مِن أهم الوظائف الشريفة وظيفة الضباط وكل العاملين بالقوات المسلحة؛ نظرا لمهامهم القتالية الشريفة في الذوْد عن الأوطان ضد كل معتدٍ، وفي الوقت الذي يبني كل خريج جامعة مستقبله، فإن الضابط والعامل بالقوات المسلحة يبنيان مستقبلهما في شرف الشهادة
في الدفاع عن أرض الوطن وحماية الحدود؛ لذلك فإن وظيفتهما هي من أنبل وأشرف الوظائف في الدنيا.

ولكن وحينما يتخلى الجيش عن وظيفته الأساسية، ويقوم بتشييد مصانع الصلصة، ويُحَصّل الرسوم أو (الكارتة) بين المدن، وينقلب عسكريا على الحكومات المنتخبة ديمقراطيا، ويوجه نار القتال ضد أبناء الوطن، ويترك الحدود ضد العابثين، ويهمل الدفاع عن موارد الوطن ومياهه، فإن الجيش حينئذ، يكون قد خان وأصبح عدوا للوطن وأبنائه!

وفي كل انقلابات الجنرال (شُؤْم) في بلدان العالم المتخلف، نجد القوات تُوَجه وتتحرك بليلٍ؛ للسطو على السلطة والاستيلاء على منشآت الدولة ومبنى الإذاعة والتلفزيون، ثم يُذاع البيان الأول للجنرال (شُؤْم)، ودائما ما نجد هذه الديباجة في ذلك البيان الأول: «لقد قمنا بالحركة المباركة استجابة لرغبة الشعب ولتحقيق الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية لشعبنا العريق»!

وهل هناك أي انقلاب حقق الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية؟

طبعا الإجابة بالنفي.

وبعد انتهاء البيان، تطفق الأبواق الإعلامية تصدح بالأغاني الوطنية والشعارات الرنانة: «حارب حارب يا شؤم. بالروح والدم نفديك يا شؤم. شؤم شؤم شؤم». أعوذ بالله.

وبعد تركيع البلد، وهتاف شؤم من أعماقه «حلال علينا البلد»، تبدأ «البراجماتية العسكرية» عند شؤم ورفاقه لتحقيق أكبر وقت من الاستفادة من الانقلاب.

1- الاستيلاء على ميزانية الدولة وتوزيعها على المحاسيب

يعتبر الجنرال شؤم ورفاقه ميزانية الدولة مِلْكا مشاعا له ورفاقه، ويبدأ النهب المنظم وتجريف ثروات البلد وتهريبها للخارج لتنتظرهم هناك حين الانقلاب عليهم، وفي ذات الوقت، تُدمر الطبقة الوسطى ماديا حتى تهاجر إلى الخارج (إن استطاعت الهجرة) أو تنشغل بلقمة العيش، وكل مرتبات العاملين بالدولة تُخفض لصالح مرتبات موظفي الجيش والشرطة والهيئات القضائية.

2- نشر الرعب والفزع والهلع

بالاعتقالات والقتل الجماعي للمعارضين وبأحكام الإعدام بالمئات أو بالآلاف.

3- تشييد السجون

وإذا أراد الجنرال شُؤْم أن يبنى مستشفى، فإن إعلامه يقوم بحملة تبرعات أو (تسول)، أما السجون وأدوات التعذيب وحبال المشانق المتينة، فميزانيتها جاهزة.

4- تغييب الوعي

لدرجة أن الجماهير تهتف بتبجيل الجنرال شؤم ورفعه إلى درجة الأنبياء، وفي ذات الوقت، تهتف تلك الجماهير ضد المعارضين (أعداء الوطن) بشعارات «اقتل. اذبح. اهرس. افرم…»!

5- تغييب العقل بنشر المخدرات

لأن الشعب (المسطول) سلس القيادة.

6- تدمير التعليم

لأن الشعب الجاهل سهل القيادة. و(المَلَكيات المستبدة) حريصة على جعل شعوبها تافهة ومغيبة من كل شيء؛ حتى تستطيع حكمها بسلاسة ويسر.

7- نشر الفقر بسخاء

لأن الشعب (الجائع) لا يفكر في شيء إلا في سد رمق جوعه.

8- تسهيل بناء العشوائيات

لأنها ستنعكس سلبا على الجماهير التي تقطنها في عقلها ووعيها وتعليمها وسلوكها وذوقها وحتى في كرامتها…

9- التخلف الحضاري

ولن تجد دولة قام بها الجنرال شؤم بانقلاب إلا وقد تخلفت حضاريا وخرجت خارج التاريخ؛ لأن الجنرال المنقلب لا يستطيع أن يفرض سلطاته تماما إلا بعد وصول البلاد إلى مرحلة التخلف الحضاري حين ينعق الفشل خلال البلدان، ويجوس الخراب خلال الديار، ويُجهض الإبداع، ويطارد العقل والفكر والعلم، ويُمَكن للجهل والأمية والتخلف.

في مسرحية علي سالم «بكالوريوس في حكم الشعوب»، يقول كاباكا، الحاكم العسكري الإفريقي:

«نسبة الأمية في شعبي 98%، ومعمول حسابها أنها تبقى 100% في الخطة إللي جاية»، انظر ص 387.

ولقد رأينا بأم أعيننا هذه الانجازات الانقلابية المتعددة في كل مكان من دول العالم الثالث المبتلاة بتلك الانقلابات العسكرية المشؤومة، ويصل عدد الانقلابات في إفريقيا وحدها إلى 187 انقلابا؛ لذلك تُعتبر إفريقيا هي مهبط الانقلابات العسكرية.

حسني الزعيم بعد انقلابه المشؤوم عليه وعلى سوريا

وهنا نصل إلى هذا التساؤل:

لماذا ينجح الجنرال شُؤْم في انقلابه؟

والإجابة:

1- التسليم بالأمر الواقع وعدم مقاومة الانقلاب

ويساعد على ذلك الخطاب الديني المستكين والخاضع والخانع لذوي السلطان، والدين ليس فيه خنوع لأحد.

2- تسمية الانقلاب بــ (ثورة)

والشعوب صاحبة الأمية السياسية والساذجة والمغيبة عقليا تصدق هذه التسمية، وتعتقد أن الجنرال شؤم (ثورجي عظيم، وزعيم كبير، وقائد همام، وفيلسوف ملهم، ونبي بعث من السماء).

ولقد قال أحد المسئولين لجمال عبد الناصر: «إن النبي موسى قد هرب من فرعون وجيشه، أما أنت فقد واجهت وحاربت الاستعمار والصهاينة». وهل حارب ناصر – المنهزم دائما – الصهاينة أو الاستعمار؟!

والعجيب أن الجنرال شؤم يصدق هذا الكذب، ويعتقد أنه قد أتى بما لم يأتِ به أحد من قبله، ولقد قلت في روايتي «أرض الجمل» على لسان أحد شخصيات الرواية:

«لقد خطب الزعيم (جمال عبد الناصر) في الشعب المصري وقال: (لقد علمتكم الكرامة). هل كان الشعب بدون كرامة حتى أتى الزعيم فعلمه الكرامة؟! هل كان شعبنا ضعيفا ذليلا حتى جاء الزعيم فعلمه الكرامة؟! فأي كرامة علمها الزعيم للشعب؟ الحقيقة أن الزعيم قد أهدر كرامة شعبنا في سجونه ومعتقلاته، وعلمه الخوف والجبن والنفاق…

ومن العجب أن الزعيم كان يمدح شعبنا في خطاب المنشية ويقول (كلكم جمال عبد الناصر)! بالله عليكم، هل قال زعيم حقيقي مثل الزعيم مصطفى كامل أو الزعيم سعد زغلول أو الزعيم مصطفى النحاس مثل هذا الكلام الفارغ؟! هل قال أحدهم: كلكم مصطفى كامل أو كلكم سعد زغلول؟ أو قال: (لقد علمتكم الكرامة). إن الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – لم يقولوا مثل هذا الكلام الفارغ. وإذا كان عبد الناصر واحدا فقط وأتى بهزائم لا حصر لها، فكيف يكون الحال لو كنا كلنا عبد الناصر؟!»، انظر ص 189 و290.

3- خيانة طبقة المثقفين والإعلاميين ورجال الدين

وتهافتهم على الانبطاح للجنرال شؤم، وتسبيحهم بحمده وتقديسهم له، وإيقاد الشموع والبخور في معبد السحت والعهر السياسي، وينعكس ذلك التسبيح والتقديس على باقي الشعب الساذج سياسيا وعقليا.

4- تشويه المعارضين للانقلاب ونعتهم بأبشع الصفات

معارضو الانقلاب والذين لم يٌغيب وعيهم، يُصنفوا عادة على أنهم (إرهابيون وأعداء الوطن)، بالإضافة إلى سحلهم واعتقالهم وقتلهم بدم بارد، وإذا نجوا مما سبق، وأرادوا الهجرة، فلن يُمَكنوا من ذلك؛ لأن البلد قد تحول كله إلى سجن كبير!

5- خيانة الدول الإقليمية والعظمى ومساندتهم للانقلاب

وخير شاهد على ذلك هو وقوف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ودول الخليج مع انقلاب الجيش في مصرنا المكلومة في 2013 وضد أول رئيس منتخب في العصر الحديث، ووقوف أمريكا أيضا مع انقلابين وضد حكومات منتخبة في كثير من دول العالم، وهذه بعض الأمثلة:

– في 3 مارس 1949، أدارت المخابرات المركزية الأمريكية CIA انقلابا عسكريا في سورية بقيادة حسني الزعيم، وقد دبرت لقتله لتمرده عليهم في 14 أغسطس من العام نفسه.

في عام 1952، دعمت المخابرات المركزية الأمريكية الجنرال باتيستا للانقلاب في كوبا.

وفي 23 يوليو 1952 أيضا، دعمت المخابرات الأمريكية انقلاب الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر ضد الملك فاروق.

– في 9 أغسطس 1953، نفذت المخابرات المركزية الأمريكية انقلابا ضد حكومة مصدق الوطنية في إيران.

– في 27 يونيه 1954، قامت المخابرات الأمريكية بانقلاب عسكري في جواتيمالا، وانتزعوا الحكم من جاكوبا اربينز، رئيس جواتيمالا، والمنتخب ديمقراطيا.

– في عام 1965، دعمت المخابرات الأمريكية سوهارتو للوصول إلى الحكم في إندونيسيا بعدما شوهت الحاكم السابق سوكارنو معنويا بفيلم (إباحي) مفبرك!

– في عام 1973، دعمت المخابرات الأمريكية انقلاب الجنرال بينوشيه ضد الرئيس التشيلي سلفادور.

– في 10 أكتوبر 2011، شنت الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا هجوما على أفغانستان وأزالت حكم طالبان بحجة محاربة بن لادن بعد أحداث 11 سبتمبر 2011، أما في 9 إبريل 2003، فقد دخلت أمريكا وانجلترا بغداد بعد سقوطها، وأعدموا صدام حسين، وكانت الحجة (المفبركة) هي نزع سلاح الدمار الشامل من العراق.

حتى انقلاب تركيا الأخير وراءه أصابع أمريكية

تقول جريدة الشعب في 17/7/2016:

«ألمح ديفيد هيرست، الكاتب البريطاني المعروف، ورئيس تحرير موقع ميدل إيست آي، إلى تورط الولايات المتحدة الأمريكية، في دعم الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، والذي حاول الإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان، وحكومة حزب العدالة والتنمية.

وقال أيضا في مقاله المنشور على موقع «هفنجتون بوست» الأمريكي: من الملفت أيضا أن القنصلية الفرنسية أعلنت إغلاق أبوابها قبل الانقلاب بيومين.

فهل كانت القنصلية تعلم شيئا لم تعلمه تركيا»؟!

وانظر إلى مقال ساسة بوست: لماذا لا يستبعد التورط الأمريكي في محاولة الانقلاب الأخيرة بتركيا؟

الشعب يعاقب جنود الانقلاب الأخير في تركيا

ولماذا لم ينجح انقلاب الجنرال شؤم الأخير في تركيا

انقلاب (الربع اليوم) أو (الست ساعات) الأخير في تركيا في يوم الجمعة 16/7/2016، قد فشل فشلا ذريعا؛ لأن الشعب التركي (بالمؤيدين والمعارضين) عنده وعي وإرادة وتصميم على عدم تمكين عهد الانقلابات العسكرية المشئومة والمتخلفة مرة ثانية.

إن الشعوب الواعية والمتنورة والمتحضرة لا تُمَكن الجنرال شُؤْم وانقلاباته المشئومة التي تجر على البلاد الخراب والدمار والتخلف في كل المجالات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

انقلاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد