إلى أين تسير تطورات العلاقات الخليجية؟ في ضوء الخلافات بين قطر؛ وكل من المملكة العربية السعودية، والإمارات في ظل استمرار حالة الاستقطاب بين بلدانه الستة، ومصير قائمة المطالب الـ13 من الحكومة القطرية، أيضًا تعكس هذه الحالة خلافًا واضحًا في بعض الملفات الإقليمية، سواء في سوريا، أو ليبيا، أو اليمن.

وما انعكاس ذلك على مستقبل مجلس التعاون الخليجي؟ وهل يستمر المجلس بشكله الحالي؟ أم يمكن أن تستجد تطورات أخرى تهدد بقاءه ووجوده وتخصم من قوته؟ سواء بانهيار المجلس بصيغته الحالية، أو على انسحاب بعض البلدان من عضويته.

أنشئ مجلس التعاون الخليجي منذ 38 عامًا في 25 مايو (آيار) 1981 في أبو ظبي، وينص النظام الأساسي فيه على تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون بين مواطني دول المجلس، وذلك في مادته الرابعة. ويتشكل المجلس من ست دول هي: المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة البحرين، وسلطنة عمان، ودولة قطـر، ودولة الكويت.

وبالطبع تمثل السعودية الوزن السياسي الأكبر بين دول المنطقة؛ بحكم المساحة، والنشأة التاريخية، والقوى البشرية، وبحكم الوضع في الخليج.

وطُرح في السنوات الأخيرة على أجندة المجلس رؤية تدعو للتحول من صيغة «التعاون» إلى صيغة «الاتحاد الخليجي العربي»؛ لتحقيق وحدة خليجية تعتمد على التكامل لا التنافس. كما ورد في مقترح الملك السعودي الراحل «عبد الله بن عبد العزيز»، ويرى البعض أن ذلك قد يمثل طموحًا مثاليًّا من جانب دول الخليج.

وتسود حالة الصراع الواضح في المجلس منذ عام 2016 تقريبًا بين محور تقوده كل من السعودية والإمارات الدولتان ذات الكثافة السكانية الأكبر في المجلس، ومعهم البحرين بحكم النزاع السياسي السابق على السيطرة على جزر «فشت الدبيل»، بتحالف ضم إليه من خارج منظومة المجلس النظام المصري الحالي، والمحور الثاني هو محور قطر بشكل أساسي.

وقد أشاد البيان الختامي للقمة الخليجية الأخيرة بمبادرات التنسيق بين بعض أطرافه مثل السعودية والإمارات على المستوى الاقتصادي والتنموي والعسكري وما سمته باستراتيجية العزم بين البلدين، كما أشار لمبادرة تنسيق أخرى بين السعودية والكويت، واعتبر البيان أن هذا العمل الثنائي بين الدول الأعضاء يعد رافدًا من روافد العمل المشترك بين دول المجلس، ويعزز من مسيرة مجلس التعاون لما فيه خير لمواطني دول المجلس. (بند رقم 7).

وقام المحور السعودي- الإماراتي في 2017 بإعلان حصار الدولة القطرية، واتخذ عدة إجراءات تتعلق بحظر الطيران، وإجراءات أخرى تجارية واقتصادية، وقدمت 13 مطلبًا من الحكومة القطرية، منها ما يتعلق بمستوى العلاقة مع كل من إيران وتركيا، وكذلك إغلاق قناة الجزيرة، والقنوات التي تدعمها بشكل مباشر أو غير مباشر، وقطع علاقات قطر بالإخوان المسلمين وحزب الله، فضلًا عن وقف التدخل القطري للشئون الداخلية، ودفع تعويضات لهذه الدول مقابل الخسائر التي تكبدتها.

وهو الأمر الذي تحفظت عليه قطر بشكل أبدت فيه قطر، وأكدت استعدادها لإجراء حوار بناء دون شروط مسبقة؛ لحل الأزمة الخليجية، وعملت بمهارة للإفلات من الحصار السياسي والاقتصادي، الذي فُرض عليها، ويجري صراع بين المحورين على المستوى الإعلامي، وكذلك باستخدام ملف حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي تعاملت به السياسة القطرية عبر قناة الجزيرة بالتوسع الكبير في مناقشة قضية اغتيال الصحفي السعودي «جمال خاشقجي» داخل القنصلية السعودية بإسطنبول في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وبعيدًا عن المربع السعودي الإماراتي، تقف بقية البلدان الخليجية في مربع محايد بشكل ما؛ إذ سعت الكويت إلى تقديم حلول لحل النزاع بين الجانبين، بينما وقفت سلطنة عمان مؤيدة للمسعى الكويتي، ودون مشاركة هذه الإجراءات.

فما مآل المجلس في ظل هذه الحالة الصراعية؟ والتي انعقدت في إطارها الدورة  39 للمجلس في الرياض في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ولم يحضر فيها سوى الملك «سلمان»، والملك «حمد بن عيسى» ملك البحرين، والأمير «صباح الأحمد الجابر الصباح» أمير دولة الكويت، و«محمد بن راشد» نائب رئيس دولة الإمارات، ومثّل قطر في هذه القمة وزير الدولة للشئون الخارجية «سلطان بن سعد المريخي» وكانت هناك تكهنات بحضور الأمير «تميم بن حمد» أمير قطر إلا أن ذلك لم يحدث.

وتستمر هذه الظاهرة منذ الدورة الـ38 التي عقدت عام 2017 في الكويت، حيث لم يحضر القمة سوى أمير الكويت مستضيف القمة، والأمير «تميم» أمير قطر، بينما تمثلت الدول الأربعة الأخرى إما بوزير الشئون الخارجية، أو بنائب لرئيس الوزراء.

وظهرت دعوات في قمة الرياض تطالب بطرد قطر من عضوية المجلس، في المقابل ظهرت دعوات قطرية تدعو إلى الانسحاب من منظومة المجلس، وقامت الدولة القطرية بالفعل بالانسحاب من منظمة الأوبك (منظمة الدول المصدرة للبترول) التي تضم في عضويتها دول الخليج.

بينما أشار البيان الختامي إلى الحرص على الحفاظ على قوة وتماسك ومنعة مجلس التعاون، ووحدة الصف بين أعضائه، لما يربط بينهما من علاقات خاصة، وسمات مشتركة؛ منها التاريخ العريق، والمصير المشترك، ووحدة الهدف التي تجمعها، كما ثمّن البيان مبادرة أمير الكويت في حل الأزمة بين أعضائه، وعبّر المجلس عن دعمه لتلك الجهود، وأهمية استمرارها في إطار البيت الخليجي الواحد.

إلا أنه في العودة للمربع رقم 1 أكد وزير الخارجية السعودي «عادل الجبير»، في مؤتمر صحفي مع الأمين العام لمجلس التعاون د.«عبد اللطيف الزياني» في ختام القمة أن على قطر الاستجابة لمطالب الدول الأربعة.

وأشار أمير الكويت في افتتاح القمة إلى الأوضاع التي تعيشها المنطقة، والتحديات الخطيرة التي تواجهها، وضرورة تجسيد الكيان الخليجي، وتعزيز العمل المشترك، داعيًا إلى وقف الحملات الإعلامية، ووضع حد للتدهور الذي نشهده في وحدة هذا الموقف، وتجنبًا لمصير مجهول لمستقبل عملنا الخليجي.

وفي مؤشر لامتداد الصراع الخليجي الحالي إلى الساحة العربية الإقليمية قاطع جميع ملوك وأمراء بلدان الخليج قمة التعاون الاقتصادي الأخيرة، التي عقدت في بيروت بشهر يناير (كانون الثاني)، بينما حضرها أمير قطر، والرئيس الموريتاني، فضلًا عن المضيف اللبناني الرئيس «ميشيل عون».

وهذا مؤشر بتمدد الصراع خارج ساحة مجلس التعاون الخليجي؛ ليؤثر بالسلب على الجامعة العربية، وأجهزتها وفعالياتها.

كما أن الإصرار السعودي- الإماراتي على تنفيذ المطالب الـ13 قد يكون تجاوزه الوضع السياسي الحالى، وقد يبقى مجرد حديثًا سياسيًّا تنكره مسارات وتطورات وواقع الحالة الصراعية الموجودة داخل المجلس، خاصة في ضوء التوجه الأمريكي إلى حل الأزمة الحالية، وإنشاء تحالف إقليمي ضمن أطراف أخرى ضد التهديد الإيراني للمنطقة كما تتصوره الولايات المتحدة.

وسيناريوهات المجلس قد تكون أحد ثلاث مما يلي:

  1. إما يستمر المجلس بنفس حالته مع بقاء حالة الصراع بين أطرافه الأساسية، ومحاولة كل طرف تعزيز قواه بتحالفات مع دول إقليمية أخرى خارج منظومة المجلس كما حدث بالتحول القطري إلى تركيا أو إيران؛ وهذا يؤدي إلى ضعف الدور السياسي للمجلس، فضلًا عن استمرار التنسيق السعودي- الإماراتي بعيدًا عن المنظومة الخليجية.
  2. ويأتي السيناريو الثاني بانسحاب قطر من منظومة المجلس، وهو ما لم تقم به قطر حتى في ظل الأزمة التي عانت منها بسبب الحصار السياسي والاقتصادي عليها، إلا أنها سترفض تنفيذ المطالب المطروحة عليها وتسعى لتعزيز علاقاتها الإقليمية، كما ستسعى إلى تصعيد انتقاداتها الإعلامية عبر قناة الجزيرة.
  3. أما السيناريو الثالث فهو تجميد المطالب الـ13 مع وقف الحملات الإعلامية المتبادلة، تمهيدًا لإقامة التحالف الإقليمي الذي تدعو إليه الحكومة الأمريكية في مواجهة إيران.

وهذا قد يكون رهنًا بحدوث تغيرات في النظام السعودي الحالي، مع تصاعد موجة الانتقادات الدولية؛ بسبب اغتيال «خاشقجي»، وبروز مخاوف من تدويل القضية، فضلًا عن انتقادات ملف حقوق الإنسان.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد