فتح القصف الإسرائيلي الأخير الذي استهدف نفقًا لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلاميّ، وكتائب القسام التابعة لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وقتل على إثره 7 مقاومين وأصيب نحو 10، فتح جدلًا جديدًا داخل الأوساط الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء.

فمن المعلوم أن المنظمات الفلسطينية 1ذشالعاملة في قطاع غزة وعلى رأسها حماس بدأت بعد العدوان الأخير على غزة بالمجاهرة علناً بأنها تُجهز شبكات من الأنفاق المتطورة والعميقة التي تصل إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة في محيط القطاع، لتكون رسائل موجهة إلى الداخل الإسرائيلي في المقام الأول وإلى المسؤولين في إسرائيل، مفادها بأن الحرب الأخيرة على غزة عام 2014 لم تضعف من قوة المقاومة، وأنها باتت مستعدة أكثر مما سبق لأي تدهور أمني قد تُقدم عليه إسرائيل، عارضة تسجيلات مصورة لبعض الأنفاق والتجهيزات التي تحويها، كما أرادت من ذلك أيضاً دفْعَ أهالي الأسرى الذين لايُعرف مصيرهم بعد، للضغط على الحكومة الإسرائيلية وإجراء صفقةِ تبادلٍ جديدة مع المقاومة الفلسطينية، لإخراج عدد من الأسرى من ذوي الأحكام العالية، ولتعيد الألق القديم الذي تمتعت به المقاومة لسنواتٍ خلت.

وقد كثر الحديثُ بين الأوساط الإسرائيلية في الآونة الأخيرة بحسب مراسل موقع (ويللا) الإخباري دوف غيل هار عن مقدار الخوف والغضب الذي يشعر به القاطنون على الحدود مع غزة تجاه تجدد تهديد الأنفاق، لأنّ الحكومة الإسرائيلية لا تفعل شيئاً لمواجهته، خاصة مع ما فقدته إسرائيل من جنود خلال حربها الأخيرة على غزة في عملياتٍ نفّذتها حركة حماس.

لكن الضربة الإسرائيلية الأخيرة للأنفاق كانت تطورًا لافتًا في التكتيك الذي اتبعته إسرائيلُ منذ خروجها من قطاع غزة عام 2005، إذ إن ذلك يعني امتلاكها أجهزةً متطورة للاستشعار عن بعد، إضافة إلى شبكة من العملاء داخل القطاع، استطاعت من خلالها توجيه الضربة للنفق بدقة عالية، ومما يؤكد ذلك ورودُ معلوماتٍ تداولتها الأوساط الإسرائيلية منذ أكثرَ من عام تشير إلى إرسال الولاياتِ المتحدة الأمريكية مساعداتٍ مالية لإسرائيل لاكتشاف هذه الأنفاق وتدميرها.

منها ما ذكرته صحيفة معاريف نقلًا عن المراسل العسكري يوحاي عوفر عن رئيس الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية الجنرال عاموس غلعاد أنّ الولايات المتحدة ستساهم بـ120 مليون دولار، لمساعدة إسرائيل في تأمين أجهزة إنذار لتشخيص أنفاق غزة.

وبحسب الصحيفة، فإن هذا المبلغ سيصل على دفعاتٍ متلاحقة، بحيث يتم نصب هذه الأجهزة والمعدات على طول الحدود مع قطاع غزة، للبحث عن الأنفاق على عمق عشرات الأمتار.

في المقابل أكدتْ سرايا القدس في بيان لها أنه، وبالرغم من الإجراءات الأمنية المعقدة واستخدام الاحتلال للتكنولوجيا في حربه ضد الأنفاق، استطاع مجاهدونا العبور من خلال نفق الحرية الذي هو ليس الوحيد” لمسافة مئاتِ الأمتار إلى داخل أراضينا المحتلة.

وشددت السرايا على أنّ الاستهداف الصهيوني الغادر لنفق الحرية لن يُثنينا عن مواصلة دربنا، وسيكون دافعًا لاستمرار الإعداد في هذا السلاح الرادع، الذي يُمثل مفتاح فكاكِ الأسرى من داخل سجون الاحتلال الصهيوني عما قريب بإذن الله.

ويبدو أن قوات الاحتلال الإسرائيلي لم تكتفِ بالضربة، لكنّها سارعت إلى استغلال الإنجاز الذي حققته بالبدء بإجراء عملياتِ حفرٍ في محيط منطقةِ نفق المقاومة الفلسطينية المُستهدف شرقيّ محافظةِ خان يونس جنوبيّ قطاع غزة.

ونقل مراسل وكالة صفا الفلسطينية عن شهود أفادتهم بتوافد عدة جرافات وحفارات وقواديح وشاحنات عسكرية في ساعة مبكرة من فجر الجمعة بدأت بعمليات حفر وإنشاء سواتر ترابية مرتفعة داخل الشريط الحدودي، مقابل النفق المستهدف، وذكر أن الجرافات شرعت بإنشاء ساتر ترابي كبير في المكان؛ فضلًا عن وجود 8 حفارات وقواديح تقوم بالحفر خلف تلك السواتر، في حين وصلت شاحنة على الأقل تحمل أنابيب كبيرة.

وبيّنَ أنّ أعمال التجريف تتم بشكلٍ متواصلٍ دون توقف؛ بينما تتمركز آليات مدفعية فوق تلال رملية بمحيط الحفريات التي تتركز مقابل عمليات الحفر بالجانب الفلسطيني من الحدود بحثًا عن المفقودين.

وذكر المراسل أنّ المكان يشهد وجود عددٍ كبيرٍ من الجنود والعمال بينما تحلق طائرات الاستطلاع بكثافة في سماء المنطقة، ما يُرجح استعداد إسرائيل لتفجير جزءٍ جديدٍ من النفق المستهدف.

ومن المعروف عن المسؤولين الإسرائيليين أنهم يعملون على مسارات متوازية فيما يخص التعاملَ مع الفلسطينيين، فمسارُ المفاوضات لايمكن أن يتعارض مع مسار التصعيدِ العسكري، فلكلٍّ من هذين المسارين هدفه القريب والبعيد، ونستذكر في هذا المجال ما صرح به سابقًا زعيمُ حزب هناك مستقبل المعارض يائير لابيد لصحيفة يديعوت أحرونوت بأن التعامل مع خطر الأنفاق من غزة يتطلب العمل على مسارين متوازيين، الأول إجراء مفاوضات عبر الإدارة الأمريكية لإقامة ميناء في غزة، مما سيضطر حركة المقاومة الإسلامية حماس للتوقف عن مهاجمة إسرائيل خلال مدة زمنية تتراوح بين سبع وثماني سنوات لأنها بحاجة لهذا الميناء، والمسار الثاني عسكري بتفجير أيٍّ من هذه الأنفاق حال اكتشافها.

لكنّ الجنرال الإسرائيلي إيال بن رؤوفين صرح لصحيفة إسرائيل اليوم بأن الحديث عن حرب ضد غزة لا بد أن يستحضر حقيقة أن عملية الجُرف الصامد ضد حماس في غزة عام 2014 كانت بعيدة عن تحقيق انتصار إسرائيلي؛ لأنها امتدت أيامًا طويلة، والجيش لم ينفذ ما خطط له.

ويبقى السؤال حاضرًاً في الأذهان: هل سترد حركتا حماس والجهاد الإسلامي على هذا التصعيد، أم أن هناك حسابات سياسية أخرى تتعلق بالمصالحة الأخيرة بين الضفة والقطاع استغلتها إسرائيل، لجرّ القيادة في غزة إلى حرب جديدة تُوقف هذا التقارب، أو تتابع إسرائيلُ حربًا ممنهجة لتدمير الأنفاق؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

لا لفصل غزة
شارك 1
منذ 4 شهور
الاحتلال الإسرائيلي