حين ترغب في شراء لعبة لطفلك الصغير، يسألك البائع مباشرة: ذكر أو أنثى؟ وما عمره؟ سؤالان بديهيان ما دامت الذكورة والأنوثة في مجتمعاتنا النامية هي من يحدد ليس فقط طبيعة الألعاب الموجهة للذكور والإناث، وإنما كذلك أدوارهم ووظائفهم داخل المجتمع، وهو ما يفرز وضعًا اجتماعيًا وثقافيًا يكرس اللامساواة بين الجنسين سمته هيمنة الرجال على حساب النساء في مختلف المجالات.

اليوم في مجموعة من البلدان الأفريقية تواجه النساء ممارسات عدة غير منصفة سواء في البيت أو المدرسة أو في المعامل وفي أماكن أخرى في المجتمع. وتعد منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا من أكثر مناطق العالم التي تعرف تمييزًا صارخًا بين النساء والرجال. ويعود السبب في ذلك حسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة سنة 2016 إلى «توزيع الأدوار التاريخية بين الجنسين» والتي تجعل المرأة الأفريقية تعاني تمييزًا حقيقيًّا في الوصول إلى الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وغيرها وصعوبات في تحقيق استقلاليتها الاقتصادية، وتعيش عنفًا أسريًا وجنسيًا متزايدًا. وهو في الحقيقة تشخيص اختزالي لواقع المرأة في أفريقيا وأسباب ما تعانيه من تمييز وظلم، واستهداف للثقافة الأفريقية وهي التي تختزل الكثير من القيم الإنسانية النبيلة وفي صدراتها قيمة المساواة، وهو ما أكدته الكثير من الدراسات الأنثروبولوجية حتى الغربية منها.

فمن أجل بحث جوهر الاختلافات بين الرجال والنساء، عملت عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية مارجريت ميد على هذا الموضوع في ثلاثينيات القرن الماضي، من خلال معاشرة ثلاث جماعات قبلية في غينيا الجديدة. وكان أول مجتمع قبلي حلت به يطلق عليه اسم «الأرابيش». وقد خلصت الى أن فكرة الاختلاف بين الرجل والمرأة لا تدور في خلد هذه القبيلة الجبيلة. فالآباء في هذه القبيلة تمامًا مثل الأمهات يتشاركون معًا كل التفاصيل المتعبة في تربية الأطفال بما في ذلك التخلص من فضلات الرضيع. واكتشفت كذلك أن رجال «الأرابيش» أشد «أنوثة» حتى من نسائهم، فهم الذين يقضون الساعات الطوال في تصفيف شعورهم ويتزينون ويلبسون الأزياء الخاصة في المناسبات ويرقصون.

وفي القبيلة الثانية التي زارتها وهي قبيلة «مندوجومور»، خلصت إلى نفس النتيجة وهي التماثل بين شخصيات الرجال والنساء، لكن عكس القبيلة الأولى تنطوي شخصيات الرجال والنساء معًا في قبيلة «مندوجومور» على القسوة و السلوكات العدوانية، وبالتالي يتضايقون معًا من تربية الأطفال وينتابهم الملل منها.

أما في القبيلة الثالثة واسمها «تشامبولي» وهي قبيلة تقع بالقرب من بحيرة بين تجمعي «الأرابيش» و«المندوجومور»، اكتشفت الباحثة ميرجريت ميد تعارضًا كبيرًا واختلافًا بينًا بين شخصيات الرجال والنساء، فالمرأة في هذه القبيلة هي الطرف السائد وهي الأمرة الناهية، أما الرجل فهو الأقل إحساسًا بالمسؤولية. ففي الوقت الذي تقوم فيه النساء بصيد السمك وجمع الطعام، يعكف الرجال على ترتيب خصل شعرهم ويحملون أقنعتهم أو يتدربون على نفخ الناي.

وتبين هذه النماذج الثلاثة أن ما يمكن اعتباره طبيعيًّا في توزيع الأدوار بين الرجال والنساء في أفريقيا لا وجود له إطلاقًا. وهو ما يؤكد أن التمييز الذي تعانيه المرأة في أفريقيا اليوم هو نتاج لمسار تاريخي اجتماعي وثقافي ساهمت فيه عوامل شتى منها ما هو ذاتي يرتبط بالدول الأفريقية ذاتها والمسارات التي عرفتها التنمية والسياسة بهذه البلدان خصوصًا بعد رحيل الاستعمار، ومنها ما هو موضوعي يرتبط بالإرث الاستعماري الذي ساهم في الكثير من الحالات في شيطنة الإرث الثقافي الأفريقي وإفراغه من قيمه الإنسانية النبيلة.

والمطلوب اليوم من أصحاب القرار في أفريقيا ومنظمات المجتمع المدني والهيئات الدولية المانحة الانكباب بجدية على خطر التمييز الذي تعانيه النساء في عموم أفريقيا من خلال برامج وسياسات عمومية ناجعة تستحضر مقاربة النوع الاجتماعي ومبدأ المساواة، وتنطلق من تاريخ أفريقيا وثقافتها وما تزخر به من قيم وهو المدخل الأساسي لبناء مستقبل أكثر مساواة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب بعنون الغرب والعالم للباحث الأمريكي كافين رايلي، تضمن اشارات للدراسة التي قامت بها الباحثة مارجريت ميد.
عرض التعليقات
تحميل المزيد