تعمدت عدم الكتابة حول قافلة غزة الرابعة من قبل، حتى إنني تفاديت نشر صور أو كلمات داعمة لها على فيسبوك، ربما لأنني رأيت بأم عيني أن صور «كلنا حلب» في كل الحسابات لم توقف القصف على رؤوس إخواننا، وأن كل الهتافات والشعارات التي لطالما تغنينا بها لا تسمن ولا تغني القضية الفلسطينية من الخوف والحصار والجوع والعطش، أو ربما لأنني كنت أشم رائحة خذلان آخر تلوح في الأفق.

إن كان لكل هذا الإصرار على منع عبور القافلة هدف أكبر، لكان قتل الأمل، الأمل في الوحدة، في اتفاق العرب على كلمة واحدة يومًا ما، أو نصفها أو ثلثها أو ما تيسر منها على الأقل، زرع الخذلان وتأصيله في نفوسنا، وتفكيك بقايا الثقة التي كانت لا تزال تجمعنا تحت لواء القضية الواحدة والهدف الأوحد، ليصير نبأ عودة القافلة النبأ العظيم الذي هم فيه سيختلفون كثيرًا، بعد أن كان نبأ انطلاقها اللاحدث في وسائل الإعلام. دق آخر المسامير في نعش إيماننا بالأخوة وبالعروبة وبرابطة الإسلام حتى، جعلنا لا نثق بإخواننا، ننتظر خيانتهم في كل مرة، نتوقع الخذلان ونتخيل أننا وحيدون، دون سند وأن الطريق بلا مخرج ولا منفذ، وأن المؤامرة وصلت لمراحلها الأخيرة حتى لم يعد لنا ما نفعله. يريدون أن يطفئوا نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون.

لست قلقًا أبدًا بشأن القافلة، ولا بشأن غزة ولن أقلق أبدًا، فللأقصى رب يحميه، وإن فشل هذه القافلة وعودتها لن يزيدنا إلا إصرارًا على إرسال القافلة الخامسة والسادسة والمليون، ولن أقلق بشأن إخواننا في غزة فإن الله معهم سبحانه، وستفرج بإذن الله سبحانه عاجلًا أم آجلًا، من حيث لا نحتسب كلنا، من قلب العسر، من قلب الأزمة، سينبثق الفرج، إنهم يكيدون كيدًا والله يكيد كيدًا، فمهل الصهاينة أمهلهم رويدًا.

لكن ما يقلقني صراحة اليوم وما يدفعني للكتابة، هو مدى قذارة اللعبة الإعلامية وحجم التعتيم الإعلامي الممارس بحق القضية، ولا أتهم هنا جهة معينة، ولا أزكي أخرى، فكل أعلم وأدرى بنفسه، وأعلم أن منهم الكثير من المغلوبين على أمرهم الذين لا حول لهم ولا قوة، لكن ما أثار عجبي وحيرتي هو السؤال التالي: «كيف لطائفة صوفية منسية كركرية «متكركرة¹» أن تنال حظًا أوفر في الصحف ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أكثر من قافلة سافرت بين القارات لنجدة شعب يستنجد منذ 1948؟» وهنا وجب علي أن أدع قلمي ينزف، وأن أصرخ بكل ما أوتيت بقوة هنا، لعلني أجد صدى في مكان ما، لعلني أوصل رسالة تعمد الجميع دفنها وإخفاءها، لعلني أنصر قافلة عظيمة لم يقدرها الناس حق قدرها وأعيد لها اعتبارها ولو بالشيء البسيط.

أتفهم لعبة إعلامنا المحلي في توجيه الرأي العام لقضايا ثانوية هامشية تافهة، لغض الطرف عن القضايا الكبرى، فتلك أمور حفظناها وألفناها وأجبرنا على الاعتياد عليها. لكن ما لا أفهمه هو تكركر الشعب مع تكركر الكركريين رغم أنهم ليسوا الفرقة الأولى التي تحط رحالها بالجزائر، ورغم أن قضية المبتدعة وأصحاب الأضرحة قضية قديمة قدم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، فلماذا انتفضوا فجأة ضد فرقة لا يتحاوز عددهم في العالم الألفين، – ربما ما جذب الانتباه إليهم هو لباسهم المزركش لا غير – وسكوتهم عن قافلة غزة 4 التي كان من المفترض أن نقف معها وقفة رجل واحد، ونكون عند شعاراتنا وكلماتنا التي اعتدنا أن نرددها دائمًا بأننا مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، وكلنا فلسطين… إلخ.

وهنا فهمت شيئًا واحدًا، وهو أن عودة قافلة غزة أدراجها وهي تكركر خيباتنا معها عند البعض، لا يعدو كونه مجرد تكعرير2، وأنه لا يتجاوز من حيث الوزن عودة المنتخب الوطني من المونديال مقصيًا، بل إن هذا الأخير أثقل وأرفع قيمة عندهم من مليار قافلة، وألف غزة، ومئات القضايا الفلسطينية لو اجتمعت.

وهنا نأتي لنقطة أود أن يفهمها الجميع، وأريدها أن تتأصل في العقول والأذهان، وأنتهي إليها في جل كتاباتي، ما دمنا إمعة نتبع القطيع، نساوي في الاهتمام بين الرفيع والوضيع، وما دمنا لم نتجاوز بوعينا الطفل الرضيع، فسلام على كل قضايا الأمة إلى حين أن ينتشر الوعي يومًا ما ويستيقظ الجميع.

ولكي لا نكون متشائمين ونرى الجزء المملوء من الكأس أيضًا، وجب علينا أن نلاحظ وسط هذا الحراك الشعبي، قدرة شعب على التعبير، شعب جعلته العشرية السوداء أبكمَ لا يقوى على النطق، ثم ولد مجتمعنا من جديد، ها هو يتعلم النطق أولًا كالرضيع، سنتعلم كل الكلمات واللغات ونثرثر في شتى المجالات ولو دون علم، ثم ستنتهي هذه المرحلة بأن نتوقف عن التعبير كثيرًا، ونفكر أكثر! وهنا سيبدأ الجيل الذي سيقود النهضة بحول الله! جيل يفكر! ولا يتكركر وراء كل حادثة أو خبر.

(1) التكركير: كلمة عامية جزائرية تعني الجر.

(2) التكعرير: كلمة عامية جزائرية تعني الثرثرة واللغو بكثرة والتذمر من كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد