إن إعداد الموازنة العامة مع مراعاة البعد النوعي يتطلب وجود أسس عادلة لتخصيص الموارد، وبيئة بعيدة عن أية إجراءات تمييزية. كما يتطلب عدم اعتبار النساء فئة مستضعفة تعيش على ما تقدمه لها الحكومة من إعانات، بل لكونها صاحبة حق أصيل يُلزم الحكومة بتمكينها وحمايتها.

وتقضي اتفاقية (CEDAW اتفاقية منع كافة أشكال التمييز ضد المرأة)، بأن يكون تحصيل وإنفاق الأموال العامة قائمًا على أساس عدم التمييز ومتسقًا مع حق المساواة بين المرأة والرجل كحق أساسي.

وهذا يعني أن المنظور النوعي للموازنة يجب أن يهتم في المقام الأول بالمزايا المباشرة المترتبة على الموازنات الحكومية والتي يمكن أن يحصل عليها (أو يساهم فيها) المرأة والرجل كأشخاص لهم حقوقهم.

ومن أمثلة تلك المزايا ميل المرأة للاستفادة (بطريقة غير مباشرة) من الخدمات الصحية والتعليمية التي يستفيد منها الآباء والأبناء والأزواج. ولكن ذلك لا يسوغ، بطبيعة الحال، أن يقل نصيب المرأة من الإنفاق العام على الخدمات الصحية، التي تحصل عليها مباشرة، عن نصيب الرجل.

غير أن المساواة لا تعني بالضرورة تطابق المعاملة بين الرجل والمرأة، وانما تعترف CEDAW، على خلاف ذلك، بأن المعاملة غير المتطابقة ضرورية في ظل ظروف معينة، بسبب الاختلافات البيولوجية، والاختلافات التي تكرست اجتماعيًا بين الرجل والمرأة (الاتفاقية: التوصية العامة رقم 25 / فقرة 8). واستنادًا إلى المادة 14 (ز) فإن الأدوار الاجتماعية المختلفة المنوطة الآن بالرجل والمرأة تعني أنه لضمان التكافؤ في الحصول على الخدمات مثل الإسكان والمرافق الصحية والكهرباء والمياه والنقل والمواصلات، يجب تصميم الخدمات وتقديمها مع مراعاة اختلاف الاحتياجات بين الرجل والمرأة.

اتفاقية (سيداو CEDAW) والتزامات الحكومات عند إعداد الموازنات العامة

تنص التوصية رقم 25 (الفقرة (6) من الاتفاقية) على ثلاثة التزامات رسمية للدولة يتعين أن تكون هي محور الجهود الرامية إلى القضاء على التمييز ضد المرأة في الموازنة الحكومية، وتتوخى تلك الالتزامات ما يأتي:

  • ألا تنطوي القوانين والسياسات ذات الصلة على أي شكل من أشكال التمييز (مباشر أو غير مباشر) ضد المرأة، وإنما تكفل الحماية ضد التمييز.
  • تحسين وضع المساواة الفعلية بالنسبة للمرأة (المساواة الموضوعية).
  • أن تعمل البرامج – التي تستفيد منها المرأة، ونظم الإيرادات التي تساهم فيها – على تغيير العلاقات والأنماط التي تحول دون تمتع المرأة بالمساواة في جوهرها.
  • قيام الحكومة بالعمل على تأمين مشاركة المرأة كمواطن إيجابي فعال في اتخاذ القرارات المتعلقة بالميزانية، وتمكينها من مطالبة الحكومة بتفسير الطريقة التي تتم بها تحصيل الأموال العامة وإنفاقها.

معايير إعداد الموازنة العامة النوعية

إن أهم هذه المعايير هي:

  • تحديد أوجه إنفاق موجهة خصيصًا إلى المرأة أو الرجل في المجتمع.
  • ضمان تكافؤ الفرص في الإنفاق الذي تقوم به الحكومة على موظفيها (كالإنفاق على التدريب الخاص للفئات المحرومة من السكان).
  • رصد تخصيصات للإنفاق على أنشطة ذات طبيعة عامة تقوم بها الأجهزة الحكومية (كمحو الأمية، والدعم المقدم للمزارعين).
  • ضمان تمويل استراتيجية تنمية المرأة، والالتزام بذلك على المدى الطويل.
  • إدراج نص في قانون الموازنة يفوّض جميع الأجهزة الحكومية تجنيب نسبة من مخصصاتها لـ «المشروعات المصممة لمعالجة قضايا المرأة».
  • يمكن أن تسمى هذه الميزانيات (أي ميزانية الأجهزة الحكومية المشار اليها آنفا) بـ «ميزانية المرأة والتنمية»، ويخصص كل جهاز حكومي 5% (مثلا) من ميزانيته لهذا الغرض، لغرض الإنفاق على أنشطة محددة (تدريب، تمكين، إعانة للأمهات، رعاية صحية خاصة).
  • تصميم هذه النفقات بحيث تنطوي على:
  1. تمويل البرامج المساندة للمرأة (رصد التخصيصات اللازمة للإنفاق على هذه البرامج).
  2. تخصيص الأموال تحت بند «المكون النسائي» بهدف الإنفاق على برامج تنمية المشاريع المتناهية الصغر من أجل الفقراء بشكل عام، على أن يخصص 30% منه للمرأة حصرا. كما يمكن رصد تخصيصات للإنفاق على برامج تعمل على تقديم المساعدات لبناء منازل للفقراء، وتعطى الأولوية فيه للأرامل، والنساء غير المتزوجات.
    ورغم أهمية هذه البرامج في تحسين وضع المرأة في المدى القصير، إلا أنها ستبقى برامج تساهم في مساعدة المرأة على القيام بأدوارها التقليدية فقط، وليست برامج تسهم في بناء سياسات تعمل على تشجيع قيام المرأة بأدوار جديدة تساعد في تغيير الأوضاع القائمة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد