ظاهريًّا فإن غزة تعيش حالة من الهدوء استمرت حتى الآن عامين عقب الحرب الأخيرة على قطاع غزة التي انتهت باتفاق بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي برعاية مصرية.

لكن الحقيقة التي يحياها الفلسطينيون في غزة فيها من المعطيات ما قد يستفز كثيرا من القراء، فغزة لازالت تعاني أشكالًا متنوعة من الحرب التي تستهدف القيم والأمن والاقتصاد بل وحياة الناس وقوت الأطفال.

فليست الحرب على الدوام تعني قصفًا مركزًا أو مواجهة مباشرة ينتج عنها قتلى وجرحى بالمئات، فيمكن أن تكون حربًا أقسى من ذلك بكثير لكنها تعتمد على الموت البطيء والقتل غير المباشر لكل معاني الحياة دون استخدام الرصاص والصواريخ والقذائف ودون إحداث ضجيج.

فما معنى أن ينام الفلسطيني في قطاع غزة ويستيقظ على أصوات طائرات التجسس الإسرائيلية (الزنانات)، والتي تطير في سماء القطاع على مدار الساعة منذ شهور وأيام طويلة دون توقف، مع إصدارها صوتًا مزعجا بات أحد ملامح الحياة في القطاع المحاصر.

وتحليق طيران الاستطلاع الصهيوني في سماء غزة فترات طويلة في الليل والنهار، يعيد إلى الأذهان مشهد سماء غزة في أثناء الحروب التي شُنت على قطاع غزة خلال السنوات العشر الماضية.

ولا يبدو أن بقاءها في سماء القطاع وتحليقها المتواصل لون من العبث الذي تريد إسرائيل من خلاله تسلية الناس بصوت موسيقي جميل!

وما معنى أن يبحث الفلسطيني في قطاع غزة عن أخشاب لإتمام بناء بيته أو تأثيثه أو استخدامه في أي غرض آخر فلا يجده، أو يحتاج «أسياخ اللحام» التي يستخدمها الحدادون فلا يجدها، وهذا ينطبق على عشرات المواد الخام والأدوات والاحتياجات التي يمنعها الاحتلال بحجج أمنية.

ومما بات واضحًا أن هذه الحجج والكذبات الأمنية لا تستطيع أن تصمد ولو لفترة قصيرة أمام الواقع، فلا المقاومة توقفت عن التصنيع والتطوير بسبب منع هذه المواد المدنية التي يستخدمها المواطن البسيط، ولا الأمن الصهيوني تعزز بمنعها.

لكن الواضح أن العقاب الجماعي للغزيين بمنع هذه البضائع والاحتياجات هو الهدف من هذه الإجراءات التعسفية الظالمة، والسؤال المتكرر أليست هذه حرب أخرى تشنها دولة الاحتلال على غزة؟!

وما معنى أن يعتقل صياد دخل البحر بحثًا عن لقمة العيش، فتبدأ رحلة التضييق عليه في مسافة الصيد وفق الأهواء الصهيونية وخلافًا لاتفاق التهدئة الموقع مع المقاومة برعاية مصرية، وصولًا إلى الاعتقال، ومصادر القوارب وتخريب محتوياتها وإغراقها، وقد يصل الأمر إلى الإصابة بنيران الزوارق الحربية الصهيونية أو التعرض للمياه العادمة التي ترشها على الصيادين وقواربهم في عرض البحر.

وقد سجلت عشرات عمليات الاعتداءات والاعتقالات والإصابات خلال النصف الأول من العام الجاري.

الأمر ذاته ينطبق على المزارعين في المناطق الحدودية شرق قطاع غزة، حيث يمنع المزارعون بقوة البلطجة الصهيونية من الوصول لأراضيهم، والاستفادة من خيراتها بحجج واهية، وفي محاولة لخلق منطقة عازلة لا تقل عن 300 متر وقد تزيد وفق المزاج الصهيوني.

وبهذا يحرم مئات المزارعين من استثمار أراضيهم ليبقوا فريسة لحالة الفقر التي تنهش حياتهم البسيطة وأحلامهم الصغيرة، أليس هذا حربًا تشنها “إسرائيل” دون مدافع أو رصاص على الفلسطينيين في قطاع غزة؟!

وماذا يعني أن يرتهن حصول الفلسطيني على حقه في العلاج في الخارج بمعبر في الجنوب مغلق تمامًا بقرار عربي، وآخر في الشمال يرهن السماح للمريض بالعلاج بمدى قابليته أن يكون عينًا على شعبه يتجسس عليه ويقدم لعدوه المعلومات.

وقد سجلت حالات كثيرة لرفض عبور المرضى؛ مما تسبب باستشهاد عدد منهم وفق شهادات أوردتها مراكز حقوقية كان آخرها مركز الميزان لحقوق الإنسان.

عدا ذلك فقد استهدف الاحتلال ما تبقى من اقتصاد في غزة عبر استهداف رجال الأعمال والتجار بالاعتقال بتهم لا أصل لها تتعلق بدعمهم للمقاومة أو نقل أموال لها وهو ما طال بعضًا من العاملين في مؤسسات دولية استنكرت بدورها هذه التهم واعتبرتها اتهامات كاذبة لا أصل لها.

أليست هذه الممارسات حربًا أخرى تشنها «إسرائيل» على الفلسطينيين في قطاع غزة؟

وما معنى أن يمضي على العدوان الصهيوني عامان ولا زالت كثير من البيوت والمرافق والأبراج التي هدمت خاوية دون تعمير أو بناء، بفعل السياسة الصهيونية التي تعتمد نظام «القطارة» في إدخال مواد البناء ومستلزماته لقطاع غزة، وهو ما جعل كثيرًا من الأسر تحيا حياة غير مستقرة على أقل توصيف بفعل هذا الأمر.

وما معنى ألا يجد المواطن العادي الذي يريد أن يطور بيته أو يبني مسكنًا جديدًا أو شقة جديدة لابنه المقبل على الزواج بفعل احتكام شراء الاسمنت لآلية مجحفة ظالمة تمتهن الكرامة الإنسانية وترهن القرار في يد الأعداء، أليست هذه حرب من نوع آخر تُشن على قطاع غزة؟

إذًا؛ فغزة التي يظهر أنها تعيش فترة من الهدوء تحيا حياة معاكسة لهذا التصور.. ولو أردنا الغوص أكثر في أشكال الحرب التي تُشن على الناس هنا في القطاع لما كفانا مثل هذا المقام، لكنها لمحات بسيطة للواقع الصعب هنا.

صحيح أن الناس تتكيف في غزة مع أصعب الظروف، لكنه بات على جميع الأطراف أن تكون على ثقة أن هذا الضيم الواقع على غزة لا يمكنه أن يستمر، فأهل غزة وإن تجرعوا الظلم وتحملوه وقتًا معينًا فإنهم في أوقات أخرى سينفجرون في وجه كل الأطراف سواء الاحتلال بشكل مباشر أو كل الذين يقفون في صفه صمتًا أو تواطؤا أو تعزيزًا بممارسات أخرى.

فاحذروا أيها العقلاء غضب الحليم، فغزة ليست جمادًا، بل هي كتلة بشرية توّاقة لحياة كريمة دون حصار ومنغصات وحروب مباشرة وغير مباشرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد