تأتى الأحداث الأخيرة فى غزة لتؤكد أن هذه الأمة لن تموت، وأن محاولات تركيعها وتمرير الصفقات المشبوهة فوق أجساد شهدائها لن تمر؛ فالعملية التي قام بها البطل نور بركة ورفاقه لم تكن الأولى من نوعها من حيث الاشتباك مع العدو، ولن تكون الأخيرة، وإن ودعنا شهيدًا استقبلنا الآلاف غيره يتمنون لقاء الله ويبتغون الشهادة.

هذه الأجواء الربانية تتناقض تمامًا مع أجواء التنسيق لتهدئة أو تسوية طويلة الأمد داخل القطاع؛ نعرف جميعًا أنها جزء من تسوية شاملة تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية لتلفظ القدس أنفاسها الأخيرة.

جميعنا يهتم لحال أهلنا فى غزة، ولكنا لن نفرح بضياع القدس أو أن تكون غزة مقابل القدس؛ فقضيتنا المحورية تظل القدس والأقصى، وغزة حملت على كتفها لواء الدفاع عنهما وعن فلسطين.. فلسطين كلها،  ليس غزة وحدها. والآن يسعى البعض لتحويلها إلى مسخ يتشابه مع الأنظمة العربية التى تسالم العدو وتطبع معه. ولعل أحد الأسباب الرئيسة لخلاف غزة مع السلطة هو أنها رفعت لواء الجهاد والمقاومة، بينما سارت السلطة فى مسارات أوسلو والتنسيق الأمني، فلا يصح الآن أن تسير غزة على نفس نهج من تختلف معهم؛ وإلا فما الداعي لانفصال القطاع عن الضفة؟ وما السبب فى تأخير المصالحة؟

وهنا تتعالى الأصوات داخل القطاع وخارجه متسائلة عن الحل.. فماذا تريدون من غزة وأهلها ومقاومتها، وقد تخلى عنها الجميع؟ وماذا تنتظرون منهم بعد أن أنهكهم الحصار والانقسام؟ الغريب أن الإجابة على هذه التساؤلات تأتي من داخل غزة نفسها؛ فنحن لا نريد من غزة إلا أن تكون كعهدنا بها دائمًا أبية شامخة صابرة محتسبة.. نريدها كما هي دون تغيير. فلا يصح أن يبيع الشرفاء قضيتهم التى يعيشون ويموتون من أجلها مقابل ثمن بخس.

كما أن غزة ليست وحدها كما تزعمون، فمن الظلم البين أن نتعامى عن التضحيات العظيمة التي قدمتها الشعوب العربية، والتي تضاعفت فى السنوات الأخيرة منذ اندلاع ثورات الربيع العربى. فهذه الثورات إنما قامت على الاستبداد والطغيان، ودولة الاحتلال هي لب هذا الطغيان، ومن ثم تبقى الرغبة في زوال ذلك الكيان المغتصب هي رغبة كل عربي حر.

ولقد جاءت الثورات المضادة عنيفة باطشة رافضة لروح التغيير ونسمات الحرية التي هبت في وطننا العربي لتدافع باستماتة عن الأوضاع القديمة والأنظمة العميقة التي تحرس إسرائيل كما تحرس كراسيها وعروشها. ولعل محور (المقاومة والممانعة) واحد من أهم أضلع وركائز الثورة المضادة فى المنطقة. فقد وقف حائلًا في وجه التغيير في سوريا والعراق واليمن مدعيًا أن هذه الثورات إنما قام بها مجموعة من العملاء لإلهاء الشعوب عن قضيتهم الأساسية، وهي القدس وفلسطين! مع أننا ولسنوات طوال لم نسمع من هؤلاء إلا كلامًا، ولم نر منهم إلا مقاومة موسمية تظهر وتختفي لأغراض وحسابات سياسية لا تصلح أبدًا لحسم معركة أخلاقية أو صراع بين الحق والباطل.

لا نرضى لغزة أن تكون جزءًا من محور ما يسمى  بالمقاومة والممانعة، أو أن تكون طرفًا في لعبة مشبوهة.. نريد لغزة أن تنتصر وأن يكون ذلك النصر فى المقام الأول نصرًا على ضعفها وحاجتها وكل ما يحاك لها من مكيدة ظاهرها الخلاص والنعيم وباطنها الخسران المبين.

ودعونا نؤكد مرة أخرى أن غزة ليست وحدها؛ ولن تكون وحدها طالما بقيت هذه الأمة إن شاء الله. على غزة فقط أن تصبر وتقاوم حتى تتحرر الشعوب العربية من سجنها ليلتحق المخلصون ببعضهم ويهبون هبة رجل واحد فى وجه الشيطان. وعليها ألا تستجيب لمن يدعون محاربة الشيطان الأكبر والأصغر، بينما هم يعينون الشيطان عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد