بيدٍ مُحبةٍ غير مرتعشة أضغط هذا الجرح الذي لطالما ارتضينا غض الطرف عنه؛ فخسائرنا جرّاء هذه السياسة تتصاعد كل يوم، حين نقدم لهم في كل يوم المزيد من الإساءات؛ فنحن إذ نتوقف عن الإساءة إلى الغير حال حضورهم، نستمر في الإساءة إلى مثليي الميول، فهم حاضرون في صمت، حضور كالغياب؛ إذ ترتبط المثلية في التراث والأذهان بصور معيّنة رسختها الثقافة الغالبة ودعمتها الشاشات، عن ذلك الشاب المتثني سيئ الأخلاق، لكن الحقيقة أن هذه الصورة لا تُمثّل إلا نسبة ضئيلة من الواقع، فقد يكون ذلك الشاب مفتول العضلات الذي يشاركك صالة “الچيم” من مثليي الميول، وعلى الجانب الآخر أعرف كثيرين من مثليي الميول ممن أقتدي بهم في العبادة والدين، ما أود قوله هو دع الصورة النمطية جانباً، ولا تدينوا على الأرض كي لا تُدانوا في السماء.

 

والحقيقة أنّك متى قابلت مثليي الميول وبخاصّة غير المتصالحين مع السلوك والميل لن تجد سوى إنسان، إنسانٌ أجهده ما يحمله بين جنبيه من آلام إنسان، وأخطاء إنسان، مثلي أنا أيضاً، ومثلك كذلك، بل ربما آلامه والإساءات التي نالت منه رفعت من قيمته وقدره كإنسان، الآلام التي أشرقت في الباطن بأنوار التجربة، الآلام التي نكبر وبها نضجنا ستجد لديه منها الكثير، حياةٌ ملأى بالإساءات بدأت مع والديه فشارك أن تنتهي عندك، وأتساءل: أي قانون غاب نحيا به كي لا نكتفي بأن نترك بعضنا يصارع آلامه حتى نلاحقهم باللعنات والويلات والسخرية كي نبقيهم بقية نفسٍ في بقيّة إنسان، فارحمنا كأخي يوسف حين قال: لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب إن كنتم فاعلين.!

 

إننا برفضنا لهم ندفعهم إلى الظل، وفي الظل نتركهم يصارعون العُزلة والألم والمرض لنتناسى المأساة، ولا ريب أن هذه الفئة الذين تخلّت عنهم مؤسسة الطب النفسي في العالم ستنمو في الظل لتُطل على العالم بنفس الرفض الذي عانت منهم، بل وبالتوحّد بالظل الآمن الذي حبسناهم فيه، وكثيرٌ ممن قابلتهم من مثليي الميول يرفضون المثلية، وقد يظن بعض النفسانيين أن ذلك بسبب استبطانه رفض المجتمع، لكن التعامل عن قرب يُظهِر أنه حتى بعض الممارسين يرفضون الفعل، يبغضها حال وعيه، لكنه في لحظات ضعفه يطلبها لأجل لذة ساعة، ودعوني أفسح الطريق لبعض الزفرات التي تقطر ألماً وتطلب عوناً:

 

“أتصدع كجبلٍ ينهار من فرط ما ألم بي من أحزان، تأكلني نيران خوفي وحيرتي، وتضربني أمطار حزني وغربتي، وتساندني حصواتٌ من رغبة في التغير إلى الأفضل. أتداعى كبيتٍ خربٍ آيل للسقوط، وأتأرجح كثوبٍ مهلهل تتلاعب به زوابع الخريف. تباً لذلك العالم الذي لا يُدرك ألماً في نفسٍ حزينة، يتركها كأن لم تكن يوماً جزء منه، يرمي بها لوحوش الأحزان الجائعة لتنهشها ولا يكترث، وحين يحس للحظة أنه أهمل شيئاً ما قد يكون مهماً يكون هيهات، فات الأوان، وضاع الشيء في دروب النسيان.

 

يمزقني ذلك الصراع الداخلي بيني وبين نفسي، مَن الحق ومن الباطل؟ من الذي يستحق الشفقة ومن الذي يستحق القتل؟ أنا لا أشفع لصوت الظلام في داخلي الذي يخشى أن تضيء في قلبي شمعة، ولكني أستغيث كي تجد الشمعة شرارةً تشعلها.”

 

هذه ليست كلماتي، وإنما كلمات أحد الذين تركناهم في دروب النسيان كتبها على مدونته، واحد من الراغبين في إضاءة شمعة النور لتبدد ظلمة الخطأ الذي داخله، كما عبر هو عن معاناته، تركناهم بين آلام العزلة، ووحشة الاضطهاد، ضع نفسك مكانه واستشعر العزلة والرفض والألم!

 

لست هنا مدافعاً عن الظلام الذي لم يرغب صاحبي أن يشفع له، وإنما مدافعاً عن الإنسان الواقع فيه، لأشق طريقاً في جبل الآلام، لنتشارك يد الله الشافية التي تعمل فينا وبنا، أن نكون نحن “الناس الحلوة” التي يحكي عنها الدكتور الرخاوي في قصيدته “دراكيولا” في رحلة التعافي:

«لو ملقتش الموت حواليّا هموّت موتي

لحظة كل الناس الحلوة تموّت موتي

لحظة ما الله جوّايا يقول للشيء كن فيكون

لحظة كل شواهد القبر تزرّع خُضرة»

 

حيث الموت هنا هو الذات الزائفة، القناع الذي يخفون خلفه الإساءات والآلام “تختفي تحت الجلد، أو ورا ضحكة، وتعمل زي الناصحة، يمكن تنسوا” في محاولة لتجاهل الطفلة المنسيّة في الداخل، والناس “الحلوة” هم بيئة التعافي التي تمنح المحبة والقبول غير المشروط، كما يقول واحد من المتعافين عن تجربته: ”تسعة من الغيريين حولي فتحوا لي الطريق، تقبلوني بالرغم من ميولي، ولم يشجعوني عليها“ حيث الغيريين هم الأسوياء غيريو الميول.

 

والسبب الذي أراه لرفضنا لهذه الفئة هي ثقافتنا المريضة التي تأبى أن ترى الضعف وأن تعترف به فتلقيه عميقاً داخلها وتختفي خلف ضحكات صاخبة، لأنهم مرآتنا التي تعكس لنا الضعف الذي نحارب كي نبقيه صامتاً في الأعماق، ثقافتنا التي تعيش بهاجس الوصمة الذي تصنعه هي، نحن الوصمة التي نفر منها، لا يمكننا أن نقبل الضعف الذي في الآخرين حتى نتعرّف على الضعف الذي فينا، نحبه ونقبله، ونعرف أن الألم والضعف ليس وصمة وإنما فارق ما بيننا وبين الجمادات، نحتاج أن نفرّق بين رفضنا للفعل، وقبولنا للفاعل، لنحمي أنفسنا من عاقبة اضطهاد الإنسان، ولنحميه من التوحّد بذلك السلوك.

 

إنني مدين بالعرفان لصديقي “أ” الذي تعافيت معه من رهاب المثلية وشجعني أن أتقبل ضعفي وألمي حين لامست ألمه وحاجته، الكمال ليس ممكناً لنا فلا معنى لأن نتظاهر به، نحن مساكين ضعفاء نحتاج أن نتكامل بمجموعنا، فهذا هو السبيل الوحيد لذلك الكمال المنشود.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد