«تنويه: هذه القصة ليست عن مصر ولا عن السيسي، وأي تشابه بينها وبين أحداث مصر فهو من محض الصدفة البحتة، لذلك وجب التنويه».

كان ياما كان، في إحدى دول إفريقيا الفقيرة، كان يوجد دولة لديها رئيس، لكن قائد الجيش الفاسد كانت لديه أطماع في السلطة، لذلك قام بعمل انقلاب عسكري على الرئيس وعزله، ومن ثم ابتهج الشعب بهذا الانقلاب ونزلت الحشود الغفيرة إلى الشوارع للتعبير عن فرحتها ودعم الجنرال الذي أطاح برئيسهم من أجل أطماعه الشخصية، لقد ظنت جموع الشعب أن هذا العسكري صاحب القلب الحنون والصوت الناعم الرقيق هو منقذ البلاد، لذلك قامت بالتهليل له وإعطاء ظهير شعبي لانقلابه، وبعد نجاح الانقلاب ظهر سيادة الجنرال في الكثير من خطاباته العاطفية للشعب وهو يقسم بأنه ليس لديه أية أطماع في حكم البلاد وأن واجبه كرجل عسكري وطني حتم عليه فعل هذا من أجل مصلحة الشعب وإنقاذ البلاد من خطر الرئيس السابق وجماعته الذين أرادوا تدمير البلاد كما ادعى، ولقد استرسل سيادة الجنرال في وعوده الكثيرة للشعب ومنها وعده باستكمال مسيرة الديمقراطية وإجراء انتخابات رئاسية جديدة، وحرص دائمًا على استعطاف قلوب العامة بالشعارات الوطنية وخطابه الشعبوي، بالإضافة إلى بعض من الجمل الشهيرة التي ليست بالطبع غريبة عن مسامعكم مثل “هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه” و”أنتو مش عارفين أنكم نور عينينا ولا إيه” و”بلدنا أم الدنيا وهتبقى أد الدنيا” و”تحيا بلدنا” و”بكره تشوفوا بلدنا”.

بعد ذلك تصدر سيادة الجنرال المشهد السياسي وأصبح هو حاكم البلاد، لم لا فهذه هي اللحظة التي طالما حلم بها، وكعادة كل الديكتاتوريين العسكريين ومن أجل إحكام قبضته على البلاد، قام بقتل واعتقال كل المعارضين له والمنتمين للجماعة المحظورة التابعة للرئيس السابق، والتي اتهمها أنها وراء كل الأزمات وسبب كل التدهور والإرهاب الذي يحدث في البلاد، ولذلك قام بمطالبة الشعب بالصبر والتحمل لأنهم الآن أصبحوا في حالة حرب مع الإرهاب التي تقف وراءه الجماعة المحظورة، ولأن البلاد تواجه مؤامرات خارجية من الدول العظمى مثل بريطانيا وأمريكا بهدف إسقاطها وتركيعها، أما بالنسبة للاقتصاد فلقد قام سيادة الجنرال بإصدار مجموعة من القرارت الاقتصادية والإعلان عن عدد من المشاريع القومية ظنًا منه أنه بذلك يقوم بإصلاح الاقتصاد والنهوض بحال البلاد، لكن هذه القرارت لم تحدث سوى انهيار وتردٍ أكثر لحال البلاد، وعلى إثر ذلك ازدادت معاناة الشعب الفقير ودخلت البلاد في أزمات اقتصادية طاحنة، ولم تكن مشاريعه القومية التي لا فائدة منها سوى عروض إعلامية للترويج لنظامه الذي أصبحت يداه ملطخة بالدماء، وعلى الرغم من هذا كان يتعمد الجنرال في كل فرصة لظهوره بالتصريح بأنهم سائرون على الطريق الصحيح ويجب على عامة الشعب الصبر والتحمل حتى تتقدم البلاد.

 وعلى الرغم من وحشية وإجرام هذا الجنرال، إلا أنه كان يتسم بغرابة التصرفات والحديث، فقد كان يبدو في التلفاز كشخص ساذج وصبياني يردد أي هراء يخطر بباله دون إدراك منه لما يقوله، مثل الأحمق الذي يدلي بتصريحات مثيرة للجدل وغير منطقية على الإطلاق، ويتفوه بكلمات مثيرة للضحك لا يمكن أن يقولها شخص عاقل ورئيس دولة، مما كان يدفع معارضيه ومشاهديه إلى الضحك والسخرية منه ومن تصرفاته الحمقاء طوال الوقت، فقد كان يبدو أمام الكاميرات أحيانًا مثل المهرج الذي يريد إضحاك مشاهديه بأفعال وحركات حمقاء، وأحيان أخرى مثل الممثل الذي يحاول إبكاء جمهوره من خلال كلمات مرهفة الحس وبصوت رقيق وناعم، أما خلف الكاميرات فقد كان مثل السفاح الذي يمارس هواياته في القتل والتعذيب حتى يتمكن من إحكام سيطرته على البلاد، ومن غرائب سلوكه أيضا أنه كان يحبذ الظهور في بعض الأوقات بالزي العسكري، إلى جانب تتبعه لأحلامه في كثير من القرارات حيث كان يقوم ببعض الأفعال نتيجة حلم أو رؤية رآها في منامه وأراد تحقيقها، رغم كل هذا كان لسيادة الجنرال ذي الخلفية العسكرية مؤيدين وأنصار، فبعضهم كان يؤيدونه بسبب تلك الامتيازات الكثيرة التي أعطاها لهم، والبعض الآخر لأنهم يرونه رجلًا عسكريًا وطنيًا أنقذ البلد من الرئيس السابق وجماعته المحظورة، لذلك كانوا يقومون بتبرير قرارته وأفعاله الطائشة وفشله التام في إدارة البلاد بحجة أنه يواجه مؤامرات خارجية كبيرة، وأن الغرب والقوى العظمى تريد تشويه صورته لأنه أراد الخروج من تحت سيطرتهم والاستقلال ببلاده.

وبالطبع لم يكن سيادة الجنرال بهذه السذاجة والحماقة التي يظهر بها على شاشات التلفاز، كيف هذا وهو يقوم بقتل الآلاف واعتقالهم بدم بارد ومتمكن من السيطرة على الدولة التي نشبت بها كثير من الخلافات والصراعات، لكنه كان يستخدم الدعابة والمزاح والضحك من أجل تنفيذ ما أراد تنفيذه حقًا، ومن أجل تجميل صورته أمام شعبه والعالم، نعم فلقد أراد رسم هذه الصورة المثيرة للسخرية للآخرين حتى لا يبدو ذلك السفاح الذي يقتل دون رأفة، لقد استطاع سيادة الجنرال إحكام قبضته على الدولة بالحديد والنار، رغم الانهيار الاقتصادي والعديد من الأزمات التي حدثت في عهده، وذلك من خلال استخدام القتل والتعذيب والإخفاء القسري والعنف ضد المعارضين، وانتهاج سياسة التخوين والعمالة، وانتهاك حقوق الانسان والإعدامات غير القانونية لمعارضيه، واستعطاف عامة الشعب بالخطاب الشعبوي العاطفي وبالأشعار الوطنية الزائفة، فلقد كانت الدولة تنهار والشعب يعاني وكافة الأمور من سيء إلى أسوأ وسيادة الجنرال الرئيس لا يبالي بأي شيء على الإطلاق سوى كيفية المحافظة على كرسيه إلى الأبد، وكان من الواضح على سيادة الجنرال أنه نرجسي كعادة ضباط الجيش والقادة العسكريين، فقد كان يظن نفسه أنه يفهم في كل شيء وخبير في كافة المجالات لذلك يجب على الجميع أن ينصاع لأوامره، وغير مسموح لأي أحد بمعارضة قراراته وإلا فمصيره القتل أو السجن، والأدهى من ذلك أنه كان مصابًا بمرض جنون العظمة كعادة معظم الدكتاتوريين، لذلك قام بمنح نفسه العديد من الألقاب مثل “المشير” و”طبيب الفلاسفة” و”رئيس مدى الحياة” و”قاهر البريطانيين مش الأمريكان”.

بالطبع كل أحداث هذه القصة التي سردناها معًا لم تكن عن السيسي ولا عن مصر كما ذكرت سلفًا، بل كانت عن عيدي أمين ديكتاتور أوغندا في السبعينات، والذي قاد انقلابًا عسكري على الرئيس ميلتون أوبي، وحكم أوغندا من 1971 حتى 1979، ومن ضمن الألقاب الكثيرة التي أعطاها لنفسه عيدي أمين كان لقب “آخر ملوك اسكتلندا”، وذلك بسبب إعجابه وحبه الشديد لاسكتلندا ومن ثم أصبح مشهورًا بهذا اللقب.

لكن لكي نكون منصفين يجب أن نذكر أنه على الرغم من التشابه الكبير بين السيسي وعيدي أمين، إلا أن جنون عيدي أمين ووحشيته تخطت السيسي بمراحل، فقد كان يُشاع عن عيدي أمين أنه يقوم بذبح معارضيه وأكلهم، وقد اشتهر أيضًا بلقب “جزار إفريقيا” وذلك لفرط وحشيته وإجرامه، لكن السيسي ذلك الديكتاتور المعتوه مثله كمثل عيدي أمين، فلن يتوانى عن فعل أي شيء من أجل الحفاظ على كرسيه، حتى لو قام بمزيد من المذابح والأعمال الوحشية أو اضطر لبيع الأرض مرة أخرى أو الاستعانة بقوات خارجية من أجل حماية نظامه.

فدائمًا ما يعيد التاريخ نفسه، فهل سنتعلم أم سنبقى مجرد مشاهدين للأحداث!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عيدي أمين
عيدي أمين بين الاستبداد وغرائب السلوك
عرض التعليقات
تحميل المزيد