إن هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه أو يرفق به، هكذا وقف الجنرال في مشهد انقلاب الثالث من يوليو المشؤوم، ومعه رفقاء دربه من الجنرالات، والليبرالي الأعظم الذي كنا نحترمه يومًا، ودعاة الاستقرار المكذوب، وعمم وصلبان وعلمانية ملتحية، وهدف الجميع كما أعلنوا هو السعي لتحقيق الرخاء والاستقرار، وحماية مصر من الانزلاق في أتون حرب أهلية، هكذا زعموا. وقف الجنرال وحاشيته المتنوعة يخطبون ويدلون ببياناتهم واحد تلو الآخر، والملايين في الداخل والخارج يستمعون ما بين مؤيد ومعارض، وحشود هنا مؤيدة وأخرى معارضة في أماكن أخرى متعددة، وانتهت الفقرات بوأد التجربة الديمقراطية، وإلغاء الدستور، وحل البرلمان، وعزل الرئيس المنتخب، وتعيين قاضٍ لإدارة شئون البلاد. وسط تهليل البعض الذين ظنوا أن هذا المسار هو الحل والمخرج لأزمة سياسية يدرك كل المتحدثين أنها مفتعلة لكنه الفجور في الخصومة السياسية فقط، لكن البعض أبى إلا أن يبرر ليقنع نفسه بأنه مسار حتمي، أو قل انقلاب لا بد منه، وهذا قمة السفه، فالمعلوم أن الأخطاء السياسية ليست مدعاة للانقلابات العسكرية، إلا في دول الموز فقط، والواقع خير شاهد على ذلك. وتحول الواقع السياسي إلى مزيج بين الرقص والأغاني والاعتقالات والقتل وحرق البيوت وشيطنة كل معارض لهذا الانقلاب، وصاحب هذا الأمر وعود كثيرة بالحياة الكريمة والاستقرار، والوضع المعيشي الراقي للمصريين، مع بعض التصريحات ذات الغزل والرقة والحنان من الجنرال المنقلب، وتزيين شديد لشخصه وصل للتقديس، وما صور سجود البعض له ببعيدة. قدم الرجل نفسه بأنه المخلص والمنقذ فأصابه جنون العظمة في الوقت الذي تكونت أكثر من خمسين حملة تدعو لترشحه لاستكمال مسار الرخاء والتقدم، وبالفعل أعلن الجنرال ترشحه وظهر سيل من تصريحاته يوميًّا، والقسم بأغلظ الأيمان أنه لن يبخل بأي جهد من أجل هذا الشعب «وأي حاجة ربنا هيقدره هيعمله»، وهذا أول يمين صادق له فحول مصر من دولة رائدة وعد أهلها يومًا أن تصبح «أد الدنيا» إلى شبه دولة كما وصفها في أحد خطاباته، وتحول الشعب الذي زعم أنه «نور عينيه» إلى أناس يبحثون في القمامة عن أقوات أولادهم، ويفضلون الانتحار على ذل الحياة، وتحول خطاب الزيف والكذب إلى واقع رغمًا عن الجميع، وبرغم هول الدعم المادي والمعنوي له في الداخل والخارج، واستنفار جميع الأجهزة لمساندته ودعمه والوقوف معه، لكن الأمور لا تسير هكذا فصرخات المظلومين ودماء الشهداء وأنات للمصابين وشقاء المطاردين ليست رقمًا سهلًا في معادلة الصراع والبقاء لأن الأمور تجري بمقادير إلهية، ومن فوض بالأمس فرحًا ورقصًا يبكي اليوم ويصرخ بأن تسلم الأيادي التي غنى لها أصبحت ممتدة، وبتقول لله يا محسنين، ومع الأسف هذا ما حذرنا منه كمعسكر رافضي الانقلاب، وما زال ثابتًا على موقفه رغم هول المحنة، قلنا بأن هذا المسار لن يأتي بخير أبدًا، والتاريخ يؤكد هذا لكنها الآذان الصماء، والأعين العمياء التي سحرها سحرة فرعون ممن زبنوا الخطأ والقتل والظلم حتى أصبح القتل يوميًّا ومباحًا باسم الوطن، والسلم الاجتماعي الغريب. وتحول وضع الجميع مؤيدين ومعارضين بعد ثلاث سنوات من الانقلاب إلى خراب معيشي، وغلاء ناري لا يقوى عليه حيتان كبار أو لصوص صغار أو طبعًا موظفين في شرطة وجيش وقضاء وإعلام حكومي أو خاص، ويتجرع الشعب المهانة والجوع يوميًّا، ولا مخلص لهم إلا الله. وإن كانت هذه هي الحياة المتوقعة في ظل وجود أي عسكري، فيطلبون من الشعوب التقشف، وهما يعيشون ملوك فكبيرهم طلب من الشعب يومًا أن يكتفوا بأكل اللحوم مرتين في الأسبوع والاكتفاء من الشاي مرتين أيضًا، وهو الذي تحيا بنته ملكة حتى الآن. فيا شعب مصر هذا هو العسكر إذا حكموا أمامكم فرصة للنهوض والخلاص، فلا تميلوا أو تقبلوا فالخراب قائم، والقادم أشد وطريق الحرية والكرامة الإنساني معروف؛ فلا تتأخروا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجنرال
عرض التعليقات
تحميل المزيد