أولًا: أهمية البحث

تعد هذه الدراسة مسألة مهمة جدًّا؛ لأن المسؤولية تنشأ من العمل غير المشروع (الفعل الضار)، ولأنه توجد علاقة بين المسؤول والمضرور نتيجة هذا العمل غير المشروع، فلا بد من البحث حول هذه العلاقة وما يترتب عليها من التزامات

على من قام بالفعل الضار

ونبحث في هذه الدراسة أيضًا عن النصوص القانونية التي وردت على هذا الموضوع هل هي كافية؟

أم أن نصوص القانون تحتاج إلى التعديل لضمان حقوق الأفراد الذين يتضررون نتيجة الفعل الضار؟

ثانيًا: مشكلة البحث

المسؤولية التقصيرية لا تقوم إلا على الخطأ، ولكن، هل يشكل الخطأ الأساس الأمثل، المتلائم والمتوافق مع غاية المسؤولية التقصيرية؟ وبتجريده عن غاية المسؤولية التقصيرية، هل يصلح الخطأ بطبيعته الفضفاضة ليؤسس لوضع قانوني ما؟

وهل هناك تعويض يجبر الضرر الذي لحق المضرور نتيجة الفعل غير المشروع؟

البحث في الأشخاص الذين يحق لهم المطالبة بالتعويض عن الضرر نتيجة الفعل غير المشروع

ثالثًا: منهجية البحث

جرى الاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي في هذا البحث.

رابعًا: الدراسات السابقة

يوجد عدة أبحاث كتبت في هذا الموضوع ومنهم:

1- بحث حول المسؤولية التقصيرية، فرح الروسان، 2020، موقع سطور.

2- رسالة ماجستير عن ركن الخطأ في المسؤولية التقصيرية، موقع أكاديمية مبتعث، دراسة مقارنة بين القانون المدني الأردني والقانون المدني المصري.

خامسًا: المقدمة

القاعدة العامة في القانون المدني الأردني أن كل فعل يصيب الغير بضرر يستوجب التعويض حتى ولو كان صادرًا من شخص غير مميز كالطفل والمجنون.

وعلى ذلك نصت المادة (256) من القانون المدني الأردني بقولها «كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر»، ويستند هذا النص إلى قول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» لذلك جعل المشرع الفعل الضار فعلًا غير مشروع وسببًا لضمان ما ترتب عليه من تلف.

والفرق واضح بين نص المادة (256) من القانون المدني الأردني وما يقابلها في القانون المدني المصري المادة (163).

أما في القانون المصري والفرنسي فإن القاعدة العامة أن كل شخص تسبب بخطئه بضرر للغير فإنه يسأل عن التعويض، أي إن ارتكاب المسؤولية التقصيرية في فرنسا ومصر وسوريا هي الخطأ والضرر وعلاقة السببية بين الخطأ والضرر(1).

ويقابل ركنا الخطأ في هذه القوانين ركن الفعل (سواء أكان إيجابيًّا أم سلبيًّا) في القانون الأردني.

أما الركنان الآخران وهما الضرر وعلاقة السببية فهما متماثلان في القانون المدني الأردني والقانون المدني المصري.(2)

سادسًا: المبحث الأول

أركان المسؤولية التقصيرية

هناك ثلاثة أركان للمسؤولية التقصيرية سوف نبحث فيهم في هذه الدراسة.

المطلب الأول:

الركن الأول: الفعل (المباشرة أو التسبب )

يفرق القانون الأردني في هذا المجال بين الإضرار بالمباشرة والإضرار بالتسبب.

وهذه التفرقة مأخوذة من الفقه الإسلامي، حيث ورد في المادة (257) من القانون المدني ما يلي:

1- أن يكون الإضرار بالماشرة أو التسبب.

2- فإن كان بالمباشرة لزم الضمان ولا شرط له، وإذا وقع بالتسبب فيشترط التعدي أو التعمد، أو أن يكون الفعل مفضيًا  الضرر.

ويكون الإضرار بالمباشرة إذا انصب فعل الإتلاف على الشيء نفسه، كمن يكسر لغيره، ويكون الإضرار بالتسبب بإتيان فعل في شيء آخر فيفضي إلى إتلاف الشيء.

ومثال على ذلك قطع حبل معلق به قنديل فيؤدي ذلك إلى وقوع القنديل وانكساره فهذا الإتلاف للسبل يكون بالمباشرة والإتلاف للقنديل يكون بالتسبب، ومثاله أيضًا الحفر في الطريق العام مما يؤدي إلى وقوع إنسان وموته، فموت الإنسان هنا كان بالتسبب.

ويشترط القانون كما هو واضح في المادة 217 أن يكون هناك تعمد أو تعدٍّ، أو أن يكون الفعل مفضيًا إلى الضرر حتى يمكن مساءلة المتسبب بالضرر، أما المباشر فيلزمه الضمان بلا شرط.(3)

ومرجع التفرقة في الحكم بين المباشرة والتسبب، أن المباشرة علة مستقلة وسبب للإضرار بذاته، فلا يجوز إسقاط حكمها بداعي عدم التعمد أو عدم التعدي أي إنه في حالة المباشرة لا يشترط التعمد أو التعدي، ويشترط ذلك في حالة الإضرار بالتسبب، وذلك لأن التسبب ليس علة مستقلة فلزم أن يقترن العمل فيه بصفة التعمد أو التعدي ليكون موجبًا للضمان. (4)

وكلمتا «التعمد» و«التعدي» ليستا مترادفتين إذ المراد بالتعمد تعمد الضرر لا تعمد الفعل، والمراد بالتعدي ألا يكون للفاعل حق في إجراء الفعل الذي حصل منه الضرر، والشخص قد يتعمد الفعل ولا يقصد به الضرر، ولكن يقع الضرر نتيجة غير مقصودة، فإن كان الإضرار (كالإتلاف ) بالمباشرة لم يشترط التعمد ولا التعدي، وإذا كان بالتسبب اشترط التعمد والتعدي، وقد صيغ هذان الحكمان في الفقه الإسلامي في قاعدتين هما «المباشر ضامن ولو لم يتعد، والمتسبب لا يضمن إلا بالتعمد أو التعدي».

والقاعدة أنه إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشرة، وعلى هذا نصت المادة (258) من القانون المدني الأردني «أنه اذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر».

فلو حفر رجل بئرًا في الطريق العام فألقى أحد حيوانًا في البئر، ضمن الذي ألقى الحيوان في البئر ولا شيء على حافر البئر، وذلك لأن حفر البئر بحد ذاته لا يستوجب تلف الحيوان، ولم ينضم إليه فعل المباشر، وهو إلقاء الحيوان في البئر، أما إذا كان ذلك الحيوان سقط بنفسه في البئر، فالضمان يكون على حافر البئر ما لم يكن حفر البئر تم لمصلحة عامة وبأمر السلطة.

ومن ناحية أخرى تنص المادة (259) من القانون المدني الأردني على أنه «إذا غر أحد آخر ضمن الضرر المترتب على ذلك الغرر» والتغرير يكون بحمل الغير على قبول ما لا خير فيه بوسيلة كاذبة مضللِّة ترغب فيه بزعم أن فيه المصلحة، بحيث لو عرفت حقيقته ما قَبِله، والتغرير قد يكون بالقول وقد يكون بالفعل.(5)

واذا أثبت الدائن في المسؤولية التقصيرية وقوع الفعل من المدين، رجع المدين على الدائن الذي قام بالفعل، إلا أن المدين يستطيع أن يزيل عن الفعل صفة عدم المشروعية فيقلبه إلى عمل مشروع لا يوجب مسئولية، وذلك إذا أثبت أنه وقت ارتكاب هذا العمل كان في إحدى حالتين، هما:الدفاع الشرعي، وحالة تنفيذ لأمر صادر من الرئيس – تنص المادة (262)من القانون المدني الأردني على أن «من أحدث ضررًا وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو ماله أو عن نفس الغير أو ماله، كان غير مسؤول على ألا يجاوز قدر الضرر، وإلا أصبح ملزمًا بالضمان بقدر ما جاوزه»، وهذه المادة تستند إلى ما روي عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، من قوله «من قاتل دون أهله أو ماله فهو شهيد».

وكذلك يستند هذا إلى مبدأ «وجوب تحمل الضرر الأخف بالضرر الأشد»، «وأن الضرورات تبيح المحظورات»، «والضرورات تقدر بقدرها».

والدفاع الشرعي عن النفس أو المال يبيح التعدي ويجعله مشروعًا، ولكن يجب في ذلك توافر عدة شروط:

1- أن يكون هناك خطر حال على نفس المدافع أو ماله، أو على نفس الغير أو مال هذا الغير.

2- أن يكون إيقاع هذا الخطر عملًا غير مشروع.

3- أن يكون دفع الاعتداء بالقدر اللازم دون مجاوزة أو إفراط.

تنص المادة (263) من القانون المدني الأردني على أنه!

1- يضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر ما لم يكن مجبرًا، على أن الإجبار المعتبر في التصرفات الفعلية هو الإكراه الملجأ وحده.

2- ومع ذلك لا يكون الموظف العام مسؤولًا عن عمله الذي أضر بالغير إذا قام به تنفيذًا لأمر صادر إليه من رئيسه، متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه، أو كان يعتقد أنها واجبة وأقام الدليل على اعتقاده بمشروعية العمل الذي وقع منه وكان اعتقاده مبنيًّا على أسباب معقولة، وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر.(6)

المطلب الثاني

ثانيًا: الركن الثاني (الضرر)

الضرر هو الركن الثاني للمسؤولية التقصيرية، فليس يكفي لتحقيق المسؤولية أن يقع فعل تعد (سواء كان بالمباشرة أم بالتسبب)، بل يجب أن يحدث الفعل ضررًا والمضرور يثبت وقوع الضرر به، ووقوع الضرر واقعة مادية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات، بما فيها الشهادة والقرائن، وقد يكون الضرر الذي يصيب الشخص ماديًّا وقد يكون أدبيًّا.

أما الضرر الأدبي فهو الذي يصيب الإنسان في جسمه وماله، وهو الأكثر الغالب، وهذا الضرر يجب أن يكون محقق الوقوع، بأن يكون وقع فعلًا أو سيقع حتمًا، ومثال ذلك موت المضرور أو عجزه عن العمل بصورة دائمة أو مؤقتة، ولكن يسأل الفاعل عن الضرر المحتمل وهو ضرر غير محقق قد يقع وقد لا يقع، فلا يكون التعويض إلا إذا وقع فعلًا، ومع ذلك يجب التمييز بين الضرر المحتمل الذي لا يعوض عنه وتفويت الفرصة، وهو ما يقبل التعويض، ذلك أن الفرصة إذا كانت أمرًا محتملًا فإن تفويتها يعد أمرًا محققًا، وبذلك يجب التعويض على من تسبب بفعله بتفويت فرصة النجاح في الامتحان، والتعويض عن الموظف الفرصة في الترقية إلى درجة أعلى.

وقد يكون الضرر أدبيًّا يصيب المضرور في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه، وقد نصت المادة (267) من القانون المدني الأردني على أن حق الضمان يتناول الضرر الأدبي أيضًا حيث ورد فيها، وفي الفقرة الأولى «يتناول حق الضمان الضرر الأدبي، كذلك فكل تعدٍّ على الغير في حريته، أو في عرضه، أو في شرفه، أو في سمعته، أو في مركزه الاجتماعي، أو في اعتباره المالي، يجعل المتعدي مسئولًا عن الضمان بل تذهب محكمة التمييز إلى أبعد من ذلك؛ إذ تجيز المطالبة بالتعويض عن الضرر الناتج من استعمال العنوان التجاري، وهي تعطي ذلك الشخص المعنوي كما تعطيه للشخص الطبيعي.(7)

ومن هذا النص الصريح يكون المشرع الأردني قد أخذ بما استقر عليه الرأي في العصر الحاضر من وجوب التعويض عن الضرر الأدبي بوجه عام، بعد زوال ما خامر الأذهان من عوامل تردد في هذا الصدد.

على أن جمهور الفقهاء المسلمين لا يسلم عن التعويض عن الضرر الأدبي إجمالًا، وعلى الرغم من ذلك لم يجد المشرع الأردني ضيرًا في الأخذ بما أخذت به القوانين الحديثة من إمكانية التعويض عن الضرر الأدبي، وعليه يجوز للقاضي أن يحكم بتعويض المضرور عما يصيبه من ضرر في جسمه أو مساس في شرفه، أو سمعته، أو سمعة عائلته، أو حريته الشخصية أو انتهاك حرمة مسكنه، أو حرمة سر يحرص عليه، ومع ذلك فإن القضاء الأردني مستقر على أن التعويض عن الضرر المعنوي بناء على ما عاناه الشخص من الآلام النفسية نتيجة الإصابة في حادث تصادم مثلًا يخرج عن مفهوم الضرر الأدبي.

من له حق التعويض عن الضرر الأدبي؟

تنص الفقرة الثانية والثالثة من المادة (267) من القانون المدني الأردني على ما يلي:

1- ويجوز أن يقضي بالضمان للأزواج وللأقربين من الأسرة عما يصيبهم من ضرر أدبي بسبب موت المصاب.

2- ولا ينتقل الضمان عن الضرر الأدبي إلى الغير إلا إذا تحددت قيمته بمقتضى اتفاق أو حكم قضائي نهائي.

ويتبين من النص أعلاه أن من يحق له المطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي هو المضرور بطبيعة الحال، وكذلك من يضار أدبيًّا بسبب موت المصاب من أزواج وأقارب، وقد رؤي عدم تحديد الأقارب بدرجة معينة، بخلاف القانون المصري في المادة (222)؛ إذ حصر المشرع المصري هذا بالأقارب إلى الدرجة الثانية – أي إنه في القانون الأردني جرى ترك ذلك لتقدير القاضي حسب الأحوال.(8)

المطلب الثالث:

الركن الثالث: (العلاقة السببية بين الفعل والضرر)

تنص المادة (261) من القانون المدني الأردني على أنه «إذا ثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كآفة سماوية أو حادث فجائي أو قوة قاهرة أو فعل الغير أو فعل المتضرر، كان غير ملزم بالضمان ما لم يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك.

هذه المادة تقرر مبدأ خاصًّا بعلاقة السببية، بمعنى أنه إذا لم توجد رابطة السببية بين الفعل والضرر لا يكون الشخص الذي وقع منه الفعل مسئولًا ولا تنتفي علاقة السببية، وتنفي علاقة السببية إذا وجد السبب الأجنبي أو فعل الغير أو فعل المتضرر.

أما بالنسبة للسبب الأجنبي فقد ذكرت المادة (261) السابق ذكرها أمثلة على ذلك وهو الآفة السماوية والحادث الفجائي والقوة القاهرة، والقاسم المشترك بينهم جميعًا هو «عدم إمكان التوقع واستحالة الدفع »، ومع ذلك الحرب والزلزال والحريق والسرقة وصدور أمر إداري واجب التنفيذ ونحو ذلك من الحوادث، ما دام شرطًا استحالة التوقع واستحالة الدفع قد توافرا.

أما بالنسبة لفعل المضرور فيفترض هنا أن الضرر الذي حصل كان متصلًا بشخص معين ولكن فعل الشخص لم يكن هو السبب في حصوله؛ لأن فعل المتضرر نفسه استغرق فعل هذا الشخص، بأن كان يفوقه كثيرًا في الجسامة والتأثير في النتيجة، ومثال ذلك أن يتعمد المضرور إلحاق الضرر بنفسه فيرمي بنفسه أمام سيارة تسير بسرعة، فيكون فعل المضرور مستغرقًا لفعل السائق الذي يسير بسرعة، أو كان فعل هذا الشخص ما هو إلا سبب أو نتيجة لفعل المضرور، ومثال ذلك سائق سيارة يفاجأ بطفل يقطع الشارع جريًا فيؤذيه، ففي هذه الحالة يكون السائق غير مسؤول لأن علاقة السببية انتفت.

أما اذا لم يستغرق أحد الفعلين فعل الآخر بل بقيا متميزين، كل منهما اشترك في احداث الضرر مستقلًّا، كان للضرر سببان فعل المضرور وفعل الشخص الآخر ويكون كل منهما مسؤولًا، بقدر ما تسبب في الضرر(9).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد