لعل تهدئة غزة أصبحت في الآونة الأخيرة هي القضية المسيطرة على الرأي العام في قطاع غزة خصوصًا والضفة الغربية والخارج بشكل عام، إذ إنه في حال تم التوصل لتلك التهدئة فإن هذا يعني أن تطورات سياسية واقتصادية وتغيرات حدثت وستحدث بالنسبة للقضية والأحزاب السياسية الفلسطينية، بمعني أن كثيرًا من الأحزاب في غزة وبناء على عدة متغيرات، كالحصار الطويل والحروب المتتالية وما يفرضه الوضع الداخلي والانقسام المستمر والعقوبات ضد غزة والمتغيرات الإقليمية كتراجع دور قوة بعض الحركات والأنظمة التي تعتمد عليها بعض الفصائل في غزة سواءً بالدعم المالي أو العسكري والمتغير الدولي والمتمثل في السياسية الأمريكية وما تشكله من تحديات داخلية كتخفيض دعم الأونروا ومحاولة تمرير بعض الصفقات المشبوهة.

بعدما كانت لا ترى إلا المقاومة المسلحة الطريق الأمثل لتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية، أصبحت أكثر مرونة في اللجوء للأساليب الأخرى كالمفاوضات بغية تحقيق الأهداف الوطنية بالطرق السلمية، وهذا يعني في حال تمت التهدئة بين غزة وإسرائيل واستمرار الانقسام أن إسرائيل التي فاوضت وتفاوض منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني معترف بها دوليًا، أصبحت تفاوض فصائل فلسطينية في قطاع غزة بحكم الأمر الواقع بعيدًا عن الممثل الوحيد.

وربما جاء هذا من إفرازات الانقسام المستمر وربما هذا يعني أن السلطة في رام الله تفاوض لتحقيق ما تريد، وسلطة أو هيئة في غزة تفاوض لتحقيق ما تريد، وتكون إسرائيل في الوسط وتلعب على المتناقضات الداخلية مستخدمة أسلوب العصا والجزر وأن حركة فتح التي أطلقت الرصاصة الأولى للثورة الفلسطينية المعاصرة في 1967 وقادت منظمة التحرير الفلسطينية واعتبرت من الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، هي نفسها من دخلت بعد ذلك في الأمم المتحدة والجامعة العربية (المجال الدبلوماسي) وصولًا لتعديل بعض مواد المنظمة حتى مؤتمر مدريد 1991 فأوسلو 1993 التي فرضت استحقاقات سياسية وتطورات في البنية السياسية الفلسطينية، حيث تم الاعتراف المتبادل وجاءت السلطة الفلسطينية وجرت انتخابات رئاسية وعقد المجلس الوطني في غزة.

وأصبحت أوسلو بين مؤيد ومعارض، أي أن أي عمل سياسي تفاوضي كالتهدئة مثلًا – مع الفارق بين أوسلو والتهدئة – سيكون له استحقاقات وتطورات سياسية على أرض الواقع ربما تؤثر سلبًا على مجرى القضية الفلسطينية ما بين الضفة وغزة في حال استمرار الانقسام، فمثلا هل تقبل السلطة في حال تمت التهدئة وكان من بنودها أن تقوم إسرائيل بتحويل الضرائب لغزة؟، بكل تأكيد الإجابة هي النفي وغيرها من أمور التمثيل والموظفين والعلاقات الخارجية.

ومن الأسباب التي قد تدفع إسرائيل نحو عقد تهدئة مع غزة،خوضها لثلاث عدوانات كلفتها خسائر اقتصادية وبشرية دون جدوى، في محاولة لترويض العمود الفقري للمقاومة، وإخماد جبهة غزة من خلال العمليات العسكرية المتتالية وسياسة الحصار الممنهج، إلا أنها لم تجدِ لها نفعًا حيث استمرت المقاومة بتطوير قدراتها القتالية بأنواعها المختلفة على الرغم من الوضع الإنساني الصعب، وبذلك يكون هذا دافعًا لتجربة جدوى الهدوء والتهدئة مع غزة بعد تجربة الوسائل العسكرية، بالإضافة لتحدي مسيرات العودة والبالونات الحارقة وما فرضته من خسائر اقتصادية كبيرة، ورغبة إسرائيل وإدراكها أن حصارها واستمراره أوصل قطاع غزة لابتكار هذه الأساليب التي تسبب عدم الاستقرار للمواطنين والمزارعين في غلاف غزة، جعلها أكثر قابلية للجوء لأسلوب المفاوضات للتوصل لحل يؤدي لوقف المسيرات والبالونات الحارقة.

ربما ترغب إسرائيل في التهدئة في الوقت الحالي ريثما يكتمل بناء الجدار الأرضي في عام 2019 لكي تتخلص في أي مواجهة قادمة من خطر السلاح الاستراتيجي للمقاومة – سلاح الأنفاق – الذي استخدمته في حرب 2014، بالإضافة للانتهاء من بناء الحاجز البحري لمواجهة خطر أي محاولة قد تقوم بها وحدة الضفادع البشرية مثلما حدث في عملية زكيم 2014، بالإضافة لعدم الاستقرار الداخلي بسبب قانون القومية العنصري وهو ما يحدث شرخًا داخليًا بين المكونات الداخلية للمجتمع الإسرائيلي، بالإضافة لأزمة التجنيد بين نتنياهو والمتدينين وتهديده بإجراء انتخابات مبكرة، وربما الرغبة في زيادة تشتيت التمثيل الفلسطيني بين المنظمة وحماس، هذا بالإضافة في التفرغ للأخطار الخارجية مثلا كسوريا وحزب الله وإيران.

صحيح أن هذه عوامل تدفع نتنياهو باتجاه تهدئة مع غزة، ولكن هناك تجاذبات ومعارضة إسرائيلية داخلية للتهدئة مع حماس بالإضافة لما أبداه الرأي العام الإسرائيلي من عدم رضا الجمهور لأداء نتنياهو تجاه غزة وبضرورة التصعيد، لدرجة أن ليبرمان صرح بربيع عربي في غزة أو احتلالها للقضاء على سلطة حماس إن لم يستمر الهدوء في الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات غير المباشرة من أجل التوصل لتهدئة وهذا يدلل على مدى أهمية الموقف ونوايا الاحتلال تجاه غزة، وبالقدر نفسه، الطائرات الورقية واستمرارها تكون دافعًا للتصعيد وقد تكون دافعًا لإنهاء الأسباب التي أدت لهذه الظاهرة التي تلحق الأذى بإسرائيل، خصوصًا إن استمرت مفاوضات التهدئة لوقت طويل، دون الوصول لحل يقضي بفك الحصار عن قطاع غزة، وهو ما قد يحدث تطورات ميدانية تجعلنا نعود لنقطة الصفر.

هذا بالنسبة لإسرائيل أما بالنسبة لفصائل قطاع غزة وعلى رأسها حماس، فإن الأسباب التي تدفعها لعقد تهدئة مع إسرائيل عبارة عن الرغبة الشديدة في رفع الحصار عن قطاع غزة المستمر منذ أكثر من 11 عامًا والذي سبب أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية لم يعد بمقدور المواطن تحملها بأي حال من الأحوال، بالإضافة لتعثر الأفق السياسي بشكل كبير بالنسبة لقضية إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي، وتعتبر عملية العقوبات والإجراءات -التي اتخذتها السلطة الفلسطينية تحديًا أثر بشكل كبير على مستوى القطاع بكافة المجالات – دافعًا للتوجه للمفاوضات مع إسرائيل، لعل مخرجًا قد يكون مفيدًا خيرًا من انتظار طال ولم يفد، هذا بالنسبة لحركة حماس، وربما إدراكها بأن الحروب لم تؤد إلا إلى المزيد من الخسائر البشرية والمادية دون تحسن على المستوى المعيشي في غزة، والرغبة في أن تكون بعيدًا عن ضغط وتأثير السلطة حيث إن تم التوصل لتهدئة فإن بنودها والتي تتمثل – حسب وسائل الإعلام والصحف – في (وقف شامل لإطلاق النار ورفع الحصار عن غزة بشكل كامل وإدخال عمال من غزة لأراضي 48 وزيادة مساحة الصيد ومشاريع إنسانية كتحسين الكهرباء والمياه والبنى التحتية وفرص عمل وضخ الأموال لتصبح سنغافورة الشرق الأوسط بالإضافة لميناء ومطار في مراحل لاحقة) تكون قد حققت لحماس كثيرًا من الأمور التي ترضي المواطن في غزة بعد أن ذاق كل عسير من الحصار.

ولكن نجد أن حركة فتح وجناحها العسكري كتائب الأقصى ترفض الالتزام بأي تهدئة مجزوئة مع الاحتلال وهذا يعد تحديًا إن تمت التهدئة، فكيف ستكون الأمور إن لم تلتزم بها حركة فتح كما أعلنت، وفي حال تمت التهدئة ولم تتم المصالحة قد تكون عقبة أمام الاستمرار بها خصوصًا أن بعض المصادر تشير إلى عودة السلطة لإدارة غزة وفق تفاهمات معينة، ولكن أيضًا إن لم يتم التوصل لإنهاء الانقسام واستمرت السلطة في عدم مباركة التهدئة فإن الاتفاق سيوقع متجاهلًا الرئيس الفلسطيني.

إن العوامل التي تدفع باتجاه التهدئة هي العوامل التي تدفع بنفس الدرجة إلى التصعيد، لولا التدخلات الدولية للتوصل لتهدئة، ولكن يجري الحديث عن تهدئة في الإطار العام لتهدئة 2014، وعلى أساس مراحل يتم تنفيذها أي قضايا معجلة كفك الحصار ووقف إطلاق النار ومؤجلة كالتفاوض حول لسان بحري يربط غزة بقبرص ومطار دولي، ولكن هل التزمت إسرائيل بتهدئة 2014؟ بكل تأكيد لا، ولكن التحدي الآن هل ستشمل التهدئة في حال تمت الضفة أم غزة فقط؟ وهل تفك إسرائيل الحصار دون تفكيك سلاح المقاومة ؟(ثمن سياسي)،وما الضمانات للالتزام المتبادل بالتهدئة وعدم خرقها ربما بحجة حفر أو تطوير أو تصنيع؟ وتحدي هام إن تمت التهدئة، كيف ستكون النقاشات والمفاوضات حول القضايا اللاحقة؟ هل ستكون مفاوضات بداية ليس لها نهاية كما عودتنا إسرائيل؟ … إلخ. من التساؤلات المشروعة والتي إن تحققت أجوبتها وطبقت مخرجاتها تكون الفصائل الفلسطينية قد حققت إنجازًا لتحسين الأوضاع العامة في غزة لم تنجزه الحروب.

نعتقد أن هناك فرصًا للنجاح ولكن فرص عدم النجاح أقوى لعدة عوامل وهي:

-غياب الثقة بين الطرفين لعدم التزام إسرائيل بالاتفاقات السابقة.

-طول مدة التفاوض دون نتائج وهو ما قد يؤدي لإحداث وتطورات ميدانية تؤدي للصدام.

-الاختلاف في تفسير ما قد يتم الاتفاق عليه –بحكم التجارب- والتلاعب من قبل إسرائيل، فهل في حال أنشئ لسان بحري ستسمح إسرائيل بإدخال جميع البضائع والأشخاص من وإلى قطاع غزة أم غير ذلك؟ خصوصًا إن كان تحت الرقابة الأمنية الإسرائيلية الكاملة.

-هل تستطيع إسرائيل أن تحتفظ بتهدئة دون الإخلال بها؟ فمثلا مساحة الصيد هل تستطيع أن تلتزم بزيادتها حسب ما قد يتفق عليه؟ أو المعابر هل تستطيع استمرار فتحها وعدم إغلاقها بحجج واهية… إلخ.

-في حال لم تشمل التهدئة الضفة الغربية والخارج وقام الاحتلال باغتيال أو اعتقال لقادة يتبعون للفصائل وعلى رأسها حماس؟ كيف سيكون الموقف حينئذٍ؟

-لنفترض بأن إسرائيل قامت بالاعتداء على المسجد الأقصى وتركيب كاميرات مرة أخرى؟ وحدثت هبة جماهيرية في القدس نصرة للأقصى، ماهي ردة فعل الفصائل في غزة؟

– الانقسام الفلسطيني الداخلي وتهديد بعض الفصائل بعدم الالتزام بالتهدئة إن أبرمت بحجج ودواعي ترى الصوابية فيها، وهنا كيف سيكون تعامل الفصائل وإسرائيل وردات الفعل المتبادلة؟

– باعتقادي أن إسرائيل لن تمنح تهدئة مجانًا، أقصد سلاح المقاومة، الأسرى في غزة، علاقات حماس والفصائل مع حزب الله وإيران إلى أي مدى يمكن لحماس أن تساوم أو تقطع علاقات وما ردة الفعل الإسرائيلي؟

– صحيح أننا مع السياسة الباردة ولسنا مع الحرب، ولكن باعتقادي أن حجم التضحيات الفلسطينية الكبيرة لن يوصل تهدئة بكل سهولة وتسهيلات بسيطة لا تكون جوهرية بالنسبة للوضع الغزي وهو ما يفرض تحديات على الكيان وعلى الفصائل ومدى استعداد الطرفين للتجاوب المتبادل.

وفي النهاية لا بد من القول بأن للتهدئة دوافع وللحرب دوافع ولكن نعتقد أن دافع التهدئة وفرص نجاحها ضئيلة للأسباب السابقة وغيرها بالنسبة لفرص المواجهة إلا إذا كانت إسرائيل جادة ولديها إرادة ورغبة صادقة للوصول والالتزام بالتهدئة ولكن كم توهمنا ولم نجد إلا النقض والنكران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد