يعيش قطاع غزة الآن أوضاعًا اقتصادية ومعيشية مؤسفة، جعلت القطاع يعاني من حالة ركود في جميع الجوانب، وجعلت السكان في حالة نفور وتأفف كبيرة، من جانب بقاء العقوبات المفروضة من قِبل السلطة الفلسطينية، ومن جانب آخر ضغوط على حركة المقاومة للتخلص من السلاح وإيجاد التضييق من خلال قطع ما يقدم لها من مساعدات خارجية كانت تدفع بالقطاع، ومن جانب آخر الضغوط الدولية والتهديدات الدائمة بقطع المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة «الأونروا».

ويضرب الاحتلال حصارًا على غزة منذ وصول حركة حماس للسلطة بعد فوزها بالانتخابات التشريعية عام 2006، حيث أغلق أربعة معابر تجارية، وأبقى على معبرين فقط، هما معبر كرم أبو سالم كمنفذ تجاري، ومعبر بيت حانون كمنفذ للأفراد.

يعاني قطاع غزة الآن من أزمة اقتصادية خانقة أرهقت كاهل سكان القطاع، بالرغم من أن عام 2017 يعتبر العام الأسوأ على القطاع إلا أن الأوقات الحالية ومع بداية 2018 لا يشهد القطاع أي تحسينات إنما هو في رجوع مستمر، وذلك عائد إلى الحصار المفروض على القطاع من قبل «إسرائيل» فمنذ الأيام الأولى لتسلم حماس الحكم في قطاع غزة فرضت إسرائيل الحصار، وبدأت بتقليص الكهرباء عبر الخطوط الإسرائيلية، وذلك لتزيد من المعاناة التي تتبعها أزمة في الكهرباء والصحة، فضلًا عن أزمة المحروقات، وإغلاق أغلب المعابر وارتفاع معدلات البطالة والفقر، يُضاف لها الحروب المتكررة على القطاع وما خلفته تلك الحروب من تدمير في البنى التحتية على صعيد الأراضي الزراعية والخدمات المقدمة أيضًا وزيادة عدد الأهالي بلا مأوى.

لا تعتبر إسرائيل هي المسبب الوحيد للأزمة التي يُعاني منها سكان القطاع بل السلطة الفلسطينية لها دور في تضييق الخناق على الغزيين والحكم عليهم بالموت البطيء من خلال تقليص رواتب الموظفين، وتقليص الخدمات الطبية التي تقدمها لسكان داخل القطاع، وفرضها الضرائب بشكل يؤكد إمعانها في جعل قطاع غزة في حالة مزرية دون اكتراث.

لا تقتصر الأزمات داخل قطاع غزة على الرواتب والصحة والكهرباء؛ بل إن مياه الشرب في قطاع غزة غير صالحة مما يهدد الحياة داخل القطاع بشكل لا يمكن لأحد إنكاره.

بالرغم من علم المصالحة الذي لوح به في الأجواء لفترة وقذف الأمل في نفوس الفلسطينيين إلا أن ذاك الأمل سرعان ما بدأ بالاختفاء والتحول إلى موجة من الكبت الداخلي، الذي ينذر بالغضب في أي لحظة، بالرغم من تقديم حركة حماس التنازلات غير أن السلطة الفلسطينية مصرة على عرقلة المصالحة وبالتالي لا ندرك إلى ماذا تريد الحكومة الوصول، لأنه وبالرغم من تسليم حماس الأوراق والتنازل من أجل إنقاذ سكان القطاع إلا أن السلطة الفلسطينية لم تكترث وأبدت وجهها الذي لا ينكره أحد، وضربت عرض الحائط بكل أحلام وآمال سكان القطاع، وأعلنت رفضها تخفيف العقوبات، بعد أن كان سكان غزة يُلقون اللوم على حماس أنها متجبرة إلا أن الواقع الحالي يُثبت أن السلطة ليست مدركة لخطورة الوضع داخل القطاع وتستمر في عنادها بضرورة تسليم السلاح لتخليص السكان من الموت البطيء ولكن إن قبلت حماس ذلك فلن يرضى الشعب لأنه سلاح التحرير، وتستمر أزمة القطاع.

يمكن القول إن سكان قطاع غزة في سجن كبير على غرار السجون المتواجدة في الواقع، أزمة تعقبها أزمة وبالتالي لا مفر من الخروج والبدء بحياة هانئة لأحد، وهو حلم لا يمكن لأحد بلوغه إلا بعد الانتظار الطويل، وذلك لأن معبر رفح يعتبر النافذة الوحيدة لسكان القطاع، وكان في قبضة السلطات المصرية التي تتحكم في أوقات فتحه وإغلاقه مما يجعلهم واقعين تحت رضا الطرف المصري من أجل فتح تلك البوابة السوداء، حتى بالرغم من عودة السلطة للعمل به إلا أنها لا تمتلك القرار فيه حتى الآن، مما يجعل الموت أقرب طريق للهرب مما يعانيه الجميع.

ويُضاف للمعاناة داخل القطاع تلويح الولايات المتحدة بأنها ستتوقف عن تقديم المعونات التي تقدمها للقطاع من خلال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) والتي يعتاش منها الغالبية العظمى من السكان، حيث جمدت الولايات المتحدة الأمريكية في بداية عام 2018، 125 مليون دولار من مساهمتها في ميزانية (الأونروا)، وبالتالي يمكن تفسير الرغبة الأمريكية تلك بأنها راجعة لأسباب سياسية محضة ألا وهي رغبتها في الضغط على السلطة الفلسطينية من أجل استئناف المفاوضات مع الاحتلال، وتلك الأسباب مجتمعة تجعل الوضع في القطاع في حالة هيجان وسوف تتطور إلى انفجار سواء في وجه السلطة أو الاحتلال.

في الختام يمكن القول إن الاتجاه إلى إنجاح المصالحة وتقبل السلطة الفلسطينية لجميع التنازلات التي قدمتها حماس على أنها مبادرة حسنة لإنقاذ سكان القطاع من الموت البطيء وللتخلص من ضيق الحكومة التي لم تستطع تحمل أعبائها ولم تكن مدركة لعجزها على إدارة القطاع، إلا أن الأخطاء قابلة للتصحيح وهي الآن تُظهر النية الحسنة في التعاون، لذلك يجب على السلطة الفلسطينية أن تكف عن طلب المستحيل من حماس وأن تدرك أن المتضرر الأول والأخير هو المواطن الفلسطيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد