علاء ريان

71

علاء ريانابو كريم

71

تعتبر غزة تاريخيًا العمود الفقري وعصب الكفاح الوطني الفلسطيني، ما إن يصاب هذا العمود الفقري بأي عارض، فإنه ينعكس على كل الأرض الفلسطينية، وإذا ما أصيب هذا العصب بالبرد، فإن القشعريرة تسري في جسد كل الأرض الفلسطينية وقواها الحية.

غزة نقطة الضعف ومكمن القوة، التاريخ يقول لم يعبث أحد مع غزة، إلا واحترق بنيرانها، غزة التي شهدت أرضها بداية القرن الفائت كبريات المعارك التي غيرت وجه المنطقة عندما تحالف الأغراب والأعراب على الدولة العثمانية، فكان سقوط غزة القشة التي قصمت ظهر الدولة العثمانية التي مات آخر جنودها المقاتلين في غزة مسمومين على يد من تحالفوا مع الإنجليز والقوى الاستعمارية، فكانت غزة بداية نهاية الدولة العثمانية وتقوقعها فيما بقي في حدود تركيا التي نعرفها اليوم، وما تبع ذلك من اتفاقية سايكس – بيكو الذي حول الوطن العربي إلى تقاسم للنفوذ بين كل من فرنسا وبريطانيا، والذي تم الكشف عنه بعد وصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في روسا عام 1917، وما تلاه من وعد بلفور عام 1917 بإنشاء وطن قومي لليهود على الأرض الفلسطينية، والذي قيل عنه المقولة الشهيرة (وعد من لا يملك لمن لا يستحق).

عندما سقطت غزة سقطت القدس وسقطت بغداد ودمشق وبيروت وعمان ومن لا يعرف هذه البديهية التاريخية ليقرأ التاريخ جيدًا، أول محاولة لخلق حكومة فلسطينية تمثل الوطنيين الفلسطينيين كانت في غزة، شرارة المقاومة الشعبية المسلحة وغير المسلحة غزة، غزة شرارة الانتفاضة الأولى، غزة التي تمنى رابين أن يبلعها البحر، غزة التي جعلت كثيرًا من حملة الشهادات العليا اليوم وأمس في دولة الاحتلال يخجلون من أنفسهم عندما يتذكرون أنفسهم وهم يطاردون في الشوارع عجائز غزة وأطفالها، غزة التي احتلتها إسرائيل نهارًا، وكان الثوار يسيطرون عليها ليلًا، غزة الجبهة الشعبية وجيفارا، غزة فتح وصقورها، غزة الياسين وقسامها، غزة فتحي الشقاقي وسراياها.

ما أكتبه قد يبدو للبعض مجرد بالونات شعاراتية، لكنها وإن بانت أو ظهرت سطحيًا بهذا الشكل، إلا أنها الحقيقة العميقة التي يعرفها أصدقاء غزة وأعداؤها، غزة التي تتصارع فيها القوى الإقليمية والدولية على شكل حرب باردة تدور في أزقتها وحاراتها ومقاهيها ومثقفيها وكاتبيها، حيث الحرب الباردة بين مصر، قطر، تركيا، إيران، الإمارات، السعودية، عدا عن الحرب الاستخباراتية الشرسة التي تديرها أجهزة الأمن الإسرائيلية طبعًا، والصراع الخفي الشرس بين حماس وأجهزتها والقوى الجهادية السلفية التي تبايع آل سعود في السعودية، وتحظى بتمويلهما الذي تصمت حماس عليه لحاجة القطاع الماسة لأية عملات نقدية تدخل القطاع المحاصر والقوى الجهادية التكفيرية الأخرى التي تكفر حتى حركة حماس الإسلامية التي تتهمها بالتحزب وفق مفاهيم السلفية.

غزة بداية السلطة الوطنية وفاتحة الاتفاقيات السياسية مع الاحتلال، غزة كانت عزة فتح ومقتلها، غزة فجور حماس وتقواها، غزة الباروميتر الحقيقي الذي يظهر مدى قوة أي فصيل فلسطيني، غزة البقعة الفلسطينية الأولى التي أخلاها الاحتلال، غزة بداية التجربة الديموقراطية الفلسطينية الأولى التي أذهلت العالم بأسره، وأثارت فزعًا في كل الديكتاتوريات العربية التي تحكم شعوبها بالسوط والقهر والحديد والنار، غزة التي تجد على شواطئها المتدين والملحد والعلماني والشيوعي والإسلامي، لكن المشهد الأكثر دراماتيكية أن غزة غدت أرض الانقسام الفلسطيني التي شهد ترابها أسوأ انقسام فلسطيني في التاريخ، حيث سال الدم الفلسطيني على يد الفلسطيني في صورة أثرت كثيرًا على صورة الفلسطيني المناضل المكافح في ذهن المواطنين العرب وغير العرب فكانت الفاجعة المخجلة في التاريخ الفلسطيني الحديث.

بعد كل هذا الإرث التاريخي السياسي الطويل لغزة، إلى أين وصلت غزة؟ لقد أوصلوا أهل غزة إلى النظر في عملية سياسية فلسطينية داخلية فقط بمنظور فتح معبر وإغلاقه وعدد ساعات الكهرباء وثمن علبة السجائر ولتر البنزين، لقد أجرمت القوى والفصائل الفلسطينية بحق غزة بالطريقة السيئة التي أداروا فيها القطاع وسوء إداراتهم التي لا تغتفر، وأجرم العالم بحق غزة؛ لأنهم يعرفون غزة أكثر ما تعرفها قياداتها، على كل قيادات الشعب الفلسطيني أن يعتذروا لغزة بيتًا بيتًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك