لربما انتهى العدوان العسكري الهمجي للاحتلال الصهيوني على قطاع غزة في صيف 2014، لكن العدو بدأ حينها حربًا خفية ليست كأي نوع من الحروب حربًا هدفها تفكيك المجتمع الفلسطيني وتدميره، ولعلّي أتخيل حوارًا دار بين الجندي الصهيوني وقائده: «الجندي: سيدي لقد فشلت الحرب في تحقيق أهدافها، القائد: حسنًا إذًا حاربوهم في رزقهم حاربوهم في دينهم، انشروا الرذيلة في شوارعهم، وخذوا السلاح من أيدي أبنائهم وبدّلوه بالشاشة السوداء ليرسموا عليها أحلامهم وينقشوا عليها بطولاتهم في نسج خيالهم ويبحثوا فيها عن فتاة أحلامهم، وانشروا الحقد بينهم وغذّوا الكراهية في قلوبهم، شوهوا مناهجهم وأنسوهم أنّ لديهم وطنًا، وانشروا بينهم الآفات القاتلة، ضيّقوا عليهم دنياهم واسلبوا منهم معاني حياتهم وغطوا ذلك الكتاب!»، أعتقد أنّ حوارًا شبيهًا بهذا قد دار في أوكارهم وتشدّقت به ألسنتهم، ولأنّ الكثيرين يصفون هذا الكلام بنظريات المؤامرة وأنّه لا يسمن ولا يغني من جوع فدعونا نثبت هذا الكلام بأمثلة من واقع غزة.

عانت غزة من الحصار على مدى سنوات مديدة ولكنّ اشتداد الحصار جاء بعد حرب 2014، حيث قام الاحتلال بمنع دخول مئات السلع المهمة للقطاع الصناعي بهدف تدمير هذا القطاع المهم، وقام بتشديد الرقابة على الحوالات المالية من وإلى غزة، إضافة إلى منع الكثير من الصادرات الوطنية، وأيضًا بعد خلق أزمة رواتب موظفي الحكومة السابقة دخلت على الخط أزمة رواتب موظفي السلطة بغزة ليتم خصم 30% من رواتبهم وفي خضّم ذلك اجتمعت قيادات حركة فتح في غزة ليهددوا باستقالتهم إن استمر الخصم، هذه الأزمة خلقت حالة من البلبلة في الشارع لما لها من تداعيات خطيرة على الاقتصاد في غزة، إضافة إلى ما تعانيه غزة من أزمات متعددة على رأسها أزمة الكهرباء، وبموازاة تلك الأزمة الاقتصادية حاول العدو قبل أسبوعين تقريبًا خلق أزمة أمنية باغتياله للأسير المحرر والقيادي في القسام الشهيد مازن فقها ليخلق حالة من الصدمة في الشارع ويحاول التأثير على الواقع الأمني في القطاع المحاصر كما لوّح ليبرمان بأنّ هناك تصفيات داخلية في غزة ليعزز البلبلة في الشارع ويحاول خلط الأوراق في الساحة، لكنّ الحملة الأمنية لوزارة الداخلية في قطاع غزة ضد عملاء العدو وجهت ضربة للعدو وأعوانه وأفشلت مساعي خلط الأوراق الأمنية.

ولو عدنا شهرًا إلى الوراء لنرى الهجمة على الثقافة والدين والهوية نجد أنّ العدو حاول إغراق غزة بالمخدرات تلك الآفة المدمرة، حيث ضبطت قوات المكافحة كميات كبيرة من الحشيش والترامادول ما دفع داخلية غزة ولأول مرة إلى إعدام تاجريّ مخدرات والحكم بالمؤبد على آخرين، سبق ذلك أيضًا الضجة الإعلامية حول اتهام الأونروا بإجراء تعديلات على المناهج الدراسية من الصف الأول حتى الرابع تهدف إلى طمس الهوية الفلسطينية ونبذ العنف (المقاومة) ودعوة للاختلاط بين الجنسين، حيث رفضت وزارة التربية والتعليم هذه التعديلات رفضًا قاطعًا وهاجمت العديد من الفصائل الأونروا على هذا الهجوم الثقافي الموجه نحو الهوية الفلسطينية الوطنية والدينية، إضافة إلى ذلك لا يخفى على أحد منا محاولاتهم الدائمة لضرب العمق الإسلامي للمجتمعات الإسلامية خاصة محاولة تدمير هذا الجيل وقطع الصلة بينه وبين هويته الوطنية والدينية، ومثال ذلك التعديلات على المناهج الدراسية وإبدال اهتمامهم بالقرآن العظيم إلى الاهتمام بمسابقات الأصوات والمواهب والجلوس وراء تلك الشاشة السوداء طوال الوقت والتي فيها ما فيها من الثغرات الأمنية والأخلاقية والدينية، ولعلّ فوز فلسطينيين اثنين في برنامج أرب آيدول الغنائي كان محض صدفة!

العدو لا يدّخر جهدًا في محاولة الاغتيال الاقتصادي والأمني لغزة ومحاولة اغتيال الهوية الفلسطينية الوطنية والدينية، لذلك يجب علينا أن نكون مدركين وواعين لهذه اللعبة القذرة التي يخوضها عدونا المجرم، وعلينا أن نكون يدًا واحدة ضد عدونا وإلّا نخسر هذه المعركة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد