الطرح الإعلامي الميكانيكي لأي مسألة سياسية، يخرجها من وسطها العلمي بالمعنى التحليلي، ليس بحسب العلوم السياسية، بل بحكم الخبرات التاريخية، والواقع المعرفي الاحترافي على الأرض لجذر المشهد، وحقيقة الصراع ومحركيه، مع الأخذ في الاعتبار أن ظاهر القول في السياسة قد لا يمس الباطن في الغالب الأعم، قد تكون تلك معضلة العامة، لكنها أحد ميكانيزمات العمل السياسي، وبوجه أكثر خصوصية إذا كانت تمس استراتيجيات الدول.

في عالمنا الإسلامي الكبير، وكذلك الشرق أوسطي، لا تحكمه النظم، وإن كانت متحكمة، على قدر الهامش المتاح لها من قِبل النظام العالمي، بل تابعين ومنفذين للاستراتيجيات التي يحددها النظام العالمي، التي تضمن له الهيمنة، وفق منظور قابل للتغيير والتعديل، تحدده الحاجة الجغرافية، والتاريخية، والاقتصادية، هذه الحالة من الكيمياء البشرية أفرزت علاقة عكسية، لا طردية، بين شعوب عالمنا الإسلامي، والشرق أوسطي، والنظم الشكلية التابعة للنظام العالمي، الحاكم الخفي.

فما العلاقة بينهم؟ الحاكم والرعية، سوى مسافات لا مساق لها، وأي طرح يناقش هذه المسألة دون تبيين هذه العقدة، فهو كمن ينسج خيوط من الطوباوية لثوب لم يحدد بعد مقاس من يرتديه!

ومن الجدير بالإشارة أن من أهم عوامل بقاء النظام العالمي الحاكم الخفي؛ إدراج الجيوش في المنظومة باعتباره أحد أهم الثوابت المركزية للتدخل، مثل الحارس، والعسكري المصنوع لبقاء المنظومة العالمية، التي تم إنشاؤها على الأنقاض المبعثرة لدولة الخلافة العثمانية.

ومن الجدير بالذكر هنا، توضيح أن سعي الدولة التركية لتتريك الجيش، وجعله وطنيًّا، يُعد أحد الأسباب الجوهرية للهجمة العالمية على نظام أنقرة، والسعي الدؤوب لإسقاط النظام الحاكم التي تبدت معالمه في الانقلابات العسكرية التي حدثت، حتى أن مقتل الصحفي العربي «خاشقجي» كان سيناريو أريد له أن يتطور بآلية مُعدة سلفًا للإطاحة بأركان النظام الحاكم لأنقرة، ناهيك عن المحاولات المستميتة لضرب الاقتصاد التركي.

هل ثمة استثناءات لدى النظام العالمي الحاكم؟ نعم؛ ثمة استثناءات تتمثل في دول يمكن تسميتها (مناطق تصنيع الصراعات) بالمعنى الحرفي لمدلول التصنيع، مثل بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، والدولتين المركزيتين الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا (الاتحاد السوفيتي) سابقًا، وهاتين الأخيرتين تعدان من أشرس الدول التي تتحكم بقدر كبير في قيادة وصناعة الصراعات، ومن أعتى الدول في تصنيع الآلة العسكرية، وأكثرهم امتلاكًا للأسلحة البيولوجية، والنووية، وأسلحة الدمار الشامل (المحرمة دوليًّا).

وبدورنا نطرح علامة استفهام، هل هناك منطقة من الممكن تسميتها بالمنطقة الخضراء؟ قطعًا الإجابة: نعم، فمن المنطقي أن مناطق تصنيع الصراعات للدول سالفة الذكر، تعد مناطق خضراء تقل فيها الأزمات الاقتصادية، والنزاعات الإثنية، وكذلك الدينية، والمذهبية، وتتسع فيما حولها بقدر القرب والبعد نسبيًا، كالذي يحرص على إطفاء حريق جاره، حتى لا تنال من داره، وقد يكون هناك استثناءات يقتضيها البعد الاستراتيجي الذي يلعب عليه النظام العالمي لخطة مرهونة بالحساب الزمني.

وحسابات الهيمنة تقتضي دائمًا تصغير الكبير، وتفتيت الصغير، وخلق المعوقات للقوى الصاعدة، وتركيا هي مثال دامغ، بيد أن إيران تُعد استثناءً؛ لأن تاريخها وكل ماضيها وحاضرها (الذي يستشكل على بعض المراقبين) يستوجب (من وجهة نظر النظام المركزي العالمي)، التعامل معه، وإشراكه على المسرح السياسي الكبير، مع مراقبته وتحجيمه عسكريًّا واقتصاديًّا، وكذلك جغرافيًّا، وهنا نهمس لمن لم يعِ الوجود الإيراني في بعض العواصم العربية، ليس وجودًا استعماريًّا خالصًا؛ لأن العبرة من يمتلك القرار، ومن يحدد الدور والحركة النهائية على المستوى الاجتماعي، والسياسي، وبالطبع الاقتصادي.

هل ثمة بؤرة للصراع يتمركز حولها النظام العالمي ليظل في السيادة؟ وما هي الخطوط الحمراء لديه؟ وأسئلة أخرى سنتناولها في الجزء الثاني بمشيئة الله، مع ضرب أمثلة دامغة من الواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد