الأفراد الشخصية ليست من شأن المجتمع، بل المجتمع من شأنه أن يؤسس أفراده تأسيسًا صحيًّا بتوعية جنسية سليمة، لا تمنع، لا تبطش، لا تنبذ، جميع وسائل الإجبار والبلطجة التي نمارسها سينتج عنها ممارسة جنسية خفية دون علم بأساسيات ممارسة الجنس الصحية والوقائية، مما ينتج عنه أمراض وحمل بغير قصد، ومن ثم نبذ المجتمع لمن يمارس الجنس خارج نطاق الزواج، بتسميتهم مسميات مثل «عاهر وعاهرة»، وتسمية أبنائهم بمسميات مثل «أبناء الحرام»، سيزيد من احتمالية رمي أطفالهم في الشارع؛ إما للمحافظة على شرفهم في النظرة القاسية للمجتمع، أو حتى للحفاظ على لقمة العيش في بعض الحالات.

لو كان من أقبل على الممارسة الجنسية واعيًا جنسيًّا، ولو كان المجتمع يتقبل جميع أبنائه بغض النظر عن توجهاتهم الجنسية واختياراتهم الشخصية، لتجنبنا الكثير من الكوارث الإنسانية. المضحك المبكي أن المجتمع يبكي ويشفق على الطفل نفسه الذي يسميه «ابن حرام»!

بالإضافة إلى ما سبق، يأتي دور منع الإجهاض، أتفهم من يعارض الإجهاض بحجة أنه عمل لاإنساني، ولكن آن الأوان أن ندرك أن منع الإجهاض في بعض الحالات هو العمل اللاإنساني، والسماح بالإجهاض سيحفظ لنا الكثير من إنسانيتنا فيما نشهده الآن. تصور أخي القارئ لو أن الإجهاض في الدولة قانوني مباح، ولو أن كل أم تعلم أنها غير قادرة على تحمل مسؤوليات أمومتها أقدمت على الإجهاض؛ لتجنبنا العديد من العواقب، وأنقذنا أرواحًا عديدة من أن ترمى في زوايا شوارع مهجورة، أو في حاويات قمامة برفقة فضلات الناس.

حق المرأة في تحديد مصيرها كانت وما زالت الحجة الرئيسية للمطالبين بإلغاء قوانين منع الإجهاض، تجدها المعارضة حجة ساذجة وغير إنسانية بالنسبة إلى الطفل، ولكن في حقيقة الأمر، الكثير من الحالات الإنسانية تستدعي الإجهاض، كالتحرش والاغتصاب الجنسي، والاغتصاب الزوجي، الفقر والعجز المادي، العنف الأسري وفساد الزوج، لكن القوانين في غالبية البلاد العربية تمنع الإجهاض منعًا باتًا دون النظر إلى أسبابه الإنسانية، والبعض القليل يسمح بالإجهاض إذا كان لأسباب صحية فقط. مما يضطر المرأة للجوء إلى وسائل غير آمنة للإجهاض؛ مما يعرض حياتها للخطر. تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى حدوث حوالي 25 مليون حالة إجهاض غير آمنة سنويًّا ومعظمها في البلاد النامية التي تمنع الإجهاض في قوانينها. لا توجد أي إحصائيات رسمية في الدول العربية تبيّن عدد الأمهات اللاتي أقدمن على الإجهاض بطريقة غير آمنة، وأسباب قيامهن بذلك، كما أنها لا توجد أية إحصائيات رسمية توضح نسبة الحمل من حالات الاغتصاب الجنسي أو الزوجي، ربما تخجل مجتمعاتنا وحكوماتنا من تقبل الحقيقة غير المثالية؛ لذلك نحن في حالة عجز عن إيجاد حل أو تدارك الأمر.

ليعلم القارئ أني لا أقصد تشجيع أو تحفيز أي ممارسة محرمة، وفي الوقت ذاته أرفض أي ممارسة تمنع أو تكبت أو تسلب حق الفرد في اختياراته الشخصية. أعي جيدًا ما أقوله، مجتمعاتنا تقبل على العديد من الأفعال بنية حفظ أخلاقيات وأعراف وعادات وتقاليد، ولكنها لا تعي بأن ما تعمد إليه هو ما يجلب لها العار الإنساني والأخلاقي معًا. كفانا هراء، كفانا ظلمًا لأنفسنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد