نموذج «روبيرتو روسيليني» العالمي للفيلم السياسي الكلاسيكي: دراما تاريخية لا تنسى! من بطولة: فيتوريو ديسيكا، هانز ميسيمر، ساندرا ميلو وجيوفاني رالي.

«أنتم الإيطاليين لا تحبون هذه الحرب كثيرًا، ونحن كذلك لا نحب الحروب عمومًا»!

هكذا يقول القائد الألماني لبطل الفيلم بعد لقاء عابر بالصدفة في مستهل الأحداث.

لقد وجدت إيطاليا نفسها منقسمة خلال الحرب العالمية الثانية، ما بين احتلال الجيش الألماني في الشمال، وهجوم الأمريكيين والبريطانيين من الجنوب: فهل عليهم دعم حكومتهم والدفاع عنها، أم عليهم الوقوف مع المقاومة المسلحة في مساعيها الوطنية لتقويض «الرايش الثالث» وإيقاف تقدم الألمان من أجل إيطاليا جديدة حرة تنهض من الحطام؟!

يجد المحتال الأنيق الذكي «إيمانويل باردوني» فرصة وبيئة ملائمة للعمل والتحايل في ظل هذه الأجواء القلقة الضاغطة، وهو يعرف على نفسه باسم «كولونيل جريمالدي» لتسهيل علاقاته «الوصولية والانتهازية والبيروقراطية» مع الألمان والمجتمع المحلي على حد سواء، كما أنه بفضل وسامته وأناقته يكسب ود معظم النساء العاديات والثريات القلقات على مصائر أبنائهن وأزواجهن الذين يتم اعتقالهم ويختفون فجأة، وهن مستعدات دومًا لدفع النقود الكاش من أجل إطلاق سراح هؤلاء أو حتى معرفة أمكنتهم ومصائرهم، بمراعاة قسوة الاحتلال الألماني وسطوته المعروفة، وينجح الكولونيل أحيانًا في إنقاذ بعض الحالات لكسب الثقة والمصداقية (بالتعاون مع بعض الضباط الألمان الفاسدين).

كيف نجح باردوني في التعايش هكذا مع واقع الاحتلال النازي وقمعه وفساده المستتر؟ هنا ينجح «ديسيكا» الممثل البارع كما أبدع مخرجًا في فيلمي «سارق الدراجة والأطفال يراقبون»، نراه يتسكع في الحقول والخرابات وبين الحطام، في مواقع كانت سابقًا شوارع مدينة، بعد أن دمرها القصف الألماني، وبينما يعود في الصباح بعد ليلة قمار خائبة، منتهكًا حظر التجول المفروض في ساعات الصباح الأولى، ليفاجأ بصوت انفجار إطار جيب ألماني، مستغلًا الفرصة ليتبادل أطراف الحديث مع الضابط الألماني المتنفذ (كولونيل مولر)، على أمل الالتقاء به مرة أخرى في فرصة أكثر ملاءمة، مما يشكل لكليهما بداية علاقة وظيفية ذات مدلول.

ثم عائدًا لشقته ليواجه صديقته الشقراء الجميلة، تلك التي انجبرت للعمل ممثلةً استعراضية وراقصة لمواجهة الظروف الصعبة السائدة، محاولًا عبثًا الاستدانة منها أو بيعها خاتمًا مزيفًا بعد أن اكتشفت زيف علاقته العابرة معها وتلاعبه بمشاعرها واستغلال جمالها، كما تمتنع عن إعطائه أيًّا من مجوهراتها، بغرض دفع إتاوة كبيرة رشوة منتظمة للضابط الألماني الفاسد المسؤول عن ملف المفقودين.

ولكنه يجد بسرعة حلًا لجني النقود من خلال امرأة ميسورة الحال تعاني من اختفاء وفقدان زوجها، بالرغم من كونها تشك بصحة نواياه، على أمل أن يجد لها بصيص أمل في علاقته مع الضابط الألماني المسؤول، بالرغم من أنها شبه متأكدة من إعدام الألمان لزوجها، وينجح بفهلويته في لعب هذه اللعبة بمكر ودهاء مستغلًا خبراته وأناقته وعذوبة لسانه.

إلا أن الضابط الألماني المسؤول عن المنطقة يستغل بذكاء حادثة مقتل الجنرال «ديلاروفيري» غير المتوقعة أثناء هروبه من سيارة عند حاجز تفتيش، ويبقي الأمر سرًا، ليعرض على باردوني لاحقًا تقمص شخصيته داخل السجن، مقابل مبلغ نقدي كبير وتهريبه لاحقًا إلى سويسرا. وهو يقصد بذلك استخلاص أسرار المقاومة وأسماء قادتها، مستغلًا سمعة الجنرال الراحل في أوساط المقاومة الإيطالية، ويجد باردوني فرصة للنجاة بنفسه من ملاحقة الألمان وعقوباتهم.

أخيرًا لقد قاده فساده ومكره وتحايله وتعاونه الانتهازي مع المحتل الألماني الغاشم، قاده للتعامل مع أناس شرفاء وطنيين وطيبين يسعون جميعًا لمستقبل حر لإيطاليا، مما استدعى تيقظ ضميره وظهور مشاعره الأخلاقية والوطنية، التي غرقت سابقًا في بحر أنانيته وإدمانه للقمار.

هكذا في النصف الثاني من الفيلم، تأخذ القصة منحى مصيريًا آخر، حيث يتحول المحتال «باردوني» تدريجيًا إلى رجل نبيل وطني متفاعل وقيادي يعزز الروح المعنوية لمواطنيه المساجين المضطهدين، وينحى الفيلم باتجاه النهاية التراجيدية «غير المتوقعة». لا يمكن إخفاء واقعية المخرج المتمثلة بزوايا التصوير البعيدة التي تظهر البطل في مواقف عديدة وكأنه شخص عادي يواجه معضلات التعامل مع السكان والألمان على حد سواء بتلقائية وعفوية، ولكن الشريط يبقى حسب اعتقاد بعض النقاد «أقل روسينية»، حيث لم يسبق للمخرج الكبير أن كان واضحًا وصريحًا في رسائله السينمائية كما ظهر تحديدًا في هذا الفيلم اللافت، وإن كان موضوع استبدال باردوني بالجنرال المقتول هكذا ببساطة يمثل إشكالًا واضحًا في طريقة صياغة القصة لأنه من الصعب أن يجده معظم السجناء مطابقًا لشخصية الجنرال بلا أدنى شك!

لقد أصبح هذا الفيلم، بجانب فيلمه الشهير «روما مدينة مفتوحة» من أنجح أفلامه تجاريًا وشهرة عالمية، مما جعله يفوز بجدارة بجائزة مهرجان فينيس الشهير لنفس العام، وأن يلقى كذلك الحفاوة في كل المهرجانات الأخرى التي عرض فيها. وبعد بالرغم من طول مدة العرض وتجاوزه الساعتين، إلا أن المشاهد لا يشعر حقًا بالملل، وهذه ميزة قلما نشاهدها في الأفلام العصرية الحافلة بالمونتاج والمؤثرات المدهشة، كما أن عظمة هذا الفيلم تنبع حقًا من مشهد الإعدام الأخير للبطل مع مجموعة من المساجين، فقد كان المشهد صاعقًا ومفاجئًا ومعبرًا ويحتوي على الخلاصة، ويمثل هذا المشهد الفريد المؤثر والحزين درسًا للكثير من السينمائيين الذين لا يعرفون كيف ينهون أفلامهم أو ينهونها بشكل رديء قد يضر بالسياق العام!

يطرح الفيلم تساؤلات تصعب الإجابة عليها ومنها لماذا انتحر الحلاق المعتقل بعد أن أشبع تعذيبًا لعدم اعترافه باسم قائد المقاومة في السجن وهو لا يقوى حتى على الوقوف من شدة التعذيب؟ ولماذا تم تعذيب باردوني بنفس الطريقة في اليوم التالي؟ ثم لماذا هرع باردوني لصف الإعدام بسرعة مع أن اسمه لم يكن ضمن القائمة ولم يتم تثبيته على عمود كزملائه التسعة، فيما كان بإمكان القائد الألماني أن يوقف العملية تحديدًا بالنسبة له وخاصة أنهم ما زالوا بحاجة له لكشف قائد المقاومة؟ فهل فقد كلاهما الأمل ووجدا طريقًا مسدودًا لعلاقتهما الوظيفية، وهل رغب باردوني في أن يستشهد كزملائه تكفيرًا عن خطاياه ويأسًا من علاقته المريبة مع سجانيه العنيدين الشرسين وخاصة أنه أصبح متعاطفًا مع المسجونين ويكاد يشعر أنه معهم؟ أما سؤالي الأخير فلماذا ركز المخرج على صلاة خمسة من اليهود تحديدًا قبل أن يساقوا لساحة الإعدام، فهل هذه حقيقة حدثت أم أنه كالعادة يحاول بهذه المشاهد «مغازلة اليهود» واسترجاع ذاكرة الهولوكست لإنجاح الفيلم ورفع فرصته لنيل الجوائز العالمية؟!

والخلاصة أن هذا الفيلم يقدم شهادة عالمية جامعة لتأثير أجواء الحروب الخانقة على البشر العاديين والوطنيين المقاومين معًا، وذلك على كافة الأبعاد الحياتية والمعيشية والوجودية، ويوضح لنا كيف تسحق الكرامة والاحترام والوجود البشري في خضم لؤم الحرب وويلاتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد