بين أزقة حي الزيتون تعانق مأذنة مسجد وصليب كنيسة، هناك بين أروقة التاريخ في كنيسة القديس بريفيوس وتمثال  السيدة العذراء في كنيسة دير اللاتين، ما أن تدخل إلى هذا الأمكنة، حتى تنفتح أبواب قلبك لهذا الإرث التاريخي العظيم، لكن سرعان ما تتثاقل خطواتك وأنت تمضي قدمًا في حضرة هذا التاريخ.

  أعيدت لي الذكريات في تلك الرحلة لتصوير آثار مدينة غزة، وما أن تبدأ بالحديث عن الآثار لتبدأ بكنائسها لقدمها وأصالتها. بالأعلى صليب مرفوع في زرقة السماء المنعكسة في قلوب أبناء المسيح عليه السلام، الأضواء والزينات المتوشحة بها الكنيسة تبعث فيك سلامًا جاء به عيسى إلى هذه الحياة، الحوائط الأعمدة المزركشة المقاعد العتيقة، الصور المعلقة الألوان الذائبة في عروق هذه الكنيسة، جميعها تهيج الشوق في قلبك لهذا الجمال. في محراب صلاتهم تأخدك نوبة من الجوع والظمأ حول تاريخ الكنيسة ووجودهم. الأول هنا في مدينة تدوي مساجدها كل فجر بدين الإسلام. بقيت الذكريات في رأسي وحولها الكثير من التساؤلات ورغبتي آنذاك بحمل هذا التاريخ والآثار معي لكن كيف؟

ولادة المسيحية في غزة 

 بعد رحلة طويلة بين رمال صحراء سيناء استراحت العائلة المقدسة عند مدخل مدينة غزة الشمالي، بعد وفاة الملك هيرودوتس في مصر ليبدأ أول تواجد للمسيحين في المدينة الوثنية المترامية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط وتطرفها جنوبًا.

لاقت المسيحية في البداية صعوبات في مدينة يرفض أبناؤها التجديد وجُل أثرياءؤها من عبدة الأصنام، إضافة لموقعها الجغرافي الحرج لتبقى المسيحية خافتة في غزة، على الرغم من وصول بعض الأساقفة المبشرين أمثال فلموس وسلوانس. ليبدأ ظهورها بشكل أقوى من سابقته عند بناء أول دير للمسيحين في فلسطين ”دير البلح” على يد القديس هيلار تون، صاحب الفضل في اجتذاب العديد من النصارى في القرى العربية المجاورة وإيمانهم بالنصرانية.

وفي العام ٣٦١حدث صراع بين الإمبراطور جوليان والملك قسطنطين عندما قرر الأخير منح المسيحين منطقة ميناء ميوما (ميناء مدينة غزة الواقع قرب منطقة البلاخية شمال مخيم الشاطئ).

للاجئين ) للأقلية المسيحية آنذاك، وقد عين لها أسقفًا وقد سماها أهل المدينة قسطندينا على اسم اخت الملك، لكن سرعان ما ألغى جوليان الجاحد هذا الامتياز، ليبدأ القتل والذبح والتشتيت للمسيحين في شوارع مدينة غزة.

قدوم القديس البار منقذًا لأهل المدينة 

جاء القديس بريفيوس عام ٤٠٢ ميلادي، الذي تمكن من تحطيم جميع المعابد الوثنية في غزة البالغ عددها ثمانية معابد أهمها معبد مارنا، وهو إله المدينة مأخوذة لفظته من اللغة السامية بمعنى مولانا، حيث يقول سليم المبيض: ”إن جميع الأدلة والقرائن تؤكد على أن معبد مارنا كان يتوسط مدينة غزة القديمة، كما أكد على ذلك كتاب الشماس ”مرقس” وسط مدينة غزة، يعني أنها بالقرب من المسجد العمري، لكن لا توجد أدلة أركيولوجية جادة تؤكد أو تنفي ذلك، لكن الموقع المتوسط لبناء كنيسة أفد وكسيا وموقعها فإنه يرجح فعلًا أنها بنت فوق معبد مارنا” حيث إن أفد وكسيا زوجة الإمبراطور أركاديوس التي تنبأ لها بريفيوس بولادة طفلًا، وقد أنجبته بالفعل في نهاية السنة الجارية حينها.
فقام بتعميده،فأعطته امتياز فيما بعد لبناء كنيسة القديس بريفيوس الموجودة حاليًا المسماة آنذاك بكنيسة أفد وكسيا، حيث إنه كان بناء الكنيسة والمخطوطات والرسومات فيها وفقًا لطلبها لتبدأ اولى الصلوات في الكنيسة في عيد الفصح، بتاريخ 41/4/407ميلادي بعد خمس سنوات من البناء وهدم معبد مارنا.

كان بريفيوس صاحب معجزات أهمها ما ذكر في كتاب أتحاف الأعزة في تاريخ مدينة غزة ” أنه عندما دخل مدينة حدث قحطاً فنسبه الوثنيون إلى بريفيوس كنذير شؤم وبؤس للمدينة ففرض على المسيحين صلوات ليلية حتى أرسل الرب وابلًا هطالًا من المطر؛ مما جعل الكثير من الوثنيين القول بأن المسيح هو إله حقًا، ولم يغلب إلا هو “ليبقى بريفيوس يخدم هذا الدين وأبناء هذا الدين في مدينة غزة حتى وافته المنية في عام 420 ميلادي حيث دفن في كنيسة افدوكسيا لتسمى على اسمه فيما بعد أو كنيسة المقبرة نسبةً لقبره.

ما بعد بريفيوس!

لكن لم تتوقف المسيحية هنا ليستكمل ما بدأه بريفيوس العديد من الأساقفة، لكن الأسقف الشهير مارقيانوس الذي جاء في القرن الخامس الميلادي لمدينة غزة المسيحية  حيث انتهى الاضطهاد والوجود الوثني بشكلاً تام  ليرعى مارقيانوس المسيحيين عام 536 ميلادي.

كان غزي الأصل لعائلة كبيرة كان آخاه راعيًا لمدينة غزة، حيث عاضده في أعماله الدينية حيث ساعده في بناء العديد من الأبراج والأبنية الجديدة والكنائس التي كست المدينة رونقًا وجمالًا، أهمها كنيسة الرسل الواقعة بقرب منطقة السوق لغزة التاريخية، والعديد من الكنائس التي افتتحت في أجواء احتفالية شعبية، فتزينت غزة بالأضواء وأعلام الزينة، وقد ذاع صيت مدينة غزة المسيحية في الأدب والعمران؛ لتصبح فيما بعد مكانًا لتلقي العلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد