(1) من ذاكرة القهر:

“كانت هناك كلمات ممنوعة من السلطات العسكرية، مثل”رفيق”، وأخريات يمتنع الناس عن لفظها احتياطا، ولو أن أي مرسوم لم يلغها من القاموس مثل “حرية” و”عدالة” و”نقابة”، وتساءلت ألبا من أين خرج بين يوم وغده، هذا العدد الكبير من الفاشيين الذين لم يوجد لهم أثر، عبر رحلة الديمقراطية في البلاد كلها، ماعدا بعض المهووسين خلال الحرب، والذين كانوا وبسعادة يتزينون بقمصان سوداء ويعرضونها، وقد مدوا ذراعًا، بين ضحك الناس وهزئهم، دون أن يلعبوا أي دور هام في الحياة الوطنية.

لم تستطع أن تفسر أكثر من ذلك، موقف القوات المسلحة التي انبثقت، أكثريتها الكبرى من الطبقات الوسطى والطبقة العاملة، والتي كانت توجد دائما وتاريخيا أقرب إلى اليسار منها إلى اليمين المتطرف”.
مقتطف من رائعة “بيت الأرواح” للكاتبة التشيلية العظيمة إيزابيل ألليندي، عشية الإطاحة بالرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور ألليندي، على يد الدكتاتور العسكري الدموي أوجستو بينوشيه في 11سبتمبر 1973.
(2) الدرس اللاتيني:

 

أميركا اللاتينية هي القارة النموذج، لدراسة تداعيات الانقلابات ومآلات الحكم العسكري بها، فما وقع بها من انقلابات ناجحة أو فاشلة منذ استقلال غالبية دولها، وتخلصها من وطأة الاستعمارين البرتغالي والإسباني، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وحتى عهد قريب يستعصي على الحصر الدقيق. لكن الباحثين المعنيين بالأمر يوجزون لنا الأسباب التي جعلت من التربة اللاتينية أرضا خصبة لقيام الديكتاتوريات العسكرية المستبدة، وهو ما يعنينا هنا بأي حال.

 

فبدءًا من الإقرار بالحق التاريخي للمنتصر في تولي السلطة إثر قيامه بالتخلص من المستعمرين، مرورا بالدفاع عن التوازنات الطبقية والاجتماعية القائمة، ووصولا إلى عقد التحالفات الإستراتيجية مع جماعات المصالح في الداخل، أو قوى الهيمنة السياسية والاقتصادية في الخارج، ارتكزت المؤسسة العسكرية دائما على بعض أو كل ما سبق من دوافع، بشكل ظاهر أو مستتر لتبرير استئثارهم بمسؤوليات الحكم، وبقائهم فيه إلى أمد غير منظور.

ساعد على تكريس بقاء العسكريين في السلطة واستبدادهم بمقاليد الأمور غياب أية مؤسسات سياسية أو حزبية قادرة على الاضطلاع بهذا الدور، فضلا عن معاناة القوى الممثلة للمجتمع المدني من التفكك، وضآلة عدد المنتمين لها والمعتنقين لمبادئها، وبالتبعية محدودية نفوذهم المطلوب للتأثير في مجريات الأمور.
ولا نغفل هنا الدعم الأميركي الدائم لكيانات الحكم العسكري، المشروط بالحفاظ على مصالح الولايات المتحدة ورعايتها سياسيا أو اقتصاديا، سواء أكان هذا الدعم عبر المعونة العسكرية المادية أو التقنية -القناة المفضلة لدى العم سام-، أو من خلال الاعتراف بشرعية أنظمة الحكم القائمة، ولو جاءت بانقلاب على حاكم شرعي منتخب من قبل الشعب، ويبرز هنا مثالان مهمان:

دعم الولايات المتحدة الصريح لحكومة رجل الأعمال بدرو كارمونا التي جاءت في أعقاب انقلاب على الرئيس الفنزويلي وقتها هوجو تشافيز في الثامن من أبريل 2002، وبرغم هذا الدعم المستند إلى ولاء بعض جنرالات الجيش الفنزويلي وأحزاب المعارضة، إلا أن تظاهرات أنصار تشافيز أفشلت محاولة الانقلابيين، وعجلت بخروج الرئيس المحتجز ليسترد سلطته في الثالث عشر من الشهر نفسه.

 

المثال الثاني تبدى فيه حرص الولايات المتحدة الشديد، على التخلص من مناوئيها ولو خالف ذلك كل الأعراف والمواثيق الدولية، فلم تحرك ساكنا تجاه الانقلاب الذي أطاح برئيس هندوراس المنتخب مانويل زيلايا في 28 يونيو2009، والذي حاول – وهو ابن الطبقة الإقطاعية- الحد من محاولات خصخصة الشركات المملوكة للدولة، وأعلن عن تحويل القاعدة الأميركية الموجودة ببلاده لمطارتجاري دولي، وشرع في القيام بإجراءات تحقق قدرًا من العدالة الاجتماعية لمواطنيه، الأمر الذي أثار استياء النخبة البورجوازية الاقتصادية والتي ينتشر أفرادها في مؤسسات كالجيش والقضاء بالإضافة للأحزاب السياسية، فتواطأ الجميع على عزله.
وباركت الولايات المتحدة الخطوة ودعمتها عبر مسؤولين سابقين لديها، كدانيال فيسك مساعد وزير الخارجية لشؤون نصف الكرة الغربي في إدارة بوش، والذي قام بالترويج للانقلاب، ومؤسسات كالمعهد الجمهوري الدولي ويعد فرعًا دوليا للحزب الجمهوري الأميركي، فيم رفضت وزارة الخارجية الأمريكية بشكل قاطع توصيف ما حدث في هندوراس، من حصار الدبابات للقصر الجمهوري، واعتلاء رئيس البرلمان روبرتو ميتشيليتي لكرسي السلطة؛ بالانقلاب من قريب أو بعيد.

 

نتاج ما سبق لم يكن استقرارًا سياسيًا، أو رخاءً اقتصاديًا في هذه الدول أو غيرها، فالتدهور الملحوظ في معدلات التعليم وانتشار البطالة وعجز الموازنات العامة في غالبية الدول اللاتينية، يجعلها من أكثر دول العالم فقرًا وبؤسًا، فرضاء أو سخط الولايات المتحدة على نظام حكم – خاصة لو كان عسكريًا- ليس ضمانة لمدى تقدم أو تخلف هذه الدول.

فإلى الآن لم تحقق أية دولة لاتينية قدرًا من التقدم الملحوظ على الصعيدين السياسي أو الاقتصادي، إلا الدول التي تحررت من أسر الحكم العسكري – ولو أنها خضعت له لفترة طويلة- ومثالنا هنا البرازيل والأرجنتين وتشيلي.

 

فهذه الدول خاضت ولم تزل عملية تحول ديمقراطي طويلة الأجل، انتهجت خلالها نهجا عقلانيا متدرجا، مما دفع بها بعيدا عن مستنقع الاستبداد السياسي، والركود الاقتصادي المحيط بها، وهو ما سنعرج على كيفيته في ختام هذا المقال.

(3) الحالة المصرية:

للمؤسسة العسكرية في مصر وضع خاص، فهي وإن لم تعد متداخلة بشكل مباشر في عملية صناعة القرار وتسيير شؤون الحكم منذ نهاية العهد الناصري، إلا أن ارتباطها بجسد الدولة المصرية لم ينقطع وذلك عبر قناتين:-

 

“الأولى تقوم من خلالها بإمداد النخبة الحاكمة بعسكريين سابقين يخلعون البزة العسكرية ويصبحون ساسة وبيروقراطيين ورجال أعمال ويعملون بمؤسسات الدولة، خاصة مؤسسة الرئاسة. وهذا هو حال رموز النظام السابق ورجالاته الأقوياء، والذين أتوا جميعًا من خلفيات عسكرية ومخابراتية. والثاني: هو تمتع ضباط الجيش بامتيازات اقتصادية في المقام الأول.

من خلال الاقتصاد العسكري الذي لا يدري أحد ما هو حجمه أو قيمته المضافة أو عدد العاملين به. ومن خلال المخصصات غير المكشوف عنها من الموازنة العامة للدولة، وكذلك من خلال المعونات العسكرية والاقتصادية.”

 

ومع وصول الإخوان المسلمين للحكم، لم يبد أن هناك تغيرًا كبيرًا سيطرأ على العلاقة بين الرئيس المنتخب – وتحوط إجراءات انتخابه شكوك- وبين القائمين على المؤسسة العسكرية، فالأخير منح وزير الدفاع السابق -آنذاك- ورئيس أركانه أرفع وسامين مصريين وهما قلادة النيل ووسام الجمهورية على الترتيب، تقديرًا لجهودهما في حماية الثورة والدفاع عن مكتسباتها، فيما وصف حزب الرئيس المنتخب وزير الدفاع الجديد -آنذاك- عبد الفتاح السيسي بأنه “وزير دفاع بنكهة الثورة”.

 

ولم يفوت الرئيس المعزول محمد مرسي مناسبة إلا وقام فيها بمغازلة الجيش وضباطه وجنوده وجنرالاته، ولم يترك أحدًا تقريبا بلا إشادة أو مديح.

لكن ذلك لم يقف حائلا أمام وزير الدفاع “الثوري”!، حينما قرر أن يستجيب لمطالب الشعب -هكذا زعم مرارًا- ويطيح برئيسه وقائده الأعلى من على مقعد الرئيس، ليحل مكانه بعد عدة أشهر مستجيبا لنداء الجماهير، ومحتميا – وإن لم يعلن ذلك – بحقه التاريخي كمنتصر في نيل فرصته في حكم من وقف إلى جوار مطالبهم، ووقاهم شر التورط في صراع، كان له أن يتطور إلى مالا تحمد عواقبه.
وبعقد مقاربة سريعة بين النموذجين المصري واللاتيني نجد أن القائد المنتصر هاهنا – كما هناك – قد تقدم لينال غنيمته، مصحوبا ولا شك بتأييد شعبي هائل، لم ير في الرجل مجرد مسؤول وطني استجاب لمطالب غالبية المواطنين المطالبين بإحداث تغيير في منظومة الحكم القائمة، بل تم إلباسه ثوب المنقذ المخلص.

يضاف إلى ذلك الدعم المنطقي للمؤسسة التي كان على رأسها وسيكون ممثلا لها في قصر الرئاسة، ودعم الكتلة الرئيسة من مؤسسات وقيادات الدولة السيادية الرسمية، ورجال الأعمال المحسوبين على نظام الرئيس المخلوع مبارك، وجماعات المصالح والبيروقراطيين التقليديين.
وبحثا عن تأييد القوى الإقليمية والدولية، لم يجابه الجنرال أدنى تردد في مساندته من قبل دول كالسعودية والإمارات المعادية بطبيعتها لأي حراك ثوري أو توجه سياسي معارض خصوصًا من ناحية الإسلاميين، والباحثة من جانبها عن وجود نظام سياسي حليف يضمن أمنها الإقليمي، ويساندها بدوره في عدائها التاريخي للنظام السياسي الإيراني الساعي لبسط نفوذه على منطقة الخليج.

 

أما الولايات المتحدة فكما أسلفنا في الحديث عنها، ما يهمها هو ضمان الحفاظ على مصالحها وبالتبعية مصالح الكيان الصهيوني في المنطقة. ثم يأتي بعد ذلك التلويح بورقة المعونات العسكرية والاقتصادية تارة، والديمقراطية واستكمال بناء مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية تارة أخرى، لضمان تعاون نظام الحكم القائم أيا كانت طبيعته.

يجري كل ذلك في ظل غياب مخجل لأية قوى سياسية داخلية تستطيع أن تلعب دورًا في الضغط على أي من هذه القوى الداخلية أو الخارجية، لتحقيق مكاسب مرحلية، أو توفير ضمانات كافية تلزم النظام السياسي القائم بانتهاج سياسات محددة لتحقيق أهداف تتوافق عليها، وتعبر بالضرورة عن طموحات الجماهير التي يفترض لهذه الكيانات أن تمثلها. باستعراض معطيات الموقف الراهن، نجد أن الحالة المصرية والحالة اللاتينية تكادان أن تتطابقا، على الأقل في ملامح المشهد السياسي الرئيسة هنا وهناك.

(4) المؤسسة العسكرية ومفهوم الجماعة الوظيفية:

 

يعرف معلمنا الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله الجماعة الوظيفية بأنها “جماعة يستجلبها المجتمع من خارجه أو يجندها من داخله، ويوكل إليها وظائفَ شتى لا يمكن لغالبية أعضاء المجتمع الاضطلاع بها لأسباب مختلفة، من بينها رغبة المجتمع في الحفاظ على تراحمه وقداسته، وقد يلجأ المجتمع إلى استخدام العنصر البشري الوظيفي لملء فجوة أو ثغرة تنشأ بين رغبات المجتمع وحاجاته من ناحية، ومقدرته على إشباع هذه الرغبات والوفاء بها من ناحية أخرى”.

يعاني المجتمع المصري من وجود كيانات مؤسسية ورسمية يعيش أفرادها في عالم يبدو موازيا، بالمقارنة بنظرائهم في مؤسسات رسمية أخرى. خطورة هذا الأمر تتمثل – في الحالة المصرية كمثال – في أن نتاج هذه الكيانات، وأقصد بهم المسؤولين المتقلدين لأعلى المناصب بها، والقائمين على إدارة شؤونها، قد يصل بعضهم إلى أرفع منصب بالدولة وهو الرئيس، ممثلا لطموحات شعب لا يعرف عنه شيئا، ومعبرًا عن آمال لم تدر بخلده هو شخصيا في يوم ما.

فالمخيف في أمر من ينضوي في إطار جماعة وظيفية كالجيش أو الشرطة أو القضاء أو الإعلام وهي مؤسسات الدولة الأهم؛ أنه يعيش – بتعبير المسيري – “علاقة نفعية تعاقدية مع المجتمع المحيط به، إذ ينظر إليهم باعتبارهم وسيلة لا غاية، دورًا يُؤدى أو وظيفة تُؤدى. وهم يُعرّفُون في ضوء الوظيفة التي يضطلعون بها لا في ضوء إنسانيتهم المتكاملة.

وأعضاء الجماعة الوظيفية عادة ما يكونون عناصر حركية لا ارتباط لها ولا انتماء، تعيش على هامش المجتمع ويقوم المجتمع في الوقت نفسه بعزلهم عنه ليحتفظ بمتانة نسيجه المجتمعي، ولذا فهم يعيشون في جيتو خاص بهم في حالة اغتراب. وهم بسبب عزلتهم وعدم انتمائهم، وعدم وجود جذور لهم بين الجماهير أو المجتمع عادة ما يشعرون بعدم الأمن.

لهذا نجد في كثير من الأحيان أنهم يكونون على مقربة من النخبة الحاكمة يقومون على خدمتها (والنخبة الحاكمة هي التي استوردتهم في غالب الأمر). وتعبيرًا عن عدم الإحساس بالأمن يقوم أعضاء الجماعة الوظيفية بالادخار ومراكمة الثروة (التي تدخل في قلوبهم شيئًا من الطمأنينة)”.

هذا التعريف الهام لا ينطبق على جماعة محددة من الناس، فأصل التعريف متعلق بالجماعات الوظيفية اليهودية، لكننا لو تأملناه قليلا – وتدبرنا معناه العام- لوجدناه ينطبق بشكل دقيق على أفراد المؤسسات التي ذكرناها، فهم بالفعل لا يحيون نفس نمط الحياة الذي يحياه عموم المصريين، وباستطاعتهم عن طريق سلطاتهم ونفوذهم المتاح أن يذللوا أية عقبات تعترضهم، يعيشون في مجتمعات مغلقة عليهم وعلى من يماثلونهم، فلا يوجد ارتباط إلا بمن يشكلون جزءًا من مجتمعهم هذا.

حالة عزلة تامة واغتراب كامل، الانتماء يكون للطبقة أو النخبة التي يمثلون جانبا منها أو يقومون على خدمتها – من خلال أي منصب ولو كان منصب الرئيس – والتعريف داخلها يكون بالمناصب والألقاب، والدفاع عن مصالحها يشكل بلا أدنى شك دفاعًا عن مصالح الوطن، فهم ضباط الوطن وجنرالاته وقضاته في جانب، أو حماة دينه وعقيدته وهويته الإسلامية في جانب آخر.

أما بقية المواطنين، ممن يشكلون الغالبية ولا ينتمون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؛ فعليهم الاكتفاء بالانتظار والتمني أن يلحظ وجودهم أحد من الفرق أو الجماعات المشار إليها.

المأساة ببساطة أن من حكم ومن يحكم في مصرالآن ليست له أدنى علاقة بهؤلاء القابعين خارج أسوار مجتمعه، هو لا يعرف عنهم شيئا، حقيقة لا يعرف، وفي إطار سعيه الحثيث لتأمين مصالح الوطن، أي مصالح جماعته أو طائفته؛ يظن أو يدعي أنه يهتم بأمر هؤلاء، وأنهم – نورعينيه -، وهذه هي الكارثة الحقيقية.

(5) من هو الجنرال؟:- حقيقة لا أدري أنا أو كثيرون غيري من يكون هذا الرجل، في مقال سابق تحدثت عن حق المواطن العادي من غير ذوي النفوذ والسلطة، في أن يعرف ما يشاء من معلومات، ما دامت حقا وليس ادعاءً لا تتعلق بشأن أمني أو سري، فمن اجتهد وحاول أن يعرف انتهى به الأمر إلى بضعة أسطر مدونة على مواقع غير رسمية، وليس لنا من سبيل للتأكد من صحتها أو زيفها، فالرئيس لا يمتلك – فيما أعلم- موقعا إلكترونيا رسميا يتيح للعامة التعرف على سيرة حياته، ووظائف أولاده، والتفاصيل المالية أو المهنية التي يهم كثيرين معرفتها ولو من باب الفضول – ولا أقول الرغبة في المحاسبة- فحاشاني أن أفكر في ذلك.

تأمل معي الأمر، وستضحك أو تبكي مما نحن فيه، ما يقارب تسعين مليونا من أفراد شعب في القرن الحادي والعشرين، لا يعرفون عن الرجل الذي يفترض به أن يحكمهم ويمثلهم في مختلف المحافل الدولية؛ إلا النذر اليسير، وحتى هذا النذر ليس بمقدورنا التيقن من صحته.

 

(6)نفسية الجنرال:

يعرفنا علم النفس العسكري على أهم سمات الشخصية العسكرية، التي يفترض أن تتسم بالجدية، والانضباط، والشجاعة، والحزم، وطاعة الأوامر بلا تلكؤ أو تردد. ما يهمنا ملاحظته والتعقيب عليه هو علاقة العسكري بالمدني، ففي نطاق المجتمع المصري تحظى الشخصية العسكرية، باحترام غالب المصريين وتقديرهم، فهو الحامي للحدود، والمدافع عن الأرض والعرض، والمؤتمن على شعبها يلبي نداءه متى دُعي. لكن العلاقة تبدو ملتبسة حينما يضطر الاثنان، للتعامل بشكل مباشر لفترة تطول أو تقصر، وقد يكون فيها أحدهما مسؤولا عن الآخر، أو رئيسا له.

لا يخفي العسكري اعتزازه بمنصبه وما يتيحه له من ميزات مادية وعينية، كما لا يخفي وهو الأهم نظرته الاستعلائية للمواطن المدني، وإحساسه بتفوقه عليه، لا ينطبق الأمر بالطبع –شأن أي استنتاج أو وجهة نظر- على الجميع، لكن شواهد كثيرة من الحياة الواقعية، ومن تجارب الحكم العسكري في الدول المستبدة والمتخلفة، تدفعني لتبني وجهة النظر هذه، فبعد ثورة يناير 2011 كثر اللغظ المتعلق بالنظرية القائلة، أن المجلس العسكري انحاز لمطالب الثوار، رفضا بالأساس لتولي نجل الرئيس المخلوع للرئاسة، وليس اقتناعا بالثورة ذاتها.

وهو ما أعتقد في صوابه تماما، لأن المؤسسة العسكرية في مصر أو أية دولة في العالم لا يسمح لها تكوينها، ولا طبيعتها التنظيمية أو الإدارية، أو الأهداف المنوط بها تحقيقها؛ أن تكون ثورية أو راديكالية على أي مستوى وبأي معنى – اللهم إلا في حالة الانقلاب على السلطة-، وهو ما يؤكد عبثية انتظار تحقق كل أو بعض مطالب الثورة، على يد من ينتمي لمؤسسة قوام العمل بها السمع والطاعة بلا مناقشة أو اختلاف، ولا تمتلك أية رؤية أو فلسفة للإصلاح السياسي أو الاجتماعي.

في الدول اللاتينية كما في مصر، لا يسمح العسكري لأي مدني بالوصول إلى السلطة، إلا وهو ضامن لبقاء مصالح مؤسسته وما يرتبط بها من شبكات المصالح سليمة لن تمس، وإلا فالانقلاب هو الحل.

ففي غياب بنية مؤسسية راسخة، وحياة حزبية حقيقية، وقوى سياسية فاعلة، ومجتمع مدني مشارك في السلطة ومراقب لها، ستظل نفسية الجنرال المتوحد مع مصالح طائفته التي ينتمى إليها، والمستنكف أن يتلقى أوامره وتعليماته من رئيس مدني؛ هي المتحكمة في مصير بلد وشعب، وسنظل تحت سيف التهديد بأن يحكمنا الجنرال مباشرة أو عبر وسيط.

(7)باب الخروج :

بالمقاربة مع تجربتي البرازيل وتشيلي، لا خير سيأتي على يد حاكم عسكري لم يمارس العمل العام ولا الجماهيري يوما، ليست له أية انحيازات سياسية أو اقتصادية واضحة، اللهم إلا فيما يتعلق بمؤسسته التي جاء منها والدوائر الداعمة له، فيما مضى كان التحذير لأية قوى سياسية من اتخاذ مواقف راديكالية، قد تدفع بقادة الجيش لقلب الطاولة، وتولي المسئولية.

أما الآن فقد قُلبت الطاولة بالفعل، وجاء من يمثلهم في قصر الرئاسة، فلا بديل عن عقد تفاهمات تتعلق بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المعتقلين والمحكومين ظلما وبلا سبب بعد إلغاء – أوتعديل – قانون التظاهر غير الدستوري أصلا، وإتاحة ضمانات تكفل لقوى الثورة الشبابية ممارسة ما تراه من أشكال العمل السياسي والحزبي بلا تضييق أمني أو إرهاب من الأجهزة السيادية.

 

ووضع خطة عمل واضحة لتطوير مؤسسات الدولة الإدارية والسياسية – متضمنة موقع القوات المسلحة من العمل السياسي-، كي تصبح أكثر ديمقراطية ويتاح للشباب نسب تمثيلية مناسبة بها، تؤهلهم فيما بعد لتولي المناصب القيادية.
الوقف الفوري – وهذه عصا الأمن يجيد تحريكها- لحملات تشويه الثورة وتخوين الثوار، والسعي لإصدار تشريع يجرم مثل هذا الأمر، السعي لإقرار حزمة من التشريعات والسياسات الاقتصادية التي تكفل الحد الأدنى من تكافؤ الفرص والانتفاع بالخدمات العامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية في ظل التفاوت اللامعقول بين دخول طبقات المجتمع المختلفة، وقطاعات التوظيف الحكومية والخاصة.

أعلم جيدا أن الأكثرية سترى في كلامي عبثا لا معقول ولا معنى له، لكنني أحاول أن أستكشف ما وراء اللحظة الظلامية التي نحياها حاليا، والتي سيحين أوان انجلائها طال الزمن أم قصر، بعد أن يدرك السواد الأعظم ممن جاؤوا بالجنرال للقصر الرئاسي.

 

أن الشعب هو صاحب الفضل ولا فضل لأحد عليه، أن المجد للشهداء وليس لأحد من الأحياء، أننا أصحاب الحق الأصيل والقوة الفعلية، التي إن عاجلا أم آجلا، ستجبر الجنرال على الخروج من عزلته أو الرحيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد