للكاتب باسل عبد الرحمن ناصر

عندما يتحدث الرجال بلسان النساء فيحسن الوصف والاختيار، وعندما تكون وطنيته وحالة البلاد هي انعكاس مرئي لواقع سيدة ذاقت من الحزن ما يكفي عالمًا، فهو يتحدث بصفة من يعايش هذه الآلام كجزء من واقعه.

يعتاد الرواة على تقديس المرأة في الغالب كزوجة وحبيبة، لم يجملوا على ظلمها الاجتماعي سوى القليل، في تقيد محدود، حتى إذا أراد احدهم الحديث عن قضاياهن وصف بطله رجلًا، والسيدة بطلًا ثانويًا يمد شرايينه للحياة من خلال هذا العرض البطولي للذكر المهيمن.

فهذه السيدة التي توجهت إليها قراصة هذا المجتمع الصغير، ربما تكون أمًا أو أختًا أو زوجة فارقها راعيها، أو زميلة عمل أو صديقة رماها الزمن بعيدًا عن العدالة.

فالكاتب أخذ يروي عن سيدة تحمل ما تحمله كل سيدات هذا المجتمع، وكأن أزماتهن الزوجية والاجتماعية اجتمعت في رواية بقايا امرأة للكاتب باسل عبد الرحمن ناصر، وحديثة عن بطلة الرواية سلمى.

من وحي غزة

الكاتب أشعرني بوطنيته المنبعثة بإحساسه بهذه المرأة القوية الضعيفة، نقل الوجه الحقيقي لما تعايشه السيدات هنا، حتى تلك التي التحقت بصفوف المتعلمين، لم يترك زاوية تحادث نفسها، بل حاك الواقع طباعة عن الخريطة، واقع معاناة ذوي الأسرى، والزواج وترمل السيدات والمشهد الفلسطيني والموت التدريجي لمشاعر الوطنية حتى لم ينس أن يجدد لدينا معلومة مسيحيي غزة الذين يعانون التهميش ويعيشون كمجتمعات مغلقة تخاف على نفسها وأولادها من هذا المجتمع المتدين الذي يلتف حولهم، ولم يترك التعليم حتى ناقل واقع التعليم الذي يفصل الذكور والإناث وكأنه يتحدث عن موانع الوجود. برع الكاتب وبرعت الحالة والكلمات في محاكات هذا الواقع الذي نحياه، وما يلبث جيل حتى يسلم الآخر المرحلة التالية.

تراجع وطني وحالة من الضياع

أجمل الكاتب باسل عبد الرحمن ناصر في رواية بقايا أمرة، فلسطين الآن وقبل، منذ النكبة وبدأة يتنقل بين الحاضر والمستقبل من خلال ما طرحة من واقع النكبة الفلسطينية، وما عايشه والد سلمى وعائلته إبان النكبة الفلسطينية والأمل الذي تمسكوا به، وهو العودة لكرومهم بعد أن أمسوا فقراء في معسكرات اللجوء، والبطش الإسرائيلي بعد هدم منزلهم في جباليا، وحالة الأسير الفلسطيني وعائلته التي تقبع تعايش وجع الفراق ونقمة المجتمع الذي ينافق الوصف ويسيء الحديث.

سلمى

كان العرض ثوريًا ووطنيًا تقف خلف قضبانه سيدة، تشرد أجدادها واستشهد أخوها وزوجها، فارقت والدها في الصغر فقبعت تعارك الحياة فيما تبقى من روحها، لم تر الأيام متجهة بشكل يسير فالتعرجات الاجتماعية هي التي تقف في وجه الحياة.

زوجة وأم غارقة في ما تبقى بداخلها

النساء هنا تحل بهن اللعنة عندما ترتدي ذلك الثوب الأبيض، ذلك الكفن الذي يقتل صاحبه كالسم يسري في العقول، تدخل حربًا بلا أسلحة ويوجهونا بمجانيقهم، أم الزوج وأخته وما تبقى من عائلته كسهام يرمون الكلمات لا أحد يرى القوامة تسير بسلام، كل خلل هي صاحبته الوحيدة لا لوم على الرجال هنا.

إنجاب متأخر

خطر جديد يداهم حياة سلمى، في هذا المجتمع يطلب من العروس إحضار الطفل مع بدلة الزفات، ولا يسمح بالتأخير، كأنه شيء يقتنى من دكان بيع السجائر، ضغوط عائلية لاحقت الأخرى سلمى، وهذا جمال الكاتب فلم يسه عن مشكلة وعالة اجتماعية تعايشها السيدات إلا وقدمها أجل الوصف، حيث كابدت سلمى الكثير من الضغوط هي وعلاء من قبل أهله طالبين منه الزواج عليها أو أن يطلقها، فلا تكف والدته عن موشحاتها الواصفة لابنها بالقليل الرجولة، لبقائه على سيدة لا تنجب الأطفال، بالغب من غلاف الحب الذي كان يخيم عشهما إلا إن تأخر الإنجاب وضغط المجتمع، أدخلت سلمى في حالة من الاضطراب.

أرملة ضعيفة

بعد استشهاد الزوج، تنتهي كرامته بعد ثلاثة أيام العزاء، ليبدأ مسلسل النهش المحرم على ما تبقى لديها من حياة سلمى بفت مع طفليها وبدأت تبحث عن عمل، كانت ترى النظرات تهاجمها في كل الطرق، تستشعر كلامتهم التي رسمتها عيونهم بنظراتهم الحادة البائسة، يرشقونها غير مكترثين بما يمكن أن تشعر به.

زواج جديد وفشل لا يرحمه المجتمع سلمى تخطئ، لكن هو عاد خيانته الجديدة، فقد على إثره أهليتها في احتضان والديها، وهم آخر ما تبقى من زوجها علاء، نعم علاء الذي أحبته سلمى.

حب ثان في حياة سلمى عادل

قد أكون أمتلك وجهة نظر مخالفة مع الكاتب، لكن الهدف من إبراز هذه العلاقة في الرواية كان بمثابة، إشراقة الأمل تنير طريق سلمى في كل مرة يغدوها الزمن، كان حبها لعادل الشب الثري وهو شاب مسيحي، الجزء المستحيل الذي أضاف لأيامها نوعًا من البهجة، وإن لم يكلل بالزواج خوفًا من خسارته عائلته، إلا أن عادل كان الرجل الوحيد الذي وقف بجانبها برجولة بعد وفاة زوجها، إلى جانب صفية ويونس اللذين كانا أكثر من عائلة لسلمى.

المشكلة التي تواجه عادل هي ليست فكرة الارتباط بامرأة أرملة لديها طفلان، بل الخلاف الديني الذي يقيم إليه المجتمع كل الولاء، رفضت عشقها المحرم هكذا يعرف في كتب الأديان، ولم تقبل لعادل وحيد والديه والرجل الذي تحب أن يبقى طريد اهله وعيونهم تملئها السخط على سلمى التي مدوا لها يد العون على وحيدهم الذي سيخالف قانون الكنيسة.

خيانة في العنق

بعد الضغوط التي تلقتها سلمى وأخد طفليها من قبل جدتهم بعد أن استغلو زواجها لأخذ الأطفال وجدت سلمى نفسها أم عتبة باب منزلهم من جديد، عادت حيث كانت طفولتها، حتى حدث أن تفاجأت بالواقعة التي أودت بها مشفى الصحة النفسية في قطاع غزة إثر اكتشاف وجود علاقة جسدية لأمها مع احد أعمامها أخي أبيها الكبير.

برع الكاتب في الحديث عن الواقع الذي يشهد بكل زاوية نوعًا جديدًا من الضياع، كل جزء عزيز فينا نفي إلى العدم، بدا المجتمع وكأنه يأكل بقايا الجمال في وطينته وشهامته وعزته، حيث كل شيء يندثر إلى العدم، حتى عجزنا على المحافظة على الحال الذي ينغمس في التراجع للوراء، وكل جزء هنا يدفع الثمن، النساء هن أول من يطبع على وجوههن الواقع، فهي تلد الأسير والشهيد وتترمل لأجل الوطن أو تهان من أشباه الرجال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد