في هذا الوقت العصيب الذي جدت فيه أمور ساوت بحدوثها بين سكان الأرض بلاداً وأفراداً وجماعات، فوزعت القلق وقسمت الأفكار السلبية على كل منا دون محاباة أو مزايدة، ثم نوعها ومزجها بين اكتئاب، وعنصرية، وانتحار، ومخافة أوبئة وأمراض، وقلق من الظروف الاقتصادية والحياتية المتنوعة وما يصحبها من أشباح المستقبل، وصولاً لذهولنا من أفعال البعض وما طرأ عنها من احتكار ومتاجرة بمعاناة البعض الآخر، حتى أصبحنا كلنا على القدر نفسه من التخبط والتوتر.

 فلا أظن أن هناك من لا يعرف المُشكلة ومسبباتها إلى الآن أو لم يقف على تنوع المشكلات ككل في هذا الزمن، لكن هناك موضعاً في النفس ما زال لا يقبل بعضها ويعجز عن التعايش معها. لذا فلا أعتقد أنه يوجد ولو شخص واحد لا يدري ما الذي يثبط عزيمته أو يضعف طاقته أو يستنفذ قواه خلال تلك الفترة، لذا فلا أحد يستحق أن يجلس مع من يحادثه عن المشكلة دون الحل، فهذا سيزيد الأمر تعقيداً والنفس انكساراً وسيولد مزيداً من المشاعر السلبية التي يصعب التعامل معها.

ولا شك في أننا وبلا استثناء نحتاج للمسة عطف وتفهم، للحظة تدارك لدوافع بعضنا البعض، لبرهة من التشجيع والمساندة وإبداء كل الدعم اللازم وغير المتوقع. نحتاح لأن نربت على أكتاف من حولنا لنبعث فيهم وفي أنفسنا روحاً إيجابية تساعدنا على تجاوز هذه الأيام وما بها من صعاب، بل تربينا على مواجهة الحياة وما يتخللها من عثرات. لنتجاوزها بأخذ العبرة والإصلاح. وربما كان المطالَبون أكثر بالمبادرة بمثل هذه الأفعال هم الشباب، لأن الأطفال لا حيلة لهم في تقبل الأوامر طوال الوقت دون أن يروا تطبيقاً عملياً لها، من فعل طيب وكلام حسن ممن يكبرونهم.

كما أن كبار السن الذين تجاوزت أعمارهم فترة الأحلام والسعي المفرط وتجديد الخُطط، قد كانت لهم أحلام يوماً ما. بل ربما كانت أحلامهم تلك أعظم وأنفع وأرقى من كل أحلامنا اليوم، لكن لسوء الظروف أو للتفاضل بين المسؤوليات الواقعة على أكتافهم قرروا التخلي عنها، ثم وجدوا العمر يجري بتسارع مستمر ففقدوا الحول والقوة.

لذا وجب علينا النظر إليهم بعين الرحمة وأخذ العبرة منهم مخافة أن نقع في شراك التخلي عن أهدافنا بسبب ما يصلنا من الأخبار السيئة أو ما يطرأ علينا من تقلص الشغف وصعوبة المواقف.
لننظر إليهم بعين السائل المُحب الذي يرى فيهم عظماء ما قصروا، لأنه حتى وإن بدا لنا أنهم قد تخلوا عن أحلامهم إلا أنهم لم ينسوها. ولك أن تسأل أياً منهم عن حلمه القديم وستنبهر بما تسمع، إن الرأفة والرحمة وخلق الأسلوب الحسن في الحديث والتشاور والتفاهم، هو السبيل لانقضاء هذه الأيام في سلام، أما التخوين والتكذيب والإقصاء فهي بدايات الأيام الصعبة وفُرقة الجمع وليست نتيجة لها.  إن المجتمع السوي يخلق الاحترام الذي يصبو إليه، لأن الاحترام لا يطلب بل يُكتسب.

علينا أن نتعامل معًا من منطلق أنه ليس هناك من بيننا من لم يُظلم أو يُخون أو يُصدم أو يُجرح أو يُخدع أو يخاف لنتمكن من التهوين على بعضنا البعض. كما أنه ليس من بيننا من لا يحتاج للمساندة والمواساة والعطف وإن بدا عليه غير ذلك. فوالله لا يوجد إنسان على وجه الأرض سليم معاف بالقدر الكامل، إلا أن من بيننا أناساً وثقوا في الله تعالى وتصالحوا مع أنفسهم فتفهموا الآخرين ونأوا بأرواحهم عن اتخاذ الأحكام وتصعيب الحياة على من عداهم ولو حتى بشق كلمة.

ذلك أنه لكل منا بيت وعمل وصحبة تأتي كل منها بمشاحناتها وتناقضاتها وأعبائها. لكن الحمد لله أن لدينا بيوتاً وعائلات وأعمالاً وحياة نقلق بشأنها. بل الحمد لله أن لدينا هموماً وقلقاً فما زلنا نشعر. والحمد لله أن أعطانا الشعور وتقبل الآخرين والقدرة على التواصل معهم. بل الحمد لله على اختياره لنا بتلك البتلاءات وإعطاءنا القدرة على تحملها، وكل الحمد على ما هو أعظم من ذلك وهو أننا مازلنا على قيد الحياة نحاول أن نتدبر ونتفهم ونقرأ ونتعلم.

لنبعث الأمل في نفوس أولادنا، لنحكي لهم القصص ونتدبر في أمر الله وترتيباته فنخرج بالعظة، لأن الله تعالى قال: «وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً». لنبشرهم أننا سنحج وسنكبر ونسافر للأقصى دون خوف، لنبشرهم أن الحياة ستصبح أسهل لهم في المُستقبل ونعلمهم أُسس الدين وسُبل التعايش كي لا يتخلوا عنها مع أي انفتاح قادم. لندرب أنفسنا على تقبل كل أقدار الله ونتناقلها فيما بيننا. ولنراع كبار السن ونشكرهم على ما فعلوا في الماضي كونهم سبباً فيما نحن عليه. فالكل يحتاج أن يسمع كلمة طيبة تداوي جرحاً أو ترفع همة أو تريح قلباً. لنحتوي بعضنا بدلاً من التراشق بالألفاظ أو التنابذ بالألقاب، أو التحارب باللوم الذي لا طائل منه. لنحاول أن نداوي الجراح ونواسي البعض فنرزع أملاً في نفس صاحب جرح غائر نزع منه أمل الاستشفاء.

لنحاول أن نوصل للآخرين يقيننا في الله، ونتعلم منهم ثقتهم به سبحانه وتعالى، فيصلح الله أمرنا بتوكلنا عليه وإيماننا به، ورؤيته لمناصرتنا بعضنا بعضاً أن اتخذنا بعضنا لبعض درجات في الخير كما أمر. لنكن مثالاً لكل ما نريد أن نرى في الآخرين، فنسأل عن الغائب ونساعد المحتاج ونشد الأزر، ونعلم الصغير، ونشكر الكبير، ونلملم ما تبقى من فتات أنفسنا عملاً بقول الله واتباعاً للمنهج الذي نحن عليه.

وإن كان نصيب أحدنا من الدنيا لين قلبه فقد نجا، لأن كسب الخواطر والقلوب أفضل من كسب المواقف. وقضاء الأيام في إصلاح شخص واحد أو مساعدته، أفضل من حياة 10 آلاف عام دون هدف. ذلك لأننا نعيش بأجنحة منفردة ولن نحلق إبداً إلا إذا تعانقنا! فلنفعل ما إن يتذكره الناس بعدنا فيسألوا لنا من خير الله بظهر الغيب. وهم بدروهم سيفعلون الشيء نفسه من باب أن كل متبادل يدوم.
دمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد