توصف بأنها من أكثر مناطق العالم اكتظاظًا بالسكان مقارنة بمساحتها المحدودة، بحيث تقدر مساحتها بحوالي 365 كم2، ويسكنها أكثر من 1,850,000 نسمة بحسب آخر الإحصائيات. قطاع غزة الذي شهد خلال الفترة الماضية ثلاثة اعتداءات إسرائيلية أقل ما يقال عنها بأنها الأعنف في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتبقى تلك الأعوام 2008- 2009  وعام 2012 وعام 2014 خالدةً في أذهان كل من يسكن تلك المنطقة، فلم يتبق بيت في غزة إلا وأصابه الحزن إما على شهيد وإما أسير وإما جريح، أو شخص أصبح من فئات ذوي الاحتياجات الخاصة، فحينما تتنقل بعينيك للنظر لتلك المناطق المتضررة، تشاهد ما تعجز الكلمات عن وصفه، وتبقى أكوام الركام شاهدة وكأنها تتحدث عن رواية حزينة كيف لا؟! وهي ما زالت تدفن داخلها ذكريات أصحابها وساكنيها، فأينما وطئت بقدمك هناك فإنك تلامس قصة إنسانية مبهمة منسية لم يتعرف عليها أحد من قبل، ولم تستطع الأيام معالجتها أو تغيير ملامحها، إذن هذا هو الواقع والحال، حال كثير من الناس ممن يعيشون في قطاع غزة، وتلك كانت بداية الحكاية حكاية تتجدد فصولها مع إطلالة كل يوم جديد.

بوابات موصدة

أضف إلى ما سبق الحصار المطبق الذي ما زالت تتجدد حلقاته منذ أكثر من 10 سنوات مضت، فقد انعكست سلبياته على جميع مناحي الحياة، ولا يخفى على أحد أن قطاع غزة لا يوجد به منفذ للسفر نحو العالم الخارجي، باستثناء منفذ وحيد يحمل اسم «معبر رفح البري» الذي تبقى بواباته موصدة ولا تُفتح إلا بعد مدة زمنية طويلة، فهي تحرم آلاف الأسر والعوائل والأشخاص من التنقل والسفر للحصول على أبسط الحقوق الإنسانية المتمثلة في تلقي العلاج، أو الدراسة، أو الذهاب لقضاء المناسك الدينية، أو الذهاب لأجل العمل، ويبقى هؤلاء يناشدون العالم ويستصرخون الجميع ليل نهار، لعلهم يوقظون ضمائر الإنسانية من ثباتها العميق، ولكن لا حياة لمن تنادي، ويبقى الحال على ما هو عليه لفترة مجهولة من الزمن.

أوضاع إنسانية متفاقمة

ويزداد المشهد سوءًا يومًا بعد يوم، مع تفاقم المعاناة نتيجة النقص الحاد في المواد الأساسية الضرورية، بحيث يعمل الاحتلال الإسرائيلي على تقليصها عمدًا ومنعها لفترات طويلة، ويُذكر بأن هذه المواد تدخل تحت إشراف الجانب الإسرائيلي عبر «معبر كرم أبو سالم» الواقع جنوب قطاع غزة، ويعاني المواطن الغزي من شح مواد البناء وبالتحديد «الإسمنت» الذي يعتبر المحرك الأساسي لكافة المهن الحرفية في القطاع، ويعاني أيضًا من النقص الحاد في غاز الطهي، بحيث تلجأ العديد من العائلات الفلسطينية في غزة، إلى الطهي من خلال الطريقة البدائية القديمة باستخدام الحطب بديلًا عن غاز الطهي، ويعاني أيضًا من الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي لفترات زمنية تتجاوز الـ12 ساعة في بعض المناطق، معاناة متفاقمة بحيث أصبحت هذه المعاناة عادة يومية في حياة المواطن الغزي؛ مما يؤدي إلى انعكاسات سلبية خطيرة تؤثر في جميع مناحي الحياة.

انعكاسات فرضت ظاهرة خطيرة

لعل تزامن الأمور السابقة، إضافة إلى تفشي وباء البطالة التي أصبحت تطال شريحة عظمى من الناس، إضافة إلى ازدياد أعداد الخريجين في جميع مناطق قطاع غزة، كل ذلك ساهم في تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية؛ ما تفشى عن ذلك ظاهرة اجتماعية خطيرة أصبحت تنهش بالمجتمع الغزي ألا وهي «ظاهرة الانتحار بالحرق»، وهي ناتجة عن الأسباب التالية: تراكم الديون على المواطن إلى درجة أنه لا يستطيع سدادها، أو عدم مقدرته على دفع المصاريف المتعلقة بالعلاج، أو عند حصوله على مخالفات مرورية بمبلغ مالي لا يستطيع سداده، أو عند عدم المقدرة على توفير مستلزمات الحياة الأساسية من مأكل ومشرب، كل هذه الأمور ساعدت على انتشار تلك الظاهرة الخطيرة، بحيث يجب النظر لتلك الأسباب ومحاولة إيجاد حلول جذرية سريعة للحد من انتشارها قبل فوات الأوان.

عواقب وخيمة

وانتشرت في قطاع غزة خلال الأسابيع والأيام الماضية، «جرائم القتل العمد» التي أصبحت سيرتها تُسمع بين الحين والآخر، بحيث شهدنا قبل فترة وجيزة إقدام طفلة على قتل شقيقها خنقًا بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، وشهدنا مقتل عجوز في محافظة الوسطى وسط قطاع غزة، وأيضًا مقتل مواطن من عائلة إصليح في محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، وشهدنا أيضًا في نفس المحافظة مقتل مواطن من عائلة أبي معمر، كل هذه الجرائم وغيرها تفشّت خلال الفترة القليلة الماضية، وهي تعتبر بحد ذاتها جرس إنذار مبكر يُحذرنا مما هو قادم، لذلك على الجهات المعنية ضرورة معرفة أسباب تلك الجرائم، وضرورة وضع الحلول المناسبة لها باستخدام كافة الأساليب والوسائل التي من شأنها معالجة تلك العواقب.

نداء استغاثة

ونهايةً الحالة المعيشية في قطاع غزة تتطلب النظر إليها بعيون الضمائر الإنسانية الحية من مختلف دول العالم أجمع، ويبقى المواطن الغزي صابرًا على هذه البقعة الصغيرة، بالرغم من المحن والمعاناة التي تعصف به بين الحين والآخر، إذن الحالة والواقع بحاجة إلى دراسة حقيقية من جميع الأطراف والفصائل الفلسطينية، وأخص بالذكر حركة حماس «غزة» وحركة فتح «رام الله»، بحيث يجب عليهم جميعًا تحمل مسؤولياتهم تجاه المواطنين على هذه البقعة المتألمة، التي تعتبر معاناتهم فيها بمثابة نداء استغاثة ورسالة يومية متجددة، مفادها أن أغيثونا، يوجهونها إلى الكل الفلسطيني، ويوجهونها أيضًا إلى كل إنسان يحمل بين جنبتيه ضميرًا حيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غزة
عرض التعليقات
تحميل المزيد