من فضلك لا تقرأ هذا المقال إن كنت ستُغَلِّب مشاعرك على فهم الواقع ورؤية الحقيقة؛ فبعيدًا عن التفاؤل والتشاؤم نريد اليوم أن نرى الحقيقة، ونريد أن نعلم ما يُخبّأ لنا. فالاحتلال الصهيوني لم يُضيّع 12 عامًا من الحصار ليقدّم لنا على طبق من ذهب التنازلات التي لم يقدمها حين كانت الصواريخ تنهال على حيفا وتل أبيب، ولم يكن ليقدم لنا أي شيء في ظل هذه البيئة الإقليمية والدولية الذهبية بالنسبة لإسرائيل، فاتركوا مشاعركم جانبًا حتى نُنصف الحقيقة!

إن كنت أخي القارئ قد اخترت قراءة هذا المقال، فأرجو منك القراءة بتمعن حتى آخر المقال، سيكون طويلًا نعم،لكن فيه خلاصة ما يبحث عنه الكثير، والسؤال الذي يؤرق أهل غزة: إلى أين نتجه؟ وما الذي يحصل حولنا؟!

فرضت مسيرات العودة، وكسر الحصار، إضافة إلى البالونات الحارقة، واقعًا جديدًا على الجبهة الجنوبية لدولة الاحتلال (غزة)، حيث أعادت الأنظار إلى هذا القطاع المحاصر، بعد أن هجره العالم ليلقى مصيره، وسببت العديد من الأضرار والخسائر لمستوطني غلاف غزة وحكومتهم، حيث اتهم المستوطنون حكومتهم بالعجز عن إيقاف هذه الظاهرة من المقاومة الشعبية، هذا الواقع جعل كثير من الأطراف الدولية والإقليمية تتداعى لإيجاد حل له، وعلى رأسهم مصر، ومبعوث الأمم المتحدة ميلادينوف، وقطر.

تركزت الجهود على وضع حل يمنع الانزلاق للحرب بعيدًا عن إيجاد حلول جوهرية لمعاناة القطاع التي تفاقمت بعد فرض عباس للعقوبات على غزة العام الماضي، وقد كانت الجهود تدور في ثلاثة محاور رئيسة، سنوضحها، ونفند اثنين، ونناقش الثالث!

1) المصالحة

تم التوصل للكثير من اتفاقات المصالحة، لكنها دائمًا كانت تفشل؛ لأن هدفها الحقيقي ليس المصالحة! الاتفاق الأخير الذي تم فيه الإعلان عن نجاح المصالحة بتاريخ 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2017 سادت حالة كبيرة من الفرح والتفاؤل في الشارع الفلسطيني، لكن سرعان ما صُدم الشارع الفلسطيني بعد أقل من شهر عندما عرقلت السلطة برئاسة عباس هذا الاتفاق، حينما كشفت السلطة عن الهدف الحقيقي للمصالحة (سلاح واحد)! كان الهدف من مسرحية المصالحة هو الالتفاف على المقاومة من خلال العديد من الحيل والألاعيب، كالدعوة لنزع السلاح، وأن يكون سلاح المقاومة وأجهزة التنسيق الأمني مع العدو سلاحًا واحدًا، وكان هناك العديد من المحاولات للسيطرة على الأجهزة الأمنية بغزة، كما دعا رامي الحمد الله في أحد تصريحاته إلى تسليم جهاز الأمن الداخلي في غزة للحكومة الشرعية!

منذ ذلك الاتفاق حتى اليوم كان هناك العديد من المحاولات، خاصة من جانب المخابرات المصرية، لتحقيق المصالحة، كان آخرها حينما زار وفد حماس القاهرة برئاسة صالح العاروري، وقد قدمت مصر ورقة للمصالحة بناءً على تفاهمات 2011، لكنها سرعان ما تراجعت عنها، وتبنت رؤية السلطة من خلال ورقة جديدة تضمنت تسليم غزة للسلطة بناءً على كذبة التمكين، دون أية مراعاة للاتفاقات السابقة، ومن هنا نستنتج وبكل وضوح أن الهدف من كل مسرحيات المصالحة هو: تركيع غزة والالتفاف على مقاومتها.

2) هدنة طويلة الأمد

في ليلة 20 يوليو (تموز) الماضي كانت المواجهة حتمية، كما قالت صحيفة يديعوت، وكما أثبت ذلك الميدان، بعد أن اغتالت قوات العدو ثلاثة من مجاهدي القسام، يومها تم إخلاء حدود غزة من قوات العدو، وتم رفع درجة الاستنفار إلى القصوى من كلا الجانبين استعدادًا لساعة الصفر، لكن اتصالات مكثفة من مصر، وقطر، وميلادينوف، ودول أوروبية، وزيارة ميلادينوف على وجه السرعة للبركان الذي يكاد ينفجر أوقفت تلك المواجهة الحتمية، وتم التوافق على عقد سلسلة محادثات للتهدئة في مصر يخوضها العاروري نائب رئيس حماس.

في ذلك الحين انطلقت التسريبات من كل فجٍ وصوب لترفع من سقف توقعات الناس وتجس نبض المقاومة والشارع الفلسطيني، ومن ضمنها ما تم الحديث فيه عن رفع الحصار، وإقامة ميناء، ومطار، وتنفيذ عشرات المشروعات بعيدًا عن السلطة مقابل وقف المسيرات والبالونات، وهدنة خمس أو سبع سنوات، وواهمٌ من صدّق هذه التسريبات، من المجنون الذي قد يصدّق أنهم سيعطوننا فرصة كهذه على طبق من ذهب؟ إنهم لم يعطونا هذا والصواريخ تنهال على حيفا وتل أبيب، فما الذي قد يدفعهم لذلك بعد 12 عامًا من الحصار!

لكن من الممكن تصديق جزء من تلك التسريبات في حالة واحدة، وهي أنهم حاولوا أن يجعلونا ننفذ صفقة القرن بأيدينا! كان من الممكن عمل ميناء بحري، وربما مطار في العريش، وعمل عشرات المشروعات للفلسطينيين في غزة وسيناء؛ مما يعني انفتاحًا وانتعاشًا اقتصاديًا كبيرًا ضمن تسوية سياسية تتضمن عودة الهدوء، وهدنة طويلة لعدة سنوات، وإنجاز صفقة تبادل للأسرى، وفي نفس الوقت إيقاف تطوير سلاح المقاومة، ووضع القيود عليه.

لكنَّ هذا يعني فصل الضفة عن غزة بشكل كامل، والانفراد بالضفة، وتكثيف الاستيطان، وفرض الهوية القومية اليهودية على شوارعها وأحيائها، وبالنسبة لغزة تكون مقدمة لتنفيذ صفقة القرن بشكل غير مباشر من خلال عزل غزة عن الضفة، وإلحاقها اقتصاديًا بجزء من أراضي سيناء تمهيدًا لضمها، وإنشاء كيان فلسطيني عليها!

3) تهدئة هشة ومؤقتة

الأقرب للتصديق في كل هذه الخيارات هو هذا الخيار الذي يتضمن تخفيف الحصار، وليس رفعه، ليعود الحال كما كان عليه قبل مسيرات العودة، مقابل عودة الهدوء، ووقف المسيرات والبالونات، وهذا ما رفضته المقاومة رفضًا قاطعًا؛ لأنه يعني التخلي عن تضحيات أهل غزة ومقاومتها مقابل لا شيء.

حالة الجمود في المحادثات كسرها تصعيد العدو بتاريخ 7 أغسطس (آب)، حينما استهدف موقعًا للقسام؛ أدى لارتقاء شهيدين؛ ما دفع المقاومة للرد في اليوم التالي بإطلاق عشرات الصواريخ على مستوطنات غلاف غزة، ثم في نهاية يوم 9 أغسطس أعلنت المقاومة وقف إطلاق النار بناءً على مبدأ (الهدوء مقابل الهدوء)، في حين أن العدو نفى أن يكون قد تم التوصل لأي اتفاق لوقف إطلاق النار!

اليوم وبناءً على هذا التسلسل للأحداث بإمكاننا التنبؤ بما تحمله الفترة القادمة لهذا القطاع المنهك، العدو لن يقدّم أي تنازل، وكل ما يحصل من حديث عن المصالحة واتفاقات التهدئة وتلك الأكاذيب ما هو إلا محاولة لإلهاء حماس وشغلها في عمليات سياسية وهمية تؤدي إلى مزيد من الاستنزاف السياسي، إلى جانب الاستنزاف العسكري والاقتصادي، وبذلك نحن أمام خيارين:

1- التوصل لتهدئة مؤقتة وهشة تتضمن تخفيف الحصار لا رفعه، ثم العودة للتصعيد مرة أخرى، والانجرار للحرب!

2- استمرار جولات التصعيد حتى الوصول إلى مرحلة الحرب!

أما الخيار المرجح فهو الثاني، وفي كلتا الحالتين سيستمر الاستنزاف الاقتصادي والعسكري، وسيزداد الوضع الاقتصادي سوءًا حتى الانقضاض على الأسد الجريح!

هل هي الحرب؟!

لفت انتباهي خبر خلال التصعيد الأخير في 9 أغسطس الحالي:

مراسلة كان العبري: سألتُ المتحدث باسم الجيش عمّا إذا كان يتم الاستعداد لعملية عسكرية بغزة؟ قال: الجيش يستعد لعملية عسكرية في غزة منذ أربع سنوات.. وسيلجأ إلى كل سيناريو ممكن حتى عودة الهدوء!

العدو يدرك أن أية تسوية للقضية الفلسطينية لا يمكن أن تمر في ظل وجود المقاومة في غزة، لذلك حاول مرارًا وتكرارًا هزيمتها، وإلحاق الضرر بها واستنزافها، ومحاولة الالتفاف عليها عبر محاولات سحب السلاح، أو السيطرة الأمنية على القطاع عن طريق المصالحة، وحاول إرهاقها عبر فروع تنظيمات المخابرات – المسماة زورًا وبهتانًا بالإسلامية – وحاول بشتى الطرق والوسائل تركيع غزة، لكنه كان يعلم، وازداد يقينه بعد محاولاته أنه لا يمكن هزيمة غزة بهذه الخطط الالتفافية الماكرة؛ لذلك فهو يستعد منذ الحرب الماضية لينال من غزة.

صحيح أن العدو لا يريد أن يخسر من دمائه، لكنه مضطر لذلك بعد فشل كل محاولاته، مضطر حتى ينفذ مخططاته بتصفية القضية، وصحيح أن العدو كان يتجنب الحرب خلال جولات التصعيد ذلك؛ لأنه لا يريد أن يبدأ عملية فاشلة كعملية 2014، تبدأ وهي فاقدة لعنصر المفاجأة؛ لأنه يعتبره من أهم عناصر نجاح المعركة لبث الرعب والإحباط في نفوس الخصم، وقد أكد رئيس أركان جيش العدو آيزنكوت على هذا المبدأ وطوّره في الاستراتيجية المحدّثة لجيش الإرهاب الصهيوني: يجب أن يصل الجيش أولًا إلى المحطة النهائية، ويطهّر جيوب المقاومة في وقت آخر، أضف إلى ذلك أن العدو يريد استنزاف غزة ومقاومتها حتى آخر نفس ليسهل الأمر على نفسه.

الجميع أصبح يدرك أنه لا مناص من الحرب، بل لا نستبعد أن تكون كل الخطط قد وُضعت بانتظار ساعة الصفر، وأن العدو لديه نية مبيتة للغدر بغزة، فسماح الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشر صور الإصابات والدمار والرعب والهلع الذي أصاب المستوطنين خلال التصعيد الأخير دون غيره أثار العديد من التساؤلات، فعلى ما يبدو أن نتنياهو يريد أن يصبح ضرب حماس مطلبًا لدى الجمهور الإسرائيلي؛ حتى لا يتحمّل وحده النتائج التي ستكون باهظة جدًا هذه المرة، كما تحدث العديد من قادة الجيش بأن الخسائر البشرية في أية عملية برية موسعة ستكون كبيرة، وكما أشار استطلاع للرأي قبل أيام بأن 64% من الإسرائيليين غير راضين عن سياسة نتنياهو تجاه حماس، وأيضًا أشار الإعلام العبري بأن هناك إجماعًا على تآكل قوة الردع تجاه حماس!

لكن يبقى سؤال مهم قبل أن ننهي حديثنا: إسرائيل خاضت ثلاث حروب ضد غزة، ولم تقض على المقاومة، فلماذا تدخل في حرب جديدة لن تحقق شيئًا؟

أولًا: العدو لم يخض ثلاث حروب على غزة، بل ثلاث عمليات عسكرية!

ثانيًا: لم يكن الهدف هو القضاء على المقاومة، بل إضعافها وتقويضها واستنزافها في كل عملية، لكنه لم ينجح في تقويضها بالرغم من استنزافها، والهدف الأهم من العمليات العسكرية الثلاث هو توسيع الفجوة بين غزة والضفة، وترسيخ الانقسام سياسيًا واجتماعيًا!

ثالثًا: منذ اتفاقية أوسلو لم يتبع ذلك اتفاقيات تسوية أخرى، بل مفاوضات عبثية ازداد خلالها الاستيطان والتهويد والسيطرة الإسرائيلية، وكذلك خلال أعوام الحصار والحرب كانت هناك حالة جمود سياسي، لكن اليوم هناك تسوية سياسية يطرحها ترامب تحت مسمى #صفقة_القرن، وهي أقرب إلى تصفية القضية الفلسطينية حسب الرؤية الصهيونية، لذلك يحاولون جاهدين إزالة كل العراقيل أمامها، والتي كان أهمها:

– الدول العربية وقد تم حلها من خلال تطبيع علني ورسمي.

– المقاومة الفلسطينية في غزة وسنتحدث عنها.

اتفاقية أوسلو لم تتحقق إلا بعد تقويض منظمة التحرير القوة الفاعلة على الساحة الفلسطينية آنذاك، أما اليوم فالسلطة مقوضة والقوة الفاعلة هي المقاومة في غزة، وعلى رأسها حماس، لذلك يجب تقويض هذه المقاومة، وقد حاولوا كثيرًا خلال العامين الماضيين على وجه التحديد، حاولوا من خلال (زرع الفتن، التنظيمات المتشددة، المصالحة، التمكين، السيطرة الأمنية، تسميم عقول الشعب، العقوبات، الاستنزاف الاقتصادي…)، لكنهم فشلوا دائمًا، ولم يتبق أمامهم خيار لتنفيذ الصفقة، وهم مضطرون للحرب، ومضطرون لتكبد المزيد من الخسائر في سبيل تحقيق أطماعهم، وتصفية القضية الفلسطينية.

الحرب قادمة ونحن لا نتمناها، لكنها محصلة طبيعية للحالة المأساوية التي يعيشها القطاع المحاصر، وتزداد سوءًا يومًا بعد يوم، قد تكون الحرب بعد أيام أو أسابيع أو أشهر لا أحد يعلم، فهي مرتبطة بتطورات الميدان والحالة الإقليمية والدولية، ولا يمكن توقعها بمنأى عن تلك الظروف، في النهاية لا تنتظروا الحرب، بل تعلموا كيف تواجهونَ الحياة إذا كشّرت عن أنيابها، والله غالب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد