غزة التي كانت بهيّة، وتنعم بالحياة والاستقرار، وتُطل على أجمل سواحل المتوسط، عاشت ثلاث حروب في أقل من ست سنوات، جعلتها في أسوأ حالاتها، لا نكهة للجلوس حتى على شواطئها، في ظل دمار كبير طال البنية التحتية، وسبّب تلوثًا بصريًّا يؤذي العين، وحصار متواصل يُحكم قبضته على مداخلها، ويُقيّد حركة سكانها، ويُشعرهم بحالة سلب الحرية التي تمثّل أسوأ إهانةٍ للكرامة الإنسانية، ويظل القطاع حتى اللحظة في صورةٍ أشبه بسجنٍ كبير، من يخرج منه يُعتبر قد حصل على حظٍ وافر لا يصل إليه الكثيرون من الغزيين، فإلى أي درجة سنتوقع شكل الحياة في هذه البقعة الجغرافية، لاسيما بعد أقلّ من أربع سنوات، حيث لن تكون غزة قابلة للحياة حسبَ تقرير 2020 الصادر عن الأمم المتحدة.

في هذا اليوم من 2014، وأثناء الحرب، لم أفكر بعد في الخروج من البيت، لم أكن أعتقد أن القوات الإسرائيلية ستصلنا، لكن الأحداث بدأت تتصاعد بوتيرة مجنونة، ارتجاجات أرضية، وأصوات للعديد من أنواع الأسلحة الغاضبة، وعدد من الطائرات الزنانة، غابت عنا الكهرباء وبعدها المياه، وبدأت بطاريات هواتفنا تنفذ، وأنا أدوّن في مذكرة الحرب كل ما يحدث، إلى أن سقط صاروخ أمام البيت في آخر ليلة لنا فيه، هممنا بالرحيل صباحًا، والوجوه شاحبة بعد ليلة طويلة لم نستطع خلالها النوم ولو لثانية واحدة، تركنا عناقيد العنب الناضجة وقطوف البلح الأحمر في حديقتنا، وكل ما في البيت سوى بعض الأوراق الثبوتية وقليل من الملابس، لنمشي على أقدامنا مسافة خاوية ومخيفة، حتى العصافير غادرت منذ أيام مستشرفة قبلنا اللحظات القاسية، بعض الدمار في طريقنا، إلى أن وصلنا إلى مكان شبه آمن، توزعنا على ثلاثة أماكن، حتى لا نموت دفعة واحدة، أنا ذهبت إلى مدرسة للاجئين غرب خان يونس، وحينما وصلتها شعرت بأنني في فندق 5 نجوم.

وعلى الرغم من أنّ 80% من سكان قطاع غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية، إلا أنني أرى بأن مسألة حصار غزة لا تتمثّل في نقص الطعام كما تُروّج بعض الفصائل والجمعيات «الخيرية» العاملة في غزة، والتي تستفيد بشكل غير مشروع من خلال إدارتها للمساعدات التي تصل بكافة أشكالها، والتي أوصلت القطاع إلى مشهد تسوّل عارم، مع أن مسألة حصار غزة كانت وما زالت بصورة رئيسية وببساطة هي مطلب المواطن الغزي بالحصول على حقه في حرية التنقل، وحرية التعبير، والحق في العمل، والعدالة الاجتماعية.

كل هذه الأمور الغائبة التي ينتظرها المواطن الغزي بشغف، مُعطَّلة بسبب داء يُدعى الانقسام السياسي، والذي تفاقم في 2007 مع سيطرة الإسلاميين على غزة بالقوة، وهذا الانقسام كما أنّ هناك متضررين منه وهم عامة الشعب، هناك أيضًا مستفيدون ويعيشون حياةً رغيدة ومستقرة إلى حدٍّ كبير في ظلاله.

إن مطالبة الشعب بالحرية والعدالة الاجتماعية والوَحدة الوطنية لهو أمر يُزعج الكثير من القيادات، التي تتمتّع بثباتِ في أمنها واستقرارها منذ بداية الانقسام السياسي، تلك القيادات القابلة للشراء، هي ذاتها التي تبيع وتُصادر حرية المواطن، وتعتبر أي مطالبات من هذا النوع بمثابة تهديدٍ لأمنها ويجب مواجهته. وهناك تراكمات نضالية وحركات اجتماعية نشأت لكنها قُوبلت بكل قسوة ومنع.

لا بد أن نتحدّث بما نراه أقرب للحقيقة، لذلك إن وجود حركة حماس في حكم غزة، لم يحقّق الأمن للقطاع، بل جعله في حالة تهديد وعدم استقرار دائِمَيْن على مدار تسع سنوات متواصلة، فنسب الجريمة ارتفعت حتى أصبح هناك حالتا وفاة كل أسبوع ما بين انتحار وقتل، ونسب البطالة أيضًا وصلت 60%، و40% من السكان هم دون خط الفقر.

الكثير من شباب غزة يحدثونني عن ضياع الأمل، وانعدام رؤية المستقبل، وعن يأسهم الشديد من جودة حياتهم التي تتراجع في كل يوم، كما أنهم يخبرونني برغبتهم الشديدة في السفر والهجرة، بدلًا من ضياع أعمارهم هباءً، لكن ألا يُشكّل هذا دافعًا لإنهاء الانقسام بدءًا بتراجع حماس عن سيطرتها على قطاع غزة، والتنازل عن كل الطموحات الحزبية من أجل إسعاف هذا الحال؟!

إنها مأساة كبيرة أن نلاحظ ما يقارب 200 ألف شاب خريج وعاطل عن العمل، طاقات شبابية مهدورة منزوعة الأمل والسلام، تتخبّط وتشكو بكل حُرقة من التهميش والإقصاء، وتطالب بمنحها الحرية لممارسة دورها اجتماعيًّا وسياسيًّا، بدلًا من عملية سلب الحرية، بل سلب الهُوية الذي أوصل الشباب للانتحار والتفكير في الهجرة في كل ساعة. أليست مسئولة حركة حماس عن هذا الضياع الذي أخذنا بعيدًا عن قضايا وطنية كنّا قد وصلنا بها إلى مراحل مُشرّفة وننادي بها في كل الميادين محليًّا وعربيًّا ودوليًّا، لكن ما لبثت وأن حاصرتنا فكرة الحصار المزعوم الذي هو صناعة محلية من داخل غزة.

كيف نُفسّر منع حركة حماس أي تظاهرة سواءً لإنهاء الانقسام، أو المطالبة بإيجاد حل للبطالة وغيره، من قِبل مؤسسات وحركات شبابية لا تتبع لها. هذا دليل قاطع على تغييب الحق في التجمع السلمي، والحق في التظاهر، ومصادرة حرية التعبير، هذه أساسيات العيش الكريم، وهي تتعرّض للانتهاك دائمًا في غزة.

ثمة أسئلة تطرح نفسها على الفلسطينيين بإلحاح في العقد الأخير، وأولها كيف وصلنا لهذه المرحلة؟ لقد انتخب سكان قطاع غزة على وجه التحديد حركة حماس في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2006، ليس لأن «حماس» لديها مرشحين أكفاء، أو لأن لديها برنامجًا انتخابيًّا حقيقيًّا، بل هي إرادة التغيير، والتي فرضها الرأي العام وبقوة، نحو وجوهٍ سياسية جديدة غير التي اعتاد عليها المواطن لفترات طويلة من الترهل والجمود.

لم تمكث حركة حماس في قيادة البرلمان أكثر من عام، حتى قامت بـ«انقلاب عسكري»، سيطرت على إثره على كل قطاع غزة، وهاجمت السلطة القائمة، كما قامت بممارسات أخرى تخالف القانون. وفي فترة وجودها كحاكم لغزة فلقد خاضت ثلاث حروب مُدمّرة أتت على الأخضر واليابس، ليبدأ بعد كل حرب موسم المساعدات الدولية التي يتخلله فساد كبير في التوزيع والصرف.

ناهيك عن مسألة الشرعية، إنني لستُ مُعارضًا لمن يحكم غزة من أجل المعارضة، لكن وبعد تسع سنوات من حكم الإسلاميين في غزة، لم نلحظ أي تحسّن على مستويات المعيشة أو الصحة أو العمل أو مؤشرات الأسعار، وقطاعي المياه والكهرباء المتأزّمَيْن. نريد فعلًا من لا يتحجّج بكابوس الحصار كل يوم، نريد الكفاءات المتخصّصة التي تُدير الأزمة في اتجاه حلّها، بدلًا من «سياسيين» لم يدرسوا السياسة، و«إداريين» لم يدرسوا الإدارة، نريد الكفاءات التي تعمل في الوقت الضائع الذي نعيشه لإنقاذ البنية التحتية والفوقية اللتين تعرضتا لدمار كبير.

إن أي حل أو خيار بالنسبة للغزّيين من الأجدر أن يفتح مسارًا يؤدي -وفق التطورات السياسية- وبالشراكة الفصائلية، إلى حل الأزمات العالقة، وعلى رأسها البطالة والمعابر والكهرباء والمياه، وغيرها من الأزمات.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غزة
عرض التعليقات
تحميل المزيد