رمضان في مصر متفرد له صوت وشكل ورائحة لا تخطئها الآذان والأعين والأنوف لا يفيه وصف حقه مشهد الفوانيس وزينة رمضان الجاهزة والمصنعة منزليا في جو متشبع برائحة القطائف والكنافة مع أصوات رمضان جانا والتواشيح مستمرة في الخلفية (وإن كان غياب صوت التراويح في الشوارع صاحبه غياب جزء ليس بالهين من روح رمضان) لتكمل الصورة بأن رمضان قد أتى ليوحد الكل حتى مظاهر الاحتفال.

لكن أنى لذلك التوحد أن يمر بسلام فشعوبنا اعتادت التصنيف وصناعة الفروق حتى لو كانت زائفة وغير مفهومة فأصبح يصاحب رمضان ضغط غريب وأسئلة أقرب للاستبيان عما تحب وتفعل في هذا الشهر لتدخل في مناقشات وجدالات لا تنتهي وتُفاجأ بعدد لا يحصى من الأدلة والبراهين من بوستات «فيسبوك» تُرغَم في آخرها أن تنضم لفريق بعينه وتتبنى آراءه وإلا هددك خطر أن تكون وحيدًا في دربك.

تبدأ الأسئلة قبل قدوم رمضان بقليل من نوعية هل تبعث رسائل التهنئة المرسلة لكل القائمة سنة بتبشير النبي لأصحابه بقدوم رمضان أم  تعتقد أنها لا تتعدى كونها روتينًا مبتذلًا وتفضل ان تختص الأهل والأحباب بمكالمات تليفونية أو رسائل تحمل ودًا مخصصًا لصاحبها، تتبعها تساؤلات بخصوص عاداتك في هذا الشهر فهل تعد مائدة ملأى بما لذ وطاب لتخلق جوًا مميزًا يرتبط ذهنيًا برمضان أم تعد ذلك إسرافًا لا يتماشى مع الشهر الكريم وتخمة تزاحم العبادات فتغلبها تارة وتنغصها تارة أخرى.

وهل أنت من محبي المسلسلات الرمضانية وتعشق متابعتها في فراغك بلا تقصير أم تجد في ذلك إهانة للشهر الفضيل وقلة احترام لهيبته وتهاونًا في فضله حتى عباداتك ونواياك ستخضع للتحقيق والتمحيص، سواء صلاة أو زكاة أو صيام، هل تنضم لفريق يظن أن الحكمة من فرض الصيام هو الإحساس بشعور الفقراء والمساكين وتدريب لنهي النفس عن الهوى ودرء الأمراض والأسقام أم تؤمن بالامتثال لأوامر الله لحكمة يعلمها رب العالمين إن شاء جلاها؟

وأنت هل تحرصين على صلاة التراويح في المساجد كي لا تفوتي حدثًا لن يكرر إلا سنويًا وشعورًا مميزًا بتناغم الجسد والروح ام تجدينها وسيلة لـ(اصطياد العريس) وجمع الذنوب والأفضل أن تلزم المرأة بيتها، هل سأمت متابعة الشيوخ الجدد وبرامجهم وتزعزعت ثقتك بهم لسبب أو لآخر وتتبع القائل بالًا تستن إلا بمن قد مات فالحي لا يؤمن عليه الفتنة وما أشد الفتنة الآن أم ترى ذلك خلطا للحابل بالنابل وتصر ان تتحسس مواعيد برامجهم في الفضائيات لإعطائك شحنة دينية في زمن مادي دنيوي بحت.

هل تسابق لختم القرآن مرة وأكثر لتهنأ بحسنات مضاعفة حصريًا برمضان أم أنت من أنصار ختمة واحده تكفي إذا استشعرت بها جلاء همك وذهاب حزنك واستبشار قلبك وإذا فكرت في مصارف صدقتك وزكاتك هل تداعب إعلانات المؤسسات الكبرى مشاعرك وتفخر بنجاحها وحسن إداراتها وتدرك قيامها على التبرعات وأنها قد تنهار بنفس سرعة البنيان إذا استجبنا لدعوات المقاطعة لها أم أنت ترى إعلاناتها المكلفة وترف بنائها واستقبالها لعدد حالات لا يتناسب مع حجمها تبديدًا لأموال المتبرعين وتفضل أن تبحث عن المحتاجين بنفسك وهكذا دواليك.

وبينما تقضي الوقت محاولًا أن تنضم لأي فريق وتحلل أقوال هذا وذاك تنسل الأيام المعدودات لتتحرر شياطين الإنس والجن من أصفادهم وتعود وكأن شيئًا لم يكن لتدرك متأخرًا أن الملتفت لا يصل، وأنه يمكنك أن تستفتي قلبك وتتبعه أسرع وأفضل من التخبط فلن تنفعك اللمة ولن تضرك الوحدة إذا خرجت من رمضان كما دخلت خالي الوفاض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد