تطوير لرؤيته أم انقلاب على شعاراته

بدأ حسن البنا بناء جماعة الإخوان المسلمين وصوب عينيه احتضار دولة عظيمة، تلفظ أنفاسها الأخيرة؛ فانتقل من البكائيات التي انبرى لها شعراء الأمة وعلماؤها، إلى ساحة عمل شامل بشمول الإسلام.

فأخذ على عاتقه بناء صرح تاج أهدافه إعادة دولته، ومجد الأمة، لم يغب حسن البنا ومشروعه عن أي ساحة من ساحات الصراع، سواء الفكرية، أم الاقتصادية، أم السياسية وغيرها؛ فأقام للجماعة ما يضمن لها حاضرًا مؤثرًا، وغدًا يحمل بشريات تحقيق أهدافها؛ فامتلكت الجماعة عوامل القوة الناعمة وغيرها. 

كان من أهم مرتكزات قوة الجماعة، ليس فقط تشعبها وتمدد وجودها إلى ألفي شعبة، ولكن امتلاك إدارتها مقومات تمكنها من الصمود، بل مواجهة خصومها في أي ساحة أرادوا من ساحات العمل السياسي، أو الاقتصادي، أو الفكري وغيره، وأيضًا في شموليتها كما في إخلاص أعضائها لفكرتهم، وولائهم لما آمنوا به من أفكار.

إن الهزيمة الشديدة التي تعرضت لها الجماعة عقب الانقلاب العسكري أثمرت لدى الكثيرين من قادتها وأفرادها قناعة بوجوب مراجعة المسار، سواء في أخطاء القيادة، أم النهج في التعامل مع الواقع المصري والعودة لمسار الجماعة الأصلي، كما أطلقه مؤسسها حسن البنا، فكان للدكتور محمد كمال بداية هذه المراجعة، ثم استقالته لإفساح المجال لانتخابات شاملة لم تتم، ثم استكمل المراجعة والرؤية المكتب العام رافعًا شعار «سنعيدها سيرتها الأولى»، واضعًا إياه مرتكزًا رئيسيًّا لرؤيته، كما أقر مبدأ التخصص، وفصل المسارات؛ فيمارس كل فرد من الجماعة ما يبرع فيه عبر مكانه المناسب، فلا يصح أن يمارس السياسة رجل الدعوة، الذي لم يعترك بتفاصيل العمل، وهكذا في باقي مسارات العمل، وهو تطوير محمود.

لكن ما حدث في بيان المكتب العام الأخير تجاوز فكرة فصل المسارات وتخصصها إلى بتر العمل السياسي الحزبي عن الجماعة، ونزع مكتسب بدأه حسن البنا نفسه – رحمه الله- بالترشح مرتين لمجلس النواب، فأصبح ما يحدث الآن لا فصل مسارات، بل بتر مسارات، تحت حجج غير مقنعة.

وهالني تأكيد المتحدث الإعلامي الأستاذ عباس قباري «وهو بالمناسبة من أفضل من تولوا هذا الموقع، مقارنة بغالبية من سبقوه ممن عايشناهم» على أن العمل الحزبي زاوية صغيرة جدًّا أكثر من مرة، وكررها في كل لقاءاته الإعلامية التي علق فيها على البيان، فذكرني بمقولة وزير خارجية السعودية عن مشكلة قطر أنها صغيرة وصغيرة جدًّا، ثم تقام الحروب السياسية والعسكرية والاقتصادية من أجل هذه القضية الصغيرة، بحسب كلام الوزير، فهل عانت الجماعة يا أستاذ عباس ما عانته إلا بسبب هذه الزاوية الضيقة.

ورحم الله الإمام البنا حين قال: «إذا قيل لكم – أيها الإخوان- إلامَ تدعون؟! فقولوا: ندعو إلى الإسلام، والحكومة جزءٌ منه، والحرية فريضةٌ من فرائضه، فإذا قيل لكم هذه سياسة! فقولوا: هذا هو الإسلام ولا نعرف نحن هذه الأقسام».

فهل حوربت غزة إلا بعد دخولها هذه الزاوية الضيقة؟ وهل يحاربون أردوغان إلا بسبب هذه الزاوية الضيقة، والنهضة التونسية وغيرها!

جاء نص الفقرة المهمة في البيان الذي صدر بعنوان بيان إلى الأمة حول الواقع الجديد للقضية المصرية:

«الإخوان المسلمون تقفُ الآن على التفريق بين العمل السياسي العام، وبين المنافسة الحزبية الضيقة على السلطة، ونؤمن بأن مساحة العمل السياسي العام على القضايا الوطنية والحقوق العامة للشعب المصري، والقيم الوطنية العامة وقضايا الأمة الكلية، هي مساحة أرحب للجماعة من العمل الحزبي الضيق والمنافسة على السلطة، وسنعمل في مرحلة ما بعد إنهاء الانقلاب العسكري كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية، داعمين للأمة، ونمارس الحياة السياسية في إطارها العام، وندعم كل الفصائل الوطنية التي تتقاطع مع رؤيتنا في نهضة هذا الوطن في تجاربها الحزبية، ونسمح لأعضاء الإخوان المسلمين، والمتخصصين، والعلماء من أبنائها بالانخراط في العمل السياسي، من خلال الانتشار مع الأحزاب والحركات التي تتقاطع معنا في رؤيتنا لنهضة هذه الأمة».

هذه الفقرة التي واجهت رفضًا من شريحة معتبرة من أبناء الجماعة ومحبيها؛ فارتكز الرفض على نقاط محددة:

أولًا: ما حدث هو ضد تاريخ الجماعة واختياراتها السياسية

فالجماعة منذ بدايتها وجميع أفرادها، بما فيهم حسن البنا، ترشحوا باسم الجماعة، وحاملي أفكارها، وحينما انسحب حسن البنا كان لمكاسب وطنية وأخرى للجماعه ذاتها.

وهذا هو الذي حذا بالمؤتمر السادس للإخوان – المنعقد فى يناير (كانون الثاني) 1941- أن يصدر قرارًا خلاصته «الأذن لمكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين بالتقدم بالأكفاء من الإخوان إلى الهيئات النيابية المختلفة، ليرفعوا صوت الدعوة، وليعلنوا كلمة الجماعة فيها بهم الدين والوطن».

وهنا وبالتوقيت نفسه أظهرت الجماعة مرونة عالية، كما أغلب تاريخها، بأن قررت دعم من تراه مناسبًا، سواء من أبنائها أم من غيرهم ممن تتوسم فيهم الصلاح، وهو ما ظل نهجًا مُتبعًا إلى ما بعد قيام ثورة يناير، فتاريخيًّا شاركت الجماعة باسمها وأبنائها ليرفعوا صوتها ورأيها في القضايا السياسية المختلفة.

فهل من رفع شعار سنعيدها سيرتها الأولى تكون خياراته ضد ما تأسست عليه الجماعة؟

ثانيًا: هدم المنجزات

إنهاء تراكم خبرات الجماعة، ونسف لبنيان سنوات، لك أن تتخيل أيها القارئ الكريم أن جماعة بحجم الإخوان المسلمين تمتلك ما يزيد عن 200 برلماني، ومئات النقابيين، ورئيس برلمان سابق، ورئيس جمهورية (راحل)، وفريقًا رئاسيًّا، كل هذه الثروة البشرية السياسية الضخمة، والمغيب أغلبها داخل السجون، تهدر لصالح أحزاب لا تمتلك مثل هكذا مقومات، أو لصالح أحزاب جديدة تشتت جهود هؤلاء جميعًا وخبراتهم، بل يتخذ قرار كهذا في غيبتهم.

ثالثًا: تعدد الولاءات الحزبية داخل الجماعة

سيعمل كل فريق على نشر هذه الحزبية في أكبر استقطاب ممكن للأفراد، وهو ما سيحول الجماعة إلى ساحة صراع؛ فيكون تعظيمًا للداء من حيث ظن من وضع هكذا قرار أنه دواء.

ونحن نعيش الآن صراعًا بين طرفي الإخوان على جسم الجماعة، شهدنا من طرف ما تسمى الجبهة التاريخية أفعالًا لا يمكن أن يتصورها منتم للجماعة، أو محب لها، فكيف الحال والصراع حزبي يُباح به ما لا يباح بغيره؟!

رابعًا: ضد المنطق

لا يمكن تخيل أو تصور أن لكل أيديولوجيا على وجه الأرض حزبًا سياسيًّا يمثلها، ويعمل على تحقيق أهدافها، بينما أكبر جماعة إسلامية ترى أنها ليست أهلًا لذلك، ولا قادرة عليه، وترى في من هم أقل منها أقدر على تبعاتها، فترسل أبناءها ليتوزعوا عليها.

خامسًا: فرط عقد الجماعة

إذا رأيت مثلًا حزب الوسط، أو البناء والتنمية، أو غيرهم ممن هم قريبون فكريًّا أو بالمنهج أفضل معبر عنك سياسيًّا، فماذا سيمنع أن يكونوا أفضل منك نهجًا وفكرًا؟

وإذا لم تكن الجماعة قادرة على إنتاج حزب يعبر عنها، ويحول أفكارها إلى مشروع قابل للحياة؛ فبالتأكيد من يستطيع ذلك سيكون أقوم وأفضل.

سادسًا: تقييد خيارات المستقبل

لقد عانت الجماعة الأمرين من تقييد خياراتها المستقبلية، حينما أعلنت أنها لن تترشح سوى على الثلث، ثم اضطرت للتراجع، ثم أعلنت أنها لن تترشح للرئاسة، ثم تراجعت، ودفعت ثمن هذا من مصداقيتها، فما الداعي لتقييد المستقبل عقب هذه التجارب المريرة؟

سابعًا: ما تسرب عقب أسبوعين من البيان وعقب اتساع الرفض

هو أنه لم يتم الموافقة عليه بطريقة إدارية سليمة، فهل سيكون سليمًا ما لم يأت بطريق سليم؟!

أيها القارئ الكريم، حينما تتخلى اليوم عن النشاط الحزبي من أجل أخطاء مدتها عامان أو ثلاثة، فهل ستتخلى عن الجماعة ككل مستقبلًا وهي لم تحقق أهدافها حتى الآن عقب 90 عامًا؟ ومن يتخلى اليوم عن النشاط الحزبي لصالح أحزاب أخرى ما الذي سيمنعه أن يتخلى عن النشاط الدعوي لصالح الأزهر، وعن النشاط الخيري لصالح جمعيات الدولة، والنقابي لصالح روابط المهنيين، وهكذا.

إن ضربات خصمك قد لا تكون كفيلة لإنهائك، لكنها تفتح الباب لتقوم أنت بذلك، والنوايا الحسنة لا تصلح خطأ، ولا تُجمل قبيحًا، فلا يمكن الحديث عن مقاصد حسنة مع وجود هذا النص الواضح الذي يحتمل السيئ والأسوأ.

إن رؤية المكتب العام التي صدرت من قبل كانت تحمل التخصصية، وفصل المسارات، مما شجع الكثيرين واستبشروا خيرًا بجمع الكفاءات في كل تخصص في عمل جماعي، فإذا به يصطدم اليوم برغبة بتوزيع كفاءات الجماعة كهدايا معلبة على آخرين!

إن هذا البيان لن يقرب نصرًا، ولن يكسر انقلابًا، وإنما أكل من أرضية وجمهور من أصدروه، وهو ما يتوجب عليهم مراجعته، وإعادة تقييم جدواه، وعلاجه بأسرع وقت ممكن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد