“يقاتلني العدو فلا أبالي .. وأبكي حين يقتلني الصديق”

دائما ما يذهب الحكام إلى مصالحهم على حساب مبادئهم وقيمهم، ويقوّم هذا الاعوجاج وجود رقابة شعبية تراجع مواقف الحكام وتنتصر للمبادئ الإنسانية التي لا يختلف عليها اثنان.

تجد معظم القادة الأوروبيين التزموا الصمت في بعض الأحيان ولم يناصروا حلفائهم وذلك لوجود احتجاجات استنكارية في بلادهم احتجاجًا على العدوان الذي يقوم به الحلفاء، وفي الدول المتقدمة يسير الحكام خلف الشعب لأن الشعب هناك بحق هو مصدر السلطات، أما في مصر فلأن الشعب أصبح مهدر الكرامة مستباح الرأي بسبب بعض العصابات التي تتولى زمام الأمر والحكم بعد انقلاب 3 يوليو والتي لا تسمح لأحد أن يتدخل أو يحاول مراجعة مواقفها وإلا كان مصيره السجن أو ربما القتل.

يتجلى هذا من خلال متابعتنا لما يجري من عدوان صهيوني غاشم على أرض غزة وأطفالها ونسائها، فإن غزة نالت تعاطف كل أحرار العالم وظهر هذا التعاطف في احتجاجات وتظاهرات وإرسال وفود طبية وإرسال مساعدات إغاثية من الناحية الشعبية، وشجب وإدانة من قبل الحكام أو على الأقل صمت ولم نجد مناصرة لإسرائيل الحليفة من ناحية السلطات، أما في مصر فكان الحراك الشعبي تعاطفًا صامتا متمثلا في المسيرات وفقط بسبب التخمة المتمثلة في حكومات لا يشغلها إلا قمع كل معارض لها.

أما بالنسبة للدولة فثمة سرد تاريخي مطلوب لنقف على حقيقة الأمر في مواقف الدولة المصرية تجاه القضية الفلسطينية التي مرت بمراحل متباينة أقل ما توصف به أنها غريبة، في بداية حرب فلسطين أرسلت الدول العربية جيوشها لتحارب العدو الصهيوني ورغم تحفظنا على بعض المواقف داخل الحرب إلا أن الشكل العام كان حربًا عربية ضد الصهاينة المغتصبين، وبعد مرور فترة زاد العداء المصري للصهاينة خاصة بعد أن امتد العدوان الصهيوني على مصر في العدوان الثلاثي، وجاء الانتصار في حرب أكتوبر وطُرد الصهاينة من مصر، كل تفاصيل الفترة السابقة مفهومة في إطار صراع أصحاب الأرض مع مغتصبين ومحتلين.

أما ما لا يمكن فهمه هو ما بعد حرب أكتوبر من اتفاقيات كان أبرزها “كامب ديفيد” المتحيزة للصهاينة شكلا وموضوعا. إذ كيف لصاحب الأرض أن يسمح بالتفريط في حقه بكل سهولة؟

والحقيقة أن فاجعة “كامب ديفيد” لم تكن في بنودها المنحازة للصهاينة وفقط ولكن أيضا في تغيير عقيدة الجيوش العربية وفي قلبه الجيش المصري، فأصبح الصهاينة أعداء الأمس هم نفسهم أصدقاء اليوم، ومرت الأيام وتحول العداء إلى حياد وحكومات العرب تأخذ الموقف المحايد المخزي مما يجري من انتهاك لأدنى حقوق الإنسان في فلسطين وأقصى ما يقومون به هو عقد القمم العربية والشجب والإدانة.

أما الآن، انقلبت الآية وأصبح الصهاينة – في نظر الحكام العرب – أصحاب الأرض الذين يدافعون عن أنفسهم، وأصبحت المقاومة هي من تروع الآمنين وتعتدي على المواطنين.

بل إن الموقف العربي لم يتوقف على الدعم الدبلوماسي للصهاينة وفقط، بل امتد إلى الدعم الميداني من خلال خنق الحصار على أهل غزة، فأهل غزة بفضل الله يواجهون العدوان الصهيوني المتمثل في القذائف البرية والبحرية والجوية ولكنهم عاجزون أمام العدوان العربي المصري المتمثل في الحصار الاقتصادي والإنساني.

أتعلمون؟.. “إسرائيل” أبدت استعدادها لرفع العدوان عن غزة بوقف إطلاق النار بل نحن بالفعل في انتظار سماع بيان إسرائيلي بوقف إطلاق النار من طرف واحد، أما “مصر” حتى الآن لم تبدِ استعدادها لرفع الحصار عن غزة وفتح معبر رفح.

ومصر بموقفها المخزي هذا تجعل أهل غزة بين فكي أسد، فإما أن يموتوا بالقذائف الناتجة عن القصف الصهيوني وإما أن يموتوا بالجوع الناتج عن الحصار المصري لهم.

وصل الأمر بخارجية مصر الانقلابية الى الدعوة إلى نزع سلاح المقاومة في غزة، كأن العاهرة لا تريد لأي شريفة حياة.

وكأن مصر الانقلابية لا تعدو عن كونها امتداد لوجيستي للكيان الصهيوني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد