يبقي بركان الجماهير خاملًا؛ توضع الجماهير في فوهة البركان على نار الدعاية السياسية مع القليل من المزج والخلط؛خلط الحقائق قبل تصفيرها؛ ليتم غسل الأدمغة بعد الثورات الشعبية أو الانقلابات؛ تحتاج الجماهير إلى مجموعة من الحقائق الجديدة التي تتسق مع المرحلة، يختلق العقل الجماعي مجموعة من المستحيلات التي حققها النظام الجديد؛إخلاصًا له وإيمانًا به، لحث البقية التي تمتلك بعض المنطق، ليس التوقف عن التفكير، ولكن عن محاولات التوعية التي تجد أنها مجهود يذهب هباء منثورًا؛ فتصبح ألوان الطيف السبعة لونًا واحدًا هو لون النظام.

تاريخ الدعاية بدأ قديمًا؛ فالسامري قد أخذ قبضة من أثر الرسول موسى عليه السلام؛ فأخرج إلهًا جديدًا ، بالرغم من أنه عجل جسد، كان خوار السامري الذي لم يتوقف عن أذان المسلمين، والذي كان بينهم الرسول منذ 40 يومًا؛ لينقلبوا على الدين وعلى العقل؛ فما بالك بمسلمي اليوم الذي رحل عنهم الرسول منذ قرون، وليس أيامًا.

تتوقف سرعة انسياب الجماهير في أنبوب الدعاية للأنظمة السياسية على قوة الأيديولوجيا، وحجم الخطر الذي يهدد بقاء الدولة، في هذه الحالة لا صوت يعلو فوق صوت اللامنطق، وتبقى الحقوق أسيرة التدوين دون تطبيق.

في كوبا تعامل تشي جيفارا بمنطق الأيديولوجيا السياسية، عندما أضحى وزيرًا للزراعة، فالأمر في نظر جيفار كان معادلة بسيطة، بالرغم من عدم إلمامه بمجال وزارته، العمل في الأراضي مع الفلاحين مع بعض الصور للزعيم المكافح في حقول القصب وهو يجني ثمار تجربة بلادة الثورية، والتي باءت بفشل التجربة الزراعية، أو جيفارا في حقيبته الوزارية.

قبل جيفارا أتقن الألمان فكرة الدعاية السياسية: فتحالف الرايخ الألماني مع تركيا في الحرب العالمية الأولى لم يكن ليتأصل دون دعاية، انطلق الألمان لحشد المسلمين حول العالم بفكره (برلين – بغداد) لمزيد من النفوذ، انطلاقا من فكرة الخطر الخارجي، فافتتحت جريدة أسبوعية ناطقة بالعربية، في برلين أطلق عليها الجهاد؛ لحشد العرب إلى جوار الحليف التركي، كما تم ترجمة كتاب لعالم الدين التونسي صالح الشريف إلى الألمانية، يوضح حقيقة الجهاد في الإسلام.

ستالين الرجل الحديدي القابض على جليد الاتحاد السوفيتي، أفلامة الدعائية أيضًا لم تتوقف، في بداية حكمه أطلقت ألقاب ضمنية، مثل Iron man عن النموذج المثالي للعامل في ظل ستالين، وهو العامل الخارق الذي ينتج 14 ضعفًا من الفحم؛ لينير بجسده الاتحاد السوفيتي.

تقوم فلسفة الأنظمة السياسية في الدول النامية على فكرة الدعاية، فما عجزنا عن تطبيقة في الواقع لن يعجز خيالنا عن سرده للجماهير، في حالة النشوة في مصر، إبان حكم عبد الناصر، انتشرت الدعاية لتنسب كل ما هو سوبر إلى النظام القائم، فتدولت دعاية النظام كالنار في الهشيم، مثل البلاستيك الذي لا يحترق، والرمال التي تحولت بفضل عقول العلماء إلى ذهب، وآمن وصدق عليها البلهاء.

لا ضير أن تقوم بالدعاية والتسويق للنظام، لكن جوهر هذا الدعاية أن تبقة دعاية لدى النظام، وحقائق لدى الجماهير، فالدعاية الإسرائيلية لا تتوقف عن نعت الأعداء، وإضفاء صفة المؤامرة على سكان المنطقة، إلا أن أنظمة القبة الحديدية لا تعبأ لتلك الدعاية، وترتيب جيش الاحتلال في تصاعد، فاكذب ليصبح كذبك صدقًا عند الجماهير، وليس عندك أنت.

إذا قام جوهر النظام داخليًا على زيف الدعاية، فقد أضحى نظاما بلا جوهر، بل تحول الأمر من سلاح في يد النظام، إلى سلاح في وجهه، فكثرة الأكاذيب هي طريق الحقيقة الوحيد، والجماهير لو تخلت عن دعاية النظام لأصبح بقايا نظام، أجهز على نفسه قبل أن تجهز عليه الجماهير.

أما الدعاية خارجيًا فهي ضرورية وحتمية في ظل شريعة الغاب، وهذا المسلك محمودة عواقبه، فستالين عندما كان حليفًا لهتلر في الحرب العالمية الثانية كان سفاحا، وعندما قادته الظروف إلى الارتماء في أحضان أمريكا تحول إلى العم ستالين على غرار العم سام.

في يوم ما وقفنا مذهولين أمام دعايتنا، صدقناها فأعيانا الحال، فالأرض لمن يحررها، والأفكار لمن يحملها، والدعاية لمن جهلها، في الجهل دواء لوعي كان داء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد