فبينما أنت تلهو وتعبث وتبحث عن واسطة لكي تعمل في إحدى الشركات أو أحد البنوك؛ أو تجلس على المقهى في انتظار مجاملات «تعيين أبناء العاملين»؛ كان «إيمانويل ماكرون» يصنع مجدًا عظيمًا وتاريخيًّا في فرنسا.

 بدأ موظفًا صغيرًا في أحد البنوك، وأنشأ حزبه السياسي لكي يجعل فرنسا أجمل؛ وأنت تهدر وقتك في النقد غير البناء و«الألش والسخرية» لكل شيء حولك عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون أن تحاول أن تصنع تغييرًا حقيقيًّا يعود بالنفع عليك، وبالتالي على مجتمعك؛ فعزلت نفسك وأصبحت أسير الجلوس أمام شاشة الحاسوب أو هاتفك الذكي؛ وآثرت السلامة وفضلت السير بجوار الحائط من أجل أن تحافظ على «وظيفتك»، أو من أجل أن تحافظ على فتات ما تكسبه يداك!

من هو ماكرون؟

«إيمانويل ماكرون» بالفرنسية: Emmanuel Macron» ولد في 21 ديسمبر 1977 في أميان، هو الرئيس المنتخب الثامن للجمهورية الفرنسية الخامسة؛ وسياسي ومصرفي استثماري فرنسي سابق؛ متخرج من المدرسة الوطنية للإدارة في 2004؛ أصبح ماكرون مفتشًا ماليًا قبل أن يبدأ في 2008 العمل كمصرفي استثماري في بنك روتشيلد آند سي.

انضم بين 2006 و2009 للحزب الاشتراكي؛ ثم عين في 2012 نائبًا للأمين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية لدى الرئيس «فرانسوا أولاند»، ثم وزيرًا للاقتصاد والصناعة والاقتصاد الرقمي في حكومة «مانويل فالس» الثانية؛ وذلك حتى 2016.

في أبريل 2016 أسس حزبه إلى الأمام!«En marche» ذا التوجهات الوسطية المعتدلة؛ ثم في 16 نوفمبر أعلن عن ترشحه للانتخابات الرئاسية الفرنسية 2017 . انتقل للجولة الثانية من الانتخابات بعد مجيئه في المرتبة الأولى بفارق صغير عن مرشحة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة «مارين لوبن» التي تحصل على دعم كل من مرشح حزب الجمهوريين اليميني «فرنسوا فيون» ومرشح الحزب الاشتراكي اليساري «بونوا أمون»؛ وفاز «ماكرون» في الانتخابات في 7 مايو 2017 بعد فوزه على ماري لوبن بنسبة 66.06 في الانتخابات الرئاسية في تجربة تعد هي الأولى والفريدة من نوعها في فرنسا وربما العالم أجمع.

وماذا عن قصة زواجه؟

تقول الكاتبة «آن فولدا»، مؤلفة كتاب «إيمانويل ماكرون الشاب المثالي»، إن «والد ماكرون» اعتقد أن ابنه وقع في حب زميلته في الفصل الدراسي، «لورانس أوزيير»، لكن الحقيقة كانت أن «ماكرون» مولع بحب أمها السيدة «بريجيت ترونيو»؛ وأضافت «فولدا» أنه عندما علم والدا ماكرون بالأمر، طلبا من «بريجيت» الابتعاد عن ابنهما حتى يبلغ سن 18 عامًا، وقالت لهما: «لا أستطيع أن أعدكما بأي شيء»؛ وعندما بلغ ماكرون سن السابعة عشرة قال «لبريجيت» إنه سيتزوجها في يوم من الأيام، وأوفى بوعده وتزوجها بالفعل بعد عشر سنوات في عام 2007؛ لم يقف فارق السن عائقًا بين الزوجين حوالي 24 عامًا، وهو فارق السن نفسه بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزوجته ميلانا؛ ويذكر أن «ماكرون» الذي يبلغ 39 عامًا الآن التقى بمعلمته في المدرسة عندما كان يبلغ من العمر 15 عامًا، بريجيت ترونيو 64 عامًا الآن؛ أما عن «بريجيت ترونيو» زوجة ماكرون فهي وريثة لشركة لصناعة الشيكولاتة، وكانت مُدرسة لمادة الدراما؛ وعندما تولى «ماكرون» منصب وزير الاقتصاد في حكومة الرئيس «فرانسوا هولاند» استقالت «بريجيت» من وظيفتها كمعلمة، وأصبحت منذ ذلك الوقت مستشارته التي يثق برأيها.

لو أردنا أن نتقدم:

يبقى سؤال، كيف يمكن أن يستفيد كل مصري، سواء أكان شابًا أم مسؤولاً من هذه التجربة؛ فبالتأكيد هناك دروس مستفادة عديدة يمكن أن نخرج بها من تجربة «ماكرون» الفريدة.

1 – الاستفادة من تجارب الناجحين

لقد أتى بشيء جديد.

كما قالت الصحفية الفرنسية «إيميلي شولثايس»: إن «ماكرون» بعد أن أسس حركة «إلى الأمام»، تعلم الكثير من الحملة الانتخابية التي قادها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ذات القاعدة الشعبية في عام 2008؛ قام بتنظيم «مسيرة كبرى» جند لها ناشطي حركته المتحمسين لتجربته.

2- الاستفادة من تقنيات العصر

بذلت حملة «ماكرون» جهدًا جبارًا من أجل استشراف مزاج البلاد وضمان تواصله مع الناخبين من وقت مبكر، والتأكد من أن الناشطين يعرفون كيفية طرق الأبواب والتحدث مع الناس؛ واستخدمت الحملة مناهج استقيت من شركة للبحوث السياسية للتعرف على الأحياء والمناطق التي تمثل فرنسا بشكل عام؛ وأرسلوا ناشطيهم لطرق حوالى 300 ألف باب على الأقل، ولم يكتف الناشطون بتوزيع المنشورات فحسب، بل أجروا 25 ألف محادثة بلغ طولها 15 دقيقة تقريبًا مع ناخبين في طول البلاد وعرضها، وأدخلت المعلومات المستقاة من هذه المحادثات في قاعدة بيانات ساهمت في بلورة أولويات «حملة ماكرون» وسياساتها.

3- كن أنت وتفرد بذاتك

كان الجو العام في فرنسا يتميز بالتشاؤم بينما جاء ماكرون برسالة متفائلة وإيجابية.

تمكن من تفادي محاولات تصويره كـ «فرنسوا هولاند» آخر، ونجح في خلق صورة خاصة كانت جذابه بالنسبة لأولئك الذين كانوا يتوقون إلى شيء جديد في عالم السياسة؛ فهو شاب ومليء بالحيوية لم يتطرق إلى ما سيفعله من أجل فرنسا، بل ركز على كيف سيخلق فرصًا للناس؟ وكان المرشح الوحيد الذي اعتمد هذا الخطاب».

4- القراءة الجيدة للواقع

تمكن من استشراف أن أمامه فرصة لم يتمكن من استشرافها الآخرون.

كان بإمكان «ماكرون» أن يسعى للترشح عن الحزب الاشتراكي؛ ولكنه تيقن أن ذلك الحزب بعد أن قضى سنوات عديدة في الحكم تدنت خلالها شعبيته إلى حد كبير، وسيواجه مشقة في إيصال رسالته لجمهور الناخبين؛ تطلع «ماكرون» عوضًا عن ذلك إلى حركات سياسية بزغ نجمها في أقطار أوروبية أخرى، مثل حركتي «بوديموس» في إسبانيا وحركة «النجوم الخمس في إيطاليا»، وتيقن بأنه لا توجد حركة تغيير موازية في فرنسا؛ وفي أبريل 2016 أسس «ماكرون» حركة «إلى الأمام» الشعبية وبعد 4 أشهر من ذلك استقال من حكومة الرئيس «فرنسوا هولاند».

لقد لعب الحظ دورًا مهمًا في تولي «إيمانويل ماكرون» رئاسة دولة بحجم فرنسا؛ لكن على الجانب الآخر كان ثعلبًا ماكرًا وداهية سياسية كبرى رغم صغر سنه؛ وأكبر درس قد نستخلصه من هذه التجربة التاريخية أن الحظ وحده غير كاف للنجاح وقيادة الدول، بل على الإنسان أن يجد ويجتهد ويثق في قدراته، وأن يتمتع بروح المثابرة وحب المغامرة؛ أما أن تجلس وتنتظر ما ستفرضه عليك الظروف وتلعن سوء الحظ وتسلم للأمر الواقع؛ فمكانك بالطبع لن يكون بين مصاف العظماء؛ أكثر مكان ستجد نفسك فيه هو «المقهى»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد