يقول المؤلف الأمريكي الشهير ومطور الدروس المشهورة في تحسين الذات ديل كارينجي «عندما يعمل الإخوة معًا تتحول الجبال إلى ذهب».

لكل مجموعة دول سواء كانت متجاورة أو تجمعها علاقات تجارية ومصالح مشتركة اتحاد، وهذا الاتحاد يمثلها ويمثل مبادءها وثوابتها ويمثل اختلافاتها أيضًا، كل دولة في هذا الاتحاد تعتبر عضو وتدافع عن أي عضو آخر في المجموعة في حال تعرض للخطر، كالاتحاد الأوروبي مثلا الذي يضم 27 دولة والتي تتشارك في بعض السياسات التجارية والأقتصادية والسياسية، وإضافة إلى ذلك هي تقريبًا دول متجاورة، وحدوا العملة بينهم مع رفض القلة منهم وأقروا فيما بينهم سياسة السوق الحرة ومنحوا المواطن الأوروبي حرية التنقل بين الدول الأعضاء، هذا الاتحاد أصبح متكاملًا في عام 1993م بعد توقيع اتفاقية ماستريخت، مرت على هذا الاتحاد العديد من المشاكل منها ديون بعض الدول الأعضاء كاليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، وأيضًا عصفت بهم أزمة انسحاب بريطانيا في يناير 2020 م، لكن الاتحاد ظل ووضعوا سياسات لمواجهة كل الأزمات والمشاكل ليظل هذا الاتحاد الاقتصادي والسياسي قائم لمواجهة أي تحد في المستقبل قد يواجههم.

نأتي الآن بذكر مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في 25 مايو 1981 م والذي يجمع دولًا تتجاور في الحدود وتتوحد في مصدر دخلها وهو البترول وتتفق في أغلب قضاياها وهي حماية دول المجلس ضد أي خطر ومحاولة خلق سوق مشتركة ووضع سياسات موحدة، وأيضا القضية الفلسطينية التي أكد عليها أكثر من أمين عام للمجلس على أن قضية فلسطين هي قضية العرب والمسلمين الأولى، الغزو العراقي للكويت أثبت جدية هذا الاتحاد في حماية أي دولة عضو تتعرض للخطر وإدانة كل الهجمات الصهيونية على فلسطين أثبت مبدأ هذا المجلس تجاه القضية الفلسطينية، هذا الاتحاد وضع من أهدافه التعاون في كافة المجالات وتحقيق التكامل للوصول للوحدة الخليجية وهذا الاتحاد يملك قوة عسكرية (درع الجزيرة) تواجه كل التحديات الداخلية منها والخارجية التي قد تواجه المجلس، مع كل ما سبق ذكره إلا أنه أتى الوقت الذي نقول فيه للمجلس وأعضائه «عظم الله أجركم ورحم الله ميتكم».

هذا المجلس ميت إكلينيكيا وقد لا يقبل أي عملية إنعاش أو إعادة بناء، من أسباب تفكك هذا المجلس حاليا اختلاف الدول الأعضاء تقريبا في كل الوجهات والسياسات والمصالح وعدم مبادرة أغلب الأعضاء في حل هذه الاختلافات على الرغم من جهد دولة الكويت في حلها ، قيام بعض الدول الأعضاء (المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين) بحصار ومقاطعة (قطر) بسبب اختلاف المصالح ووجهات النظر حتى وصل الأمر كما أشار إليه سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عام 2017 م «المهم إنه عسكريا أوقفنا أن يكون شيئا عسكريا».

كأن أسباب موت هذا المجلس لم تقف عند مقاطعة بعض الدول الأعضاء لقطر، بل اكتمل سبب الوفاة مؤخرًا بعد قيام دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين بإعلان التطبيع مع الكيان الصهيوني، وما زاد الطين بلة تصريحات رئيس حكومة الصهاينة ومسؤولين أمريكيين بقبول المزيد من الدول الخليجية لفكرة التطبيع وفتح العلاقات مع الصهاينة، أيضًا هناك سبب قد يختلف عليه البعض ألا وهو تدخل جمهورية مصر العربية في رسم سياسات وتشكيل تحالفات تضم دولًا خليجية لتحقيق أهداف لا تحقق المصلحة العامة الخليجية، بل تفكك المصلحة العامة الخليجية!

اختلفت الأسباب والموت واحد، قد نرى تساقط هذا المجلس قريبا، وفي القلب حسرة على هذا الاتحاد الذي أسسه آباؤنا من أمراء وملوك وشيوخ دول الخليج العربي الراحلين رحمة الله عليهم، رغم جهود الكويت الحثيثة والتي لم تتهاون دقيقة في سبيل إنقاذ هذا المجلس إلا أن بعض أعضائه مصممين على الخلاف وراغبين بتشكيل اتحاد يجمعهم كدول قابلة لفتح العلاقات مع الكيان الصهيوني، وقابلة لفكرة الحل العسكري ضد دولة عضو في هذا الاتحاد أو ضد أي دولة قد تخالفهم في المستقبل، إن ظل هذا المجلس الفاتر قائم.

إن سقط مجلس التعاون الخليجي فالمتضرر الأكبر هو الدول الصغيرة في المساحة، مثل دولة الكويت ودولة قطر، وخاصة دولة الكويت التي تختلف في الكثير من السياسات مع باقي الدول الأعضاء مثل سياسة فتح العلاقات مع الكيان الصهيوني، والتدخل في صراعات تضر دولة كالكويت التي تعتبر من الدول الداعية للسلام، والتي تلعب دور الوساطة في حل صراعات دولية لمكانتها العالمية، بالتالي لا بد أن تقوم هذه الدول (قطر والكويت) بإقامة المزيد من التحالفات والاتفاقيات مع القوى الأقليمية والدولية كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية تركيا وروسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية، لمواجهة خطر يحيط بها كدول صغيره في المساحة، وهو خطر التدخل في سيادتها وسياستها من بعض الدول الإقليمية.

ما تم ذكره من أسباب قد يختلف عليها البعض أو يتفق أو أنه قد تكون هناك أسباب أخرى، كل الأسباب مطروحة والشعوب الخليجية تعرفها وإن اختلفت، لكن الجميع يتفق على أن هذا المجلس أصبح متفككًا وآيلًا للسقوط، في النهاية ليس كل ما يعرف يقال ولو كثر ما نعرفه، وكما قالت رئيسة وزراء الهند السابقة أنديرا غاندي «لا يوجد في الهند سياسي شجاع بما فيه الكفاية لأن يحاول شرح أن الأبقار يمكن أكلها!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد