إن الجهاز المركزي للاستخبارات والمهمات الإسرائيلية السرية الخاصة الذي أسس 1949 منذ ما يقارب 68 عامًا والذي يتخذ من تل أبيب مقرًا له، ويخضع مباشرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، ربما يكون قادرًا على الوصول إلى هذا العالِم أو ذاك القائد الفلسطيني ليقوم بتصفيته ظنًا منه بأن القضية الفلسطينية قد أصيبت في مقتل وربما ماتت باغتيال هنا أو هناك، ولكن خاب ظنه فكيف تموت قضية يحملها ما يزيد عن 12 مليون فلسطيني ذاق الأمرين من الاحتلال وسياسته العنصرية، فالقضية إذًا قضية شعب والشعب الذي أنجب العلماء والقادة الذين تعرضوا للاغتيال على يد الغدر الإسرائيلي قادر على إنجاب مثلهم وأكثر، طالما بقي الاحتلال جاثمًا على الأراضي الفلسطينية.

والقانون الطبيعي والأزلي لوجود الاحتلال على أي بقعة من بقاع العالم هو المقاومة بكافة أشكاله السلمية منها والعسكرية، وهذا ما كفلته الشرعية الدولية، أي أن للشعوب الحق في تقرير مصيرها والتحرر من الاحتلال الذي يجثم على أراضيها، ولكن إسرائيل كانت دومًا وما زالت تواجه مطالب الشعب الفلسطيني بالحرية والسيادة والاستقلال بالبطش الأعمى، حيث تستخدم العديد من الوسائل لثني الفلسطيني عن المطالبة بحقوقه منها النفي والاعتقال والقصف والحصار ومصادرة الأراضي والاغتيالات بحق العلماء والرموز الفلسطينية، والتي كان آخرها اغتيال عالم الطاقة الفلسطيني فادي البطش، في محاولة منها للحيلولة دون تطور الوسائل النضالية لدى الشعب الفلسطيني.

ولكن حقيقة الأمر أن الاحتلال يلجأ لسياسة التخبط، غير قادر على معرفة حقيقة وخبايا الأمور مثلا وعلى الرغم من حصار غزة المستمر ووضعها المأساوي في جميع مناحي الحياة، إلا أنها استطاعت حفر الأنفاق وتطوير الصواريخ بحيث تصل لمدى بعيد، ثم صناعة طائرات لأغراض متنوعة تستطيع الوصول لوزارة الدفاع الإسرائيلية وهذا ما حدث عام 2014، فكيف سيكون حال الاحتلال على الرغم من حصاره إلا مزيدًا من الصدمة والتخبط تؤدي به في النهاية لارتكاب مزيد من الحماقات بحق الشعب الفلسطيني وعلمائه، في محاولة منه لكسر الروح المعنوية والتأثير السلبي على نفسية وتفكير الإنسان الفلسطيني وكجزء من الحرب النفسية للترويج بأن إسرائيل التي تستطيع اغتيال قادة وعلماء في أي دولة من دول العالم قادرة على اغتيال القيادات والعلماء الموجودين داخل فلسطين، في محاولة منها لتطويع نفسيات أبناء الشعب الفلسطيني وجعلها قابلة للغزو والتشكيل حسب المزاج الإسرائيلي.

ولجأت إسرائيل عبر تاريخها وجهازها الموساد منذ تأسيسه- والذي يشمل قسم المعلومات والتجسس والتحليل والتنفيذ – لسياسة التصفية الجسدية والاغتيالات كلما انتابها الشك والريب بأن هذا أو ذاك القائد هو المسؤول عن التطور أو تلك العملية، أي أن السياسة الإسرائيلية الحمقاء لم تكن وليدة اللحظة بل هي امتداد لسياسة فكرية وملموسة رافقت قيام إسرائيل، بمعني أن هناك سجلًا وتاريخًا حافلًا لسياسة الاغتيالات وبأساليب متنوعة التي قام بها الموساد بحق القيادات الفلسطينية في كثير من دول العالم.

 ومن هذه الاغتيالات، اغتيال القادة الثلاث في عملية فردان 1973 كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار في لبنان باقتحام منازلهم وإطلاق النار عليهم، وغسان كنفاني بتفجير سيارته وأبو جهاد في تونس باقتحام منزله في تونس 1988، وصلاح خلف أبو إياد 1991، واغتيال فتحي الشقاقي بإطلاق النار عليه في مالطا 1995، والمهندس يحيى عياش بتفجير هاتفه 1996، مرورًا بمحاولة اغتيال خالد مشعل الشهيرة والفاشلة عندما تم رش السم في أذنه، ولكن تم الإمساك بهم في العاصمة الأردنية عمان وجيء بالعقار المضاد للسم عام 1997، بالإضافة لاغتيال مهندس الطيران التونسي والذي عمل لصالح المقاومة محمد الزواري بإطلاق النار عليه 2016، بالإضافة لعشرات الاغتيالات التي طالت كثيرًا من قيادات العمل الوطني الفلسطيني عبر تاريخه النضالي، وفي كل المراحل والأماكن والتي كان آخرها اغتيال العالم الدكتور المهندس فادي البطش في العاصمة الماليزية كوالالمبور بإطلاق النار عليه أثناء ذهابه لصلاة الفجر 21 أبريل (نيسان) 2018 حيث كان البطش مهندسًا كهربائيًا ويعمل في الجمعيات التي تدعم الشعب الفلسطيني، والذي تخرج في الجامعة الإسلامية بغزة وحصل على درجة الدكتوراة من جامعة مالايا الماليزية 2015، ولكن كمن سبقه من العلماء والقادة حيث طالته يد الغدر الموسادي الإسرائيلي حيث تم إطلاق 14 طلقة أودت بحياته.

 ولكن الملاحظ أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تناولت خبر اغتياله بشكل كبير، بالقول إنه يعمل على تطوير الطيران المسير عبر موجات الراديو fm وأنه عمل على تطوير دقة الصواريخ، وبأنه عنصر يتبع لمجموعة سرية لحماس، ومهما يكن من أمر فإن إسرائيل لا تعلن عادة عن أنها تقف خلف تلك الاغتيالات، أي أن إسرائيل لم تعلن أنها هي المسؤولة عن هذا الاغتيال ولكن من خلال تناول هذا الموضوع بشكل واسع وسيطرته على الإعلام الإسرائيلي يمكن لنا ومع اتهام الفصائل الفلسطينية لإسرائيل، بالإضافة لعائلته أن نؤكد بأن الموساد يقف خلف هذا الاغتيال، وهذه السياسة لم ولن تزيد الشعب الفلسطيني إلا إصرارًا على المضي في طريق الحرية.

بالفعل عندما تصبح إسرائيل متخبطة تلجأ لسياسة الاغتيالات، محاولة منها ترهيب وتخويف وهز الروح المعنوية لشعب طالما أمل بركوب قطار الحرية واللحاق بدول العالم الحر، فالشعب الذي تعود على التضحيات في سبيل وطنه لا يغلى عليه أن يقدم قادته وعلمائه فداء لثرى الوطن، نعم اغتيال البطش ليس نصرًا لإسرائيل عزيمة يشعلها بعقول المفكرين ونار يشعلها ببنادق المجاهدين وسنة تدفع للتفوق والتعليم في سبيل الخلاص من المحتلين، وعلى الرغم من الاغتيالات ولكن الحقيقة تقضي بأن إسرائيل أعجز من أن تقضي على أمال وأحلام شعب يطمح بالتحرر وتقرير المصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد