غزة كيف حالك؟

عنوان للفقرة المخصصة لأحوال غزة المحاصرة بعد الحرب الأخيرة على قناة الجزيرة، شيء يشبه الدموع السوداء يهبط من أعلى كقذائف الغدر الإسرائيلية، ويصعد من أسفل كصواريخ القسام الفلسطينية.

خطوط سوداء على طول وعرض الشاشة، تخترق عرض قلبك وتشقه طولا. خطوط سوداء كواقع أسود مرير، امرأة تطهو لعائلتها وتوقد النار للحياة على أنقاض نار الدمار. شعب ممنوع من إعادة الإعمار، ومعابر مغلقة لإحكام الحصار، ونسبة بطالة هي الأعلى في العالم بحسب إحصاءات البنك الدولي، لشعب وبحسب إحصاءات دولية أيضا هو من الشعوب الأعلى تحصيلا علميا في العالم. وأسأل نفسي لماذا؟ لماذا هذه الأقدار السوداء تتم حلقاتها حول أمتنا؟

 

 

وبرغم اعترافنا بكل هذا فإننا لا بد أن ندرك أننا وبرغم تحملنا الجزء الأكبر من المسئولية، فإن هناك من خطط ونفذ وأحسن استغلال جهلنا وتخلفنا وتواكلنا هم أولئك الآخرون، الذين عرفوا تماما نقاط ضعفنا ولعبوا عليها لتمزيق مجتمعاتنا، هم نفسهم الذين يطالبون بالعدالة والحرية والمساواة، لشعوبهم وظاهريا فحسب، في حين يمنحون الحق لأنفسهم في الباطن باستغلال الشعوب وإباحة دمائها وأرضها وتاريخها وإنسانها دون أي رادع. هم نفسهم الكذابون الذين اخترعوا ما يسمى الأمم المتحدة التي لم تتحد على شيء سوى خذلاننا، والتلاعب بنا وإهمال قضايانا والتفرج على مذابحنا بصمت أقصى ما يتمخض عنه قليل من القلق.

نعم إنهم مسئولون، ولكننا قبل ذلك بكثير كنا نحن المسئولين؛ فالجسم المريض هو الذي تخترقه الجراثيم، ويبدو أننا ومنذ مئات السنين قد مرضنا. مرضت أسرنا وتجاهلنا ذلك، وقلنا الإسلام قال، ورب العزة قال، ونبينا قال، ولكن مجتمعاتنا كانت من الذين يقولون ما لا يفعلون، فكبر مقتها عند الله تعالى. ولذلك اليوم ندعو: “اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا”. ونحن ويا للأسف من تسببنا بمقت الله.

 

 

ظلم الفرد نفسه ببعده عن الله وبعده عن غاية وجوده في الحياة، وغفلته عن معنى الاستخلاف في الأرض، تلك الأرض التي سرح ومرح وأنتج وأبدع فيها من لا يعرف الله وبقينا نحن في صفوف المتفرجين.

ظلم كل منا من هو تحت سلطته؛ فالأب كثيرا ما طغى وظلم وتسلط وتجاوز حقوق الأبوة إلى تدمير حيوات الأبناء، ومسخ شخصيات بحجة التربية. وطغى الرجل على المرأة أبا كان، أم أخا، أو زوجا إلا من رحم ربي، بفهم ممسوخ قاصر لمعنى القوامة التي خصه بها الله وهو تكليف لا تشريف، يقوم على الرعاية والدعم والعناية والاحتواء، لا على القهر والعسف والطمس والإيذاء.

أما المرأة محضن الأجيال وأم الرجال التي عاشت تحت وطأة تلك الضغوط المروعة والتهميش والاستغلال فقد أفرغت كل تلك الضغوط بكل عقدها ومشاكلها على صغارها، لتعيد إنتاج جيل جديد من المظلومين المقموعين بسكوتها وسماحها بتطبيق القهر عليهم من قبل المتسلطين، والذين سرعان ما يتحولون في أية فرصة للسلطة إلى ظالمين جدد. فالكنة المقهورة خادمة الجميع، سرعان ما تتحول إلى حماة ظالمة تقهر الجميع، والولد الذي قسى عليه والده في طفولته، تحول هو الآخر إلى أب متسلط ظالم، والابن الذي تألم في طفولته من سوء معاملة أبيه لأمه، يتزوج ليعيد سيرة أبيه مع زوجته، قس على ذلك مجال العمل والعلم والتجارة وغيرها، وما يكتنفها من أمراض وأحقاد، والأساس هو الأسرة، لتكون النتيجة الحتمية مجتمع الغابة، حرب الجميع ضد الجميع.

ليس هذا كلاما فرضيا أو غير واقعي؛ فالدكتور فيل في كتابه “عائلتي أولا” يقول: بأننا جميعا نتأثر بعلاقتنا بوالدينا وأسرتنا، ونكون عادة أمام خيارين: إما أن تقلدهم بشكل لا شعوري، أو أن نناقضهم بشكل لا شعوري أيضا، دون أن نكون على وعي حقيقي بالصواب لنقتدي بما هو إيجابي وننبذ ما هو سلبي؛ لذلك فالخطوة الأولى لتجنب رفض أو تقليد الوالدين بشكل لا إرادي هي الوعي، الوعي بمشاعرنا، الوعي بجوانب تجارب أهلينا السابقة بإيجابياتها وسلبياتها لنأخذ الحسن وننبذ القبيح. فبرغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث إلى قوم كافرين فإنه وبرغم كفرهم لم ينكر أنهم كانوا يمتلكون شيئا من الأخلاق، فقال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). فهو نبه على جانب إيجابي في تجربة قومه ولكنه أيضا أنكر على من يأخذ تجربة آبائه كما هي دون وعي بالخطأ والصواب وجعل ذلك سببا من أسباب الكفر، بالتقليد الأعمى. فقال تعالى: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون).

 

 

كل هذا يحتاج للوعي والتأمل والتفكر وإرادة التغيير، وإلا أعدنا إنتاج سلبيات الأجيال الماضية بل وزدنا عليها سلبيات زماننا لنعيد إنتاج الظالمين والمظلومين، الفراعين ومن فرعنهم بصمته وتخاذله وجبنه، ونحن إذ نتخاذل عن الوعي نسمح وبسهولة كبيرة بخروج طبقة من بين صفوف الظالمين أو المظلومين، الغارقين في همومهم الشخصية، والمتنحين عن الشأن العام في المجتمع، طبقة قليلة متحكمة تفهم خطوط اللعبة وتلعب على نقاط ضعف الآخرين، وتتسلم الزمام لتقود المجتمع إلى الهاوية والمحرقة. المجتمع الذي يعاني أصلا من التمزق والانفصام والتواكل والتسلط في كثير من أحواله إلا ما رحم ربي، من قلة عصمها العلم والدين والخلق من الخوض مع الخائضين، ولكن تأثيرها محدود في مسيرة المجتمع إلا قلة يعدون من الرواد في حراك التقدم والنهضة لشعوبهم برغم أنهم يواجهون مقاومة كبيرة في البداية.

ولكننا الآن وبرغم كل العذابات المفتوحة، والمحارق المشتعلة التي تفجرت إبان الربيع العربي، أصبحنا على وعي بعمق أزمتنا، وبعدها الحضاري والتاريخي والاجتماعي والإنساني، وبقي علينا أن نسأل:

مجتمعاتنا كيف حالك؟
غزة كيف حالك؟
حلب كيف حالك؟
القاهرة كيف حالك؟
بغداد كيف حالك؟
دبي كيف حالك؟

علينا أن نسأل ونفهم ونعي ونسعى للإصلاح والتغيير (وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

إنه الابتلاء، الذي غرضه أن نعود إلى الله فعلا، لنطبق ما أراده من عدل وإحسان وإنصاف، ولا نتاجر به أو نتلاعب عليه. إنه العسر الذي يحمل في بواطنه اليسر واليسر. إنها المحنة التي في طواياها منحة إن أحسنا قيادة التغيير. إنه التغيير الذي تفتح بوابته من الداخل، إنه الجسد العربي المسلم الذي يفتقد المناعة وتنهشه الأمراض الاجتماعية والفكرية، ويفتقد السلام الداخلي، ليقاوم عدوه الخارجي، ومتى تحققت القوة الداخلية كان دحر العدو الخارجي أسهل ما يكون.

 

 

 

فالجهاد الأكبر جهاد النفس، والعدو الأول النفس التي بين جنبينا، أما العدو الخارجي فلا ينتصر علينا إلا بذنوبنا وتقصيرنا وتخاذلنا عن علاج عيوبنا وأمراضنا كمجتمعات وأفراد، والبداية من كل واحد منا من الأفراد إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الفرد، ليحصل التغيير المنشود.

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

وأنت كيف حالك؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, غزة, فلسطين
عرض التعليقات
تحميل المزيد