مضت أيام قليلة على انقضاء أعنف وأشد حرب على غزة والتي استمرت لـ 51 يومًا، وحصدت أرواح أكثر من 2100 شهيد فلسطيني، ناهيك عن آلاف الجرحى والدمار الكبير الذي صدم العالم، ويحتاج وفق شركات بناء دولية إلى 20 عامًا لإعادة الإعمار، تحت وطأة هذا الدمار ومن وسط الركام ستنهض غزة مرة أخرى كما رأينا هذا بعد عدواني عام 2008 و2012، لتعود أقوى شكيمة وأمضى عزمًا، وفي هذه الحرب – كما في الحروب السابقة- أصرت المقاومة على تحقيق شروطها وأكدت على نقطة اللا عودة، وأن ما بعد الحرب لا يشبه ما قبلها. وفي سبيل ذلك صمدت 51 يومًا في وجه آلة الدمار الإسرائيلية.

مميزات هذه الحرب:
1. طول مدتها؛ فهي أطول حرب تشهدها غزة مع المحتل الإسرائيلي وهي كذلك الأكثر تكلفة بشرية ومادية.

2. جاءت هذه الحرب وقطاع غزة تحت حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية برئاسة الحمد الله، بينما الحربان السابقتان على غزة كانت تحت حكم حكومة حماس.

 

3. أن العلاقة بين الوسيط المصري وحركة حماس في أدنى مستوياتها، وتتعرض حركة حماس لحملة تشويه كبيرة داخل مصر من الإعلام المصري وفي مؤسسات القضاء بوصفها حركة غرهابية معادية، يحاكم من يتعامل معها بتهمة التخابر مع جهة معادية كما هو الحال في محاكمة سلطات الانقلاب للرئيس السابق محمد مرسي، وهذا ما لم يحدث حتى في حرب عام 2008م في عهد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك.

 

4. حالة التراجع التي لحقت بدول ثورات الربيع العربي نتيجة الثورات المضادة وانشغال البلدان العربية بشئونها الداخلية.

أسباب انتصار غزة
لم يكن لهذا الشريط الساحلي الضيق المسمى قطاع غزة أن ينتصر إلا بوجود أسباب موضوعية جعلت منه الأسطورة التي أذهلت العالم والتي أسقطت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، من هذه الأسباب:

 

1. وحدة فصائل المقاومة ووقوفها صفًّا واحدًا في مواجهة العدوان الإسرائيلي، والتنسيق الدائم بينها، والتشاور حول كل المستجدات في الميدان.

2. الالتفاف الشعبي الكبير والحاضن للمقاومة الفلسطينية في مواجهتها للاحتلال الإسرائيلي على الرغم من الفاتورة الكبيرة التي يدفعها الشعب الفلسطيني في سبيل نيل حريته وحقه في الحياة, حيث لم يُبقِ المحتل أمام الفلسطينيين من خيار آخر.

 

3. قوة العقيدة التي تتمتع بها قيادات وعناصر المقاومة بمختلف توجهاتهم، والقائمة على أساس ديني ووطني، والتي تدفعهم للعمل الدؤوب بلا توقف وفي أعسر الظروف وبأقل الإمكانيات.

 

4. مساندة بعض القوى الإقليمية للفصائل المقاومة لا سيما حركة حماس والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في مقاومة المحتل والدفاع عن نفسه، وفي مقدمة هذه الدول تركيا وقطر.

5. التعاطف والتأييد الشعبي من بعض الدول الإقليمية والدولية للشعب الفلسطيني، والوقوف إلى جانبه لنيل حقوقه المشروعة، وعلى رأسها حقه في حياة كريمة.

 

ماذا بعد مهرجانات الانتصار؟
واجهت غزة وحدها العدوان الإسرائيلي مع قليل من التضامن والتفاعل المحلي والعربي، وما إن أعلن عن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار برعاية مصرية حتى تقاطرت الاحتفالات والمهرجانات داخل فلسطين وخارجها، والتي عبرت عن الانتصار العريض الذي حققته المقاومة على الاحتلال الإسرائيلي، وهذا ما رسخ في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي النموذج الغزي بعدما لم يبقِ الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين من خيار ناجع إلا المقاومة المسلحة لانتزاع حقه في الحياة على أرضه، دون الوصاية من أحد كما هو حال كل شعوب هذا العالم.

 

وبإعلان وقف إطلاق النار انتهت مرحلة مهمة من المواجهة المفتوحة مع المحتل الإسرائيلي في غزة، وبدأت مرحلة جديدة ولكن بطابع تفاوضي وفي مكان مختلف وهو القاهرة، والتي أعلن فيها اتفاق التهدئة، ولكن حتى اللحظة لم تبدأ المفاوضات التي من المفترض أن تناقش كل القضايا المتعلقة برفع الحصار نهائيًّا عن غزة، وقضية الميناء والمطار، وكذلك الأسرى وغيرها من القضايا العالقة.

 

هذه المرحلة لا تقل أهمية عن سابقتها، بل هي الثمرة التي يجب أن تجنى بعد كل ما قدم من تضحيات في المرحلة الأولى، لذا لا بد من خطوط حمر وسقف للمطالب لا يمكن التراجع عنه، ولا بد أن تدار المفاوضات بحكمة بالغة وصبر. ولكن ليتحقق ذلك، هل الصف الفلسطيني على قلب رجل واحد؟

 

الإجابة على هذا السؤال تدفع للوقوف على مواقف الفرقاء الفلسطينيين قبل وبعد إعلان التهدئة، والذين شاركوا ضمن وفد مفاوض موحد في القاهرة في المرحلة الأولى. فالرئيس محمود عباس والذي أيد المبادرة المصرية في نسختها الأولى والتي رفضتها المقاومة الفلسطينية بدا في تقارب واضح بعد ذلك مع حركة حماس، وتم التوصل إلى ورقة مشتركة تحمل مطالب الفلسطينيين، وفي مقدمتها رفع الحصار عن غزة.

غير أن المفارقة أن الرجل وهو على رأس هرم السلطة الفلسطينية وبعد إعلان التهدئة قبل أيام عاد للحديث عن أنه لن يقبل إلا بسلطة واحدة وبندقية واحدة –في إشارة إلى سلاح المقاومة-، وأن قرار السلم والحرب بيد السلطة وأنه سيعود من جديد للمفاوضات مع إسرائيل، وهذا ما يعني القضاء على المقاومة والمضي في خيار التسوية، وبذلك يضرب بعرض الحائط الإجماع الوطني ويقصي الكثيرين.

 

هذه التصريحات لرئيس السلطة الفلسطينية وفي هذا التوقيت لا تبشر بخير في المفاوضات التي ستجري مع إسرائيل لاستكمال تثبيت وقف إطلاق النار في القاهرة، فقد كان الفلسطينيون بفصائلهم المختلفة في مرحلته الأولى فريقًا واحدًا خلف مطالب المقاومة (هكذا بدت في ظاهرها)، أما الآن ماذا تحضر السلطة برئاسة عباس من خلف الكواليس؟ ومع من تبرم صفقات تعد في الخفاء بعيدًا عن أعين الشعب الفلسطيني؟

 

مع الأخذ في الحسبان الموقف المصري المتشدد اتجاه حركات المقاومة في غزة، لا سيما حركة حماس، والذي لا يريد لهذه الحركات أن تحقق انتصارًا واضحًا على الاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى أن الموقف العربي قد تراجع إلى أدنى مستوياته، وليس بقادر على تحقيق أدنى مقومات الحياة الكريمة للفلسطينيين.

 

وهنا مرة أخرى تبدو المقاومة الفلسطينية في غزة تقف بمفردها خلف مطالب الفلسطينيين وفي مواجهة أطراف عديدة، كل ذلك يوجب على المقاومة أن تتوخى الحذر الشديد كي لا يخفض سقف المطالب وتضيع حقوق الفلسطينيين، وبذلك يحقق للاحتلال ما عجز عن تحقيقه في ميدان الحرب لا سمح الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد