ذاك الخجول الوديع، صاحب الابتسامة الصادقة والقلب النقيّ، قلبٌ تُقارَنُ نصاعة بياض الاشياء نسبةً له! قرّر في ذلك المساء الزاخر بنزيف الوطن الجريح، أن يمسك فأسًا كان جدّه يحتضنها في كفتيه أثناء فِلاحَتِه لأرضه السليبة في الوطن المغدور، قرّر أن يحفر نفقًا تحتضنه الأرض الكسيرة ليستردّ من خلاله نصفها الآخر المغتصب! فالأرض لا تعرف القراءة! بل إنّها تخطّ للقارئين، بالرغم أُمن مّيتها بمدادٍ أحمر خضّبه دم شهيدٍ أقبل على الله فاصطفاه.

أمسك فارسنا فأس جده وباشر الحفر، إنّه مؤلمٌ ما تفعله بي أيها الفارس! فيردّ الفارس: ولكن أيها النفق الوليد.. أنت سلاحي في مواجهة ذلك الغازي المتعجرف، إنّه يؤلم أرضك من الأعلى بخطى أقدامه القذرة كما يؤلمها من الأسفل بحفر أنفاقٍ خبيثةٍ زُرعت في جذورِ أقصانا السليب! ألم تسمع بتلك الأنفاق السوداء بحثاً عن تاريخٍ مزيّف! لا تغترّ بها أو تصدّقها. شقّ الفتى طريقه في باطن الأرض، التي تتألم من النفق كألمِ الأمّ عند الولادة، ولكنّه ألمٌ سيصنع الفجر القادم لمستقبلها ومستقبل من سيعيشون عليها.

لقد وُلِدَ النفق الغزّي الجميل من وحي المعاناة، نفقٌ ارتشف طعم الكرامة من سواعد فارسنا الذي شقّه في الأرض وتذوّق طعم العزّة من أطفالٍ كان يسمع صوتهم وهم يَلْهونَ فوقه لتأتي صواريخٌ متصهينةٌ تغتال البراءة في مهدها. تفاجئ النفق الجميل بشبيهٍ له هناك، حيث كانت تتجه قلوب المسلمين الأوائل إليه في صلاتهم، لقد كان قِبلتهم الأولى. يحدّث نفق غزّة نفسه فيقول: من ذاك النفق الذي يختبئ تحت أقصانا خوفاً من التاريخ! يبدو أنّه ما حذّرني منه الفارس، سأناديه ونتبادل أطراف الحديث.

أنت، أيها النفق الأسود، ماذا تفعلُ عندك؟ هل تعلم أنّك في مكانٍ تهواه قلوب الملايين من المسلمين حول العالم! هل تدري خطورة ما أنت عليه؟ فيجيبه ذلك الأسود: من أنت؟ ألا تلحظ التشابه بيننا! نحن من نفس النوع، ولكن يبدو أننا مختلفو الغايات والرّؤى! قل لي أيها الغزيّ، ما الغاية من وجودك؟ ولماذا أوجدَك ذلك الملثم؟ أليس لصًّا يحاول من خلالك سرقة البيوت التي تقعُ خلف الجدار؟

يا لحُمقِكْ! أتسمّي ذلك الجميل الملثم لصّاً؟ إنّه فتًى يافعٌ ولد في غزّة وقد أخبره أجداده أنّ لصوص الأرض قد اغتصبوا أرضه بوعدٍ أثيم، إنّهم أنفسهم الذين أوجدوك أيها الخبيث! أنا وٌجدت لأستردّ حقوقًا التهمها موجدوك! أحلامًا بعثرها أصحابك الحاقدون! أنا احتضن بين جنباتي أبطالًا عشقوا أرضهم واستبدلوا بظلام الليل نور الأنفاق، ويريدون أن يتنفسّوا هواء العزة منّي عِوضًا عن أن يتنفسّوا ذلك الهواء القادم من مستعمراتكم السرطانية على أرضي الحزينة!

الأسود مُستهزئًا: غاياتك قصيرة عبثيّةٌ كصواريخهم! أن لا ابحث عن إرهابٍ أخضر تجمّله بكلامٍ منمّق، ولكن أنا أبحث عبر الأجيال عن تاريخٍ لا يُطمَس، تاريخٌ أشهد به على أنّ أجدادي كانوا على هذه الأرض وأنّكم لم تكونوا مخلوقين في حينها!

الغزيّ مرّة أخرى: بعدَ كلّ كلمةٍ ينبسّ بها فمك الكريه، تٌثْبِتُ لي أنّك تنتمي لأراذل القوم أيها المتصهين، أتبحث عن تاريخ! ابحث كما شئت، فلن تجدَ سوى دلالات أجداد صحبي ورفاقي، اولئك الفوارسُ الماجدون.. صنّاع الحضارة الأزليّون، ينتمون لدينٍ لا مثيل له ولا قرين، ويُصلحون آخرتهم بحياتهم، فلتبحث كما شئت، ولكن كن حريصًا على أن تُنهي جولتك العبثيّة قبل أن يغشاك رفاقي الميامين! لأنهم لن يبقوا ولن يذروا من رفاقك شيئًا، عجبًا لك! لقد تنكّرت لبني جنسك ومن هم من أمثالنا! ألم تعرف غاية نفق الأحزاب؟ لقد كان يدفع ظلم المعتدين، ويرد كيد الخائنين، ألم تسمع بغاية نفق الفيتناميين! لقد كان يفعل الأفاعيل بالأمريكيين ليردّ لأصحابه أرضهم وما سُلِب منهم، ألم يصل الى مسمَعِك صنيعُ أنفاق الأفغان؟ لقد احتضنت أصحاب العمائم المخلصين في مواجهة عدوٍّ أفّاقٍ أثيم، أيّها الأسود.. لقد كنّا دوماً في صفّ المظلومين عبر التاريخ، وها أنت تنقلب على أنفاق التاريخ الذي تدّعي عبثاً أنّك تبحث عنه!

لن أحدّثك كذلك عن أمثالك من الأنفاق المحيطة بي، تلك الأنفاق العابثة على حدود غزّة التي يحفرها رفاقك الآثمون، يحفرونها على حدود أرضي بأدواتٍ خسيسةٍ، كيف لهم أن ينجحوا وهم لم يوجدوها بأدواتٍ شريفةً وغاياتٍ نبيلة! يحفرونها ليُنهوا وجودي ويفتكوا بي! أيها الأسود، إنّك الى زوال، فأنت تقف بصفّ الزائلين الفانين ولذلك لن يختلف مصيرك عنهم حتماً، ولن تجد في بحثكَ سوى تاريخ أصحابي التقيين النقيين، لن تجد سوى ما يثبتٌ ركوعَ شيخٍ بساحات الأقصى أو سجودَ يافع في منابره.

الأسود بخُبث: حسنًا، أما وإنّني لا أجد ما يضحد حقائقك الدامغة، سألغو في أذن أصحابي لكي يقصفوك ويُنهو وجودك وأن تقتل الفارس صاحبك ورفاقه بيديك! أمام أهليهم كي يحدّثوا عنكَ بسوء! ولن تستمتع بنهايتي المريرة كما تقول، فنحن بنو المكر والخبث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد