لم يعد يخفى على الكثير من بلدان الوطن العربي والعالم حال مدينة غزة، تلك المدينة الصغيرة بمساحتها والكبيرة بصمودها وتحديها وثباتها أمام الواقع المفروض عليها منذ أكثر من عشر سنوات مضت، بجانب الحروب المتكررة وما خلفته على مدينة غزة.

فكما تستقبل مدينة غزة الألم والحزن والأسى، فهي تستقبل أيضًا الفرح والبهجة والسرور بقدوم شهر رمضان المبارك، بكل تفاصيله وعاداته.

ولكن ما يجعل مدينة غزة أكثر تميزًا عن مدن العالم، أنها تمارس طقوسًا ومراسم خاصة بها، تجعل للأجواء الرمضانية مذاقًا وطعمًا آخر، وترى بها مظاهر ومشاهد وأحداثًا، أكاد أجزم أنك لم ترها من قبل ولم تخطر على بالك أبدًا، مهما رحلت وسافرت بعيدًا حول العالم.

فهنا في غزة، بين الركام والدمار وفوق الأطلال، تحضر موائد الإفطار لمن فقدوا منازلهم في الحرب الأخيرة. يلتفون حول بعضهم، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ويتناولون إفطارهم على ضوء القمر، مع حسرة كبيرة تملأ قلوبهم لعدم تمكنهم من استقبال الشهر الفضيل على أكمل وجه.

ولا تختلف أجواء شهر رمضان في الكرفانات حيث تبدو باهتة للغاية، فلا أطفال فرحون بفوانيسه، ولا رجال قادرون على تزويد عائلاتهم باحتياجات الشهر من أغذية وأطعمة ومشروبات، ولا نساء تتوافر لديهنّ سبل الراحة أو الخصوصية لاستشعار عظمة الشهر وروعته مع عائلاتهنّ كما كان الأمر سابقًا، حين كانوا يقضون رمضان بأجمل أجوائه، ويقومون بتجهيز البيت لاستقباله، وتحضير ما لذ وطاب من الطعام، والأهم أن إعداد الإفطار والسحور لم يكن يأخذ منهم كل هذا الوقت والتعب، فهم «اليوم لا ثلاجة ولا بيت ولا ملابس إلا صدقات ترسلها إليهم بعض الجهات والجمعيات والمؤسسات الخيرية». بعد أن تجرعوا مرارة الذل – إلا من رحم ربي، ومع إشراق شمس الصباح يقومون بتحضير طعام الإفطار بصعوبة، حيث يستخدمون الحطب لإشعال النار وطهي الطعام، لعدم توافر الغاز والأجهزة والإمكانات اللازمة للمطبخ. إذ أصبحت «نار الحطب هذه أهون بكثير من نار الحسرة في قلوبهم, حتى هي أهون من حرارة الكرفان الشديدة التي يضطرون إلى تحملها صيفًا».

كلهم يعدّون كرفاناتهم «سجونًا ملوّنة» فوق «أرضٍ ميتة»! وكلّهم أيضًا يعيشون رمضان اليوم وفي قلوبهم غصّة، وينظرون إلى الأمس حيث كان للشهر الكريم في بيوتهم نكهة أخرى لا يذوقون منها هنا إلا «مرار الهجرة».

ومدينة غزة هي المدينة الوحيدة في العالم التي تتناول إفطارها يومًا في حضرة الضوء، ويومًا آخر في حضرة الشموع. إنها ليست طقوسًا اختلقتها تلك المدينة الساحرة. بل طقوس فرضها عليها واقع التيار الكهربائي الذي تعاني منه منذ سنوات طويلة، والذي يتم وصله في ساعات المساء يومًا بعد يوم حسب جدول الكهرباء (8 ساعات أو أدنى من ذلك).

غزة تلك المدينة التي لم يجتمع بها أفراد العائلة على مائدة الإفطار، ليس حقدًا أو كراهية أو مقاطعة لصلة الرحم، ولكن هي المدينة الوحيدة التي يفتقد كل منزل من منازلها أحد أفراده فمنهم من غادر شهيدًا ومنهم من بات أسيرًا في سجون الاحتلال.

يعيش المواطنون في قطاع غزة أجواء أيام شهر رمضان الفضيل وهم مثقلون بهموم متواصلة بفعل الاحتلال الإسرائيلي، الذي يفرض حصارًا مشددًا يغلق كافة المعابر مع غزة.

وبالرغم من الظروف الصعبة التي يحياها أهالي غزة إلا أنهم يفرحون باستقبال الشهر الفضيل، ويتزودون بحاجيات ومستلزمات رمضان، ويفرحون أطفالهم بشراء فوانيس رمضان، فيما الأسواق والمحال التجارية تزدحم بالمتسوقين، ومن أكثر الأسواق شهرة في غزة (سوق الزاوية) القديم، والذي يشتهر بأجوائه الرمضانية، حيث تعلق على أبواب محلاته معلقات الهلال الرمضاني، فيما اصطفت الفوانيس تتقدم محلات الألعاب والبسطات الصغيرة، كما وتزينت شوارع غزة بأبهى حلة ومنازل المواطنين بفوانيس رمضان وبأحبال الزينة رغم الآلام، التي يستذكرها المواطنون في غزة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد