حين تعطى القدس، المدينة العريقة الأصيلة، لقب زهرة المدائن، ومدينة السلام، وبيت المقدس، وأعطيت أسماء عديدة وكثيرة، وتلقب مدينة نابلس بجبل النار بسبب شجاعة، وقوة أهلها وذكائهم، ويعود هذا الاسم إلى فترة حروب نابليون الشهيرة، إذ نصب جيش نابليون خيمًا لجيشه مقابل المدينة، إلّا أنّ رجال المدينة رفضوا بقاء المحتل بالقرب من مدينتهم، فجمعوا مئات القطط، وأحاطوا أجسادها بالقطن المنقوع بالقار «النفط الذي يظهر على سطح الأرض» وأشعلوا النار فيها وأطلقوها على خيام جيش نابليون، ممّا أدى إلى احتراق المخيم بالكامل، وتسبب في مقتل مئات الجنود، وبهذا استحق أهل نابلس لقب جبل النار.

أما جنين فلقبت بجنين القسام نسبة إلى القائد الشهيد عزالدين القسام، أما مدينة الخليل فسميت بخليل الرحمن نسبة إلى سيدنا إبراهيم – عليه السلام- ومدينة سلفيت سميت بسلة العنب لاشتهارها بفاكهة العنب، وسميت أريحا بمدينة القمر لأنها أفضل المناطق الفلسطينية لرصد الفضاء والقمر، وذلك يعود بسبب بيئتها شبه الصحراوية.

ولقبت مدينة حيفا بعروس فلسطين؛ لأنها نقطة التقاء البحر المتوسط بكل من السهل وجبل الكرمل، وهذا جعلها نقطة عبور إجبارية، إذ يقل اتساع السهل الساحلي عن 200 متر، وترتفع عن سطح البحر بمعدل 450 مترًا. كما أن موقعها جعل منها ميناءً بحريًّا مهمًّا، وهي ذات أهمية تجارية وعسكرية طوال فترة تاريخها.

سميت يافا بعروس البحر حيث تكثر بها وحولها الحدائق، وتحيط بها أشجار البرتقال «اليافاوي» و«الشموطي» ذي الشهرة العالمية، والذي كان يصدر إلى الخارج منذ القرن التاسع للميلاد .

أما العروس الحزينة التي أعطيت لقبًا حصلت عليه بعد 11 عامًا من العشرة والمحبة والألفة والصداقة، وحين يقول أجدادنا من عاشر القوم 40 يومًا صار منهم، ولكن الحصار عاشر غزة أكثر من 11 عامًا، وهل من المعقول أن تعاشر أحدًا أكثر من 10 أعوام وتبقى العلاقة عابرة؟ وقرر كل من عائلة غزة وعائلة الحصار بتزويج غزة والحصار، حتى تكون العلاقة مشروعة دينًا وقانونًا .

بدأ الحصار على مدينة غزة الصامدة بحلول عام 2006 وتلخص أسباب الحصار على قطاعنا الصامد في:

1- الأسباب السياسية: وفحواها محاولة إسرائيل ومعها أطراف دولية وعربية داخلية وخارجية معاقبة أهل القطاع على انتخابهم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية المنظمة في يناير/ كانون الأول 2006، مما أعطاها أغلبية ساحقة في مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني.

2- الأسباب العسكرية: وتتلخص في إضعاف قدرات المقاومة وإجهاض جهودها التسليحية، ولا سيما أن قرار إسرائيل بإحكام الحصار على القطاع جاء بعد عملية أسر مقاومين من غزة لجنديها جلعاد شاليط يوم 25 يونيو (حزيران) 2006، في عملية عسكرية نوعية أطلقت عليها المقاومة اسم «الوهم المتبدد»، وعُدّت من أكثر العمليات الفدائية الفلسطينية تعقيدًا منذ اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية.

3- الانقسام الفلسطيني الذي كان سببًا في إطالة عمر الانقسام إلى أمد بعيد كان من المفترض ألا يصل إلى هذه المرحلة.

النتائج والتداعيات

أدى فرض الحصار الشامل على غزة إلى تدهور كبير في مستويات المعيشة وخدمات الصحة والتعليم والوقود والكهرباء التي تنقطع بشكل متكرر عن 70% من بيوت ومنشآت غزة، وتفاقم سوء الأوضاع ما تعرض له القطاع من عدوان عسكري مدمر للإنسان والعمران في أعوام 2006 و2008 و2012 و2014.

وفي تقرير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة حول القيود التي يفرضها الحصار، قال إن إسرائيل تحدد مناطق «مقيد الوصول إليها»، وهذه المناطق تكون محددة سواء في البر أو البحر.

وجاء بالتقرير الصادر حول عام 2016 أن إسرائيل تحدد مسافة 300 متر بعيدًا عن السياج الفاصل منطقة يحظر على الفلسطينيين دخولها، بينما الأراضي في نطاق ألف متر تعدها مناطق ذات خطورة مرتفعة لا يشجع على زراعة الأراضي والرعي أو مشروعات البنية التحتية.

وعلى سواحل قطاع غزة وسّعت دولة الاحتلال في أبريل 2016 منطقة الصيد بطول ساحل غزة الجنوبي لتصل إلى تسعة أميال بدلًا من ستة، لكن بحسب التقرير، عادت إلى ستة أميال مرة أخرى، وذلك في تعارض واضح مع اتفاقية أوسلو التي تنص على أن تكون المنطقة المخصصة للصيد 20 ميلًا بحريًّا.

ووفقًا لإحصائية نشرها المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عام 2016، ذكرت أن 40% من سكان قطاع غزة يعيشون تحت خط الفقر، ويتلقى 80% منهم مساعدات دولية، و50% من الأطفال بحاجة إلى دعم نفسي، و55% من السكان يعانون من الاكتئاب، ويحتاج أكثر من 922 ألف لاجئ إلى المساعدات مثل الطعام والرعاية الصحية، والمياه والتعليم والمأوى.

كما أضاف التقرير أيضًا أن ستًا من بين كل 10 أسر في القطاع تعاني انعدام الأمن الغذائي.

وبالإضافة إلى ذلك، انخفض الناتج المحلي بنسبة حوالي 50%، وأصبح دخل الفرد في القطاع متراجعًا بنسبة 32% عما كان يتقاضاه في عام 1994. ووصلت معدلات البطالة إلى حوالي 43%.

وبالنسبة للطاقة فيعاني قطاع غزة بشدة، إذ تصل انقطاعات الكهرباء إلى 12- 16 ساعة يوميًّا، وحوالي 40% يحصلون على المياه مدة تتراوح بين أربع إلى ثماني ساعات فقط كل ثلاثة أيام. كما أبرز التقرير أن المستشفيات تعمل بأقل من 40% من إمكاناتها وتؤجل العمليات في المستشفيات الكبرى مثل «الشفاء» إلى فترات تصل إلى 18 شهرًا.

هذه الإحصائية كانت حتى نهاية 2016، أما خلال عام 2017 فقد تضاعفت هذه الإحصائيات أضعافًا مضاعفة.

غزة عروس الحصار يحدها من الشمال الفقر، و يغزوها من الجنوب الجهل، ويحضنها من الشرق الاحتلال، ويصافحها من الغرب التطبيع العربي مع الاحتلال، وتغطي سماءها طائرات حربية تابعة للاحتلال الغاشم.

ويقول الشاعر محمود درويش عن غزة:

خاصرتها بالألغام.. وتنفجر.. لا هو موت.. ولا هو انتحار

إنه أسلوب غـزة في إعلان جدارتها بالحياة

منذ أربع سنوات ولحم غـزة يتطاير شظايا قذائف

لا هو سحر ولا هو أعجوبة، إنه سلاح غـزة في الدفاع عن بقائها وفي استنزاف العدو

ومنذ أربع سنوات والعدو مبتهج بأحلامه.. مفتون بمغازلة الزمن.. إلا في غـزة

وأتمنى من حضراتكم أن تتقبلوا هذا اللقب بفائق الاحترام والتقدير، غزة عروس الحصار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحصار, عروس, غزة
عرض التعليقات
تحميل المزيد