• تأسيس الاتحاد العام لطلبة تونس

انعقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد في يوليو (تموز) 1953 بباريس تتويجًا لنضالات الشبيبة الطلابية والتلميذية المنخرطة في الكفاح الشعبي ضد الاستعمار المباشر منذ 1881، واستكمالًا لمسار تكوين المنظمة السرية «الاتحاد العام لتلامذة وطلبة تونس» التي أحدثت في 1952 لتجاوز حالة التشتت التي أنتجتها السياسة التربوية الاستعمارية.
لم تعترف السلطات الفرنسية بالاتحاد العام لطلبة تونس لطرحه في لوائحه التأسيسية مقاومة نظام «الحماية» المنتصب في تونس منذ 1881. لاقى تأسيس الاتحاد التلميذي والطلابي دعمًا كبيرًا من القوى السياسية والنقابية الوطنية، وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل، وأمينه العام فرحات حشاد، وقد شارك الاتحاد العام لطلبة تونس في المعركة الوطنية ضد الاستعمار المباشر، وكانت الانطلاقة بإضراب 21 مارس (آذار) 1952 بكامل المعاهد والمدارس تنديدًا بالقمع الاستعماري الوحشي.

  • منظمة صوت الطالب الزيتوني

 انطلق المسار التأسيسي لمنظمة ناطقة باسم طلبة جامع الزيتونة في أواخر سنة 1949 حتى 10 أبريل (نيسان) 1950 تاريخ اجتماع طلابي كبير أفرز انتخاب «لجنة صوت الطالب الزيتوني» التي أكدت مقاومة النهج الاستعماري الطامس للشخصية الوطنية، وطالبت بعدم حصر جامع الزيتونة في تعليم اللغة العربية.

 هذه المنظمة جاءت أيضًا مناهضة للتوجه الطبقي للتعليم، الذي يخدم أساسًا أبناء المعمرين والطبقات المستثرية على حساب أبناء الشعب المفقر. وقد لخصت مطالبها أساسًا في عصرنة التعليم بجامع الزيتونة، وتحسين ظروف الدراسة والمعيشة، وفتح آفاق التشغيل أمام الزيتونيين عبر تنظير شهاداتهم مع الشهادات الحكومية. منظمة صوت الطالب الزيتوني اهتمت فقط بالمطالب الخصوصية لطلبة الجامع، ولم تطرح توسيع العمل الطلابي والتلميذي خارج إطار نشأتها.

بان الصراع «اليوسفي البورقيبي» فانحاز الزيتونيون لصالح بن يوسف، فلقي أغلبيتهم بعد اغتيال بن يوسف القتل والسجن والطرد، أما ما تبقى منهم فقد انضموا طواعية إلى الاتحاد العام لطلبة تونس عقب نداء «توحيد الصف الطالبي» الذي أطلقه الاتحاد في يوليو 1954.

  • علاقة الاتحاد العام لطلبة تونس بالحزب الحر الدستوري الجديد

 وجد الطلبة الدستوريون في مسار تأسيس الاتحاد بعد رفع حزبهم مطلب «الاستقلال» الذي بان بالكشف زيفه بعد صفقة 20 مارس 1956.  تنامت مساعي الدساترة للهيمنة واحتواء المنظمة الطلابية، عبر الاستحواذ على المواقع القيادية وتمويل المؤتمرات ورعايتها، وقد جاء المؤتمر 11 المنعقد بالكاف سنة 1963 بميثاق الطالب التونسي، الذي كرس وصاية حزب الدستور على الاتحاد العام لطلبة تونس، وأقر طرد 12 مناضلًا معارضًا من الاتحاد، وفي سنة 1965 أقر دمج الاتحاد العام لطلبة تونس والجامعة القومية للطلبة الدستوريين، وهو ما مثل توجهًا ممنهجًا لجعل المنظمة الطالبية بوق دعاية للسلطة القائمة في الوسط الجامعي.

 تميزت هذه الفترة أيضًا بتصاعد الوعي الوطني الثوري المناهض للمد الدستوري في الجامعة، هذا الوعي المتأثر بالواقع القطري والقومي والأممي، فكانت أولى المصادمات مع أجهزة السلطة وزبانيتها عقب تجمع عام ببورصة الشغل في اغتيال باتريس لوممبا، ووقع إحياء اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفيتنامي في نوفمبر (تشرين الثاني) 1967، واجتاحت شوارع العاصمة مظاهرات كبرى في فبراير (شباط) 1968 ضد زيارة نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك في فبراير 1970 ضد زيارة كاتب الدولة الأمريكي «روجرس».

  • المؤتمر 18 لسنة 1971 وانقلاب قربة

انطلاقًا من المؤتمر 16 لسنة 1968 بدأت تطرح بقوة مسألتا المعتقلين السياسيين والديمقراطية النقابية، وتدعم خلال هذه الفترة حضور العناصر الطلابية التقدمية التي حازت في المؤتمر 18 في قربة سنة 1971 على الأغلبية النيابية (105 من 180) وهو ما يسمح لها بطرح تنقيحات على ميثاق الطالب التونسي وعلى النظام الداخلي للاتحاد العام لطلبة تونس، في اتجاه التخلص من الهيمنة الدستورية، غير أن أجهزة القمع البوليسي بإيعاز من حزب الدستور اقتحمت المؤتمر، وعطلت انتهاء أشغاله، ونصبت قيادة دستورية منقلبة على إرادة المؤتمرين.

رفضت الأغلبية النيابية ومن ورائها الجماهير الطلابية هذا الانقلاب، واعتبرت أن المؤتمر 18 لم ينه أشغاله؛ فرفعت شعارات مطالبة بمؤتمر 18 خارق للعادة، وخيضت نضالات وتحركات طلابية كبرى من أكتوبر (تشرين الأول) 1971 إلى بداية فبراير 1972 حين وقعت الدعوة إلى تجمع طلابي بالمركب الجامعي في تونس.

  • حركة فيفري 1972: إضافة متميزة في تاريخ الحركة الطلابية

احتشد حوالي خمسة آلاف طالب بكلية الحقوق بتونس مطالبين بالمؤتمر 18 خارق للعادة، وتحول هذا التجمع الطلابي الجماهيري إلى مؤتمر حضوري انبثقت عنه لجان ناقشت لوائح سياسية، نقابية، ثقافية، نظامًا داخليًّا. كما رفعت شعارات مكرسة للخط الوطني الكفاحي للاتحاد العام لطلبة تونس، ومتخلصة من الهيمنة والوصاية الدستوريتين، ومؤكدة الارتباط العضوي للحركة الطلابية بالحركة الشعبية.

لإيقاف هذا «الانفلات» لم يكن من سلطة حزب الدستور سوى إعطاء الأوامر لقوات البوليس بمحاصرة المركب الجامعي ومداهمته، قبل انتهاء أشغال المؤتمر واعتقال المئات من الطلبة الحاضرين، وسجن كثيرين منهم.

 أفرزت حركة فيفري 1972 مجموعة من الشعارات مثلت فيما بعد البوصلة النضالية السياسية والنقابية للمناضلين، وكذلك كانت بمثابة التتويج لهذه المعركة البطولية، وأهم هذه الشعارات:

–  جامعة شعبية، تعليم ديمقراطي، ثقافة وطنية،
–  القطيعة التنظيمية والسياسية مع السلطة.
– الحركة الطلابية جزء لا يتجزأ من الحركة الشعبية.
–  مساندة كافة قضايا التحرر الوطني وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
–  إنجاز المؤتمر 18 خ.ع.

  • تجربة الهياكل النقابية المؤقتة

 لم تفلح الجماهير الطلابية إلى ما بعد حركة فيفري 1972 في إنجاز المؤتمر الـ18 خارق للعادة؛ فظلت تتباحث فيما بينها لإيجاد صيغة جديدة لإعادة بناء المنظمة، فجاء مقترح الهياكل النقابية المؤقتة التي توكل إليها مهام تحضير المؤتمر عبر تنظيم وتأطير الطلبة في الأجزاء الجامعية، ضامنة بذلك استمرار الخط المناضل داخل الاتحاد العام لطلبة تونس، وقد انطلقت في عملها بداية سنة 1973.

اختلفت الرؤى والتصورات ما بين المكونات الطلابية اليسارية، خاصة داخل الهياكل النقابية المؤقتة في عالقة في طريقة الوصول إلى المؤتمر، بين التعزيز والإنجاز من جهة، والفرض والشرعية من جهة أخرى، لكن ما لم تفلح فيه أيضًا الهياكل النقابية المؤقتة هو إنجاز المؤتمر 18 خارق للعادة للاتحاد العام لطلبة تونس إلى حدود انقلاب 7 نوفمبر 1987.

  • ضرب وحدة الصف الطالبي بتكوين منظمة موازية للاتحاد العام لطلبة تونس

 بينما كانت المكونات الطلابية التقدمية تتطارح فيما بينها الطريقة الأنجع لإنجاز المؤتمر الـ18 خارق للعادة، ظهرت مقولة جديدة على الساحة الطلابية وهي «مقولة التأسيس» وصاغها طلبة الاتجاه الإسلامي الذي تأسس سنة 1985.

مقولة التأسيس لمنظمة طلابية غير الاتحاد العام لطلبة تونس استندت إلى مبررات واهية، كالاستلهام من إرث صوت الطالب الزيتوني، الذين زعموا أن الاتحاد العام لطلبة تونس جاء لضربها، وكما ردد الإسلاميون أن الاتحاد منظمة فرنسية تأسست بباريس، منقلبين بذلك على مواقفهم الأولى التي تمسكت بالاتحاد العام لطلبة ممثلًا شرعيًّا لعموم الطلبة، ودعوا إلى ضرورة إنجاز المؤتمر 18 خارق للعادة في التقاء موضوعي مع حكومة مزالي، تحالف الإسلاميون مع سلطة حزب الدستور بغية تصفية الخط المناضل داخل الحركة الطلابية، وهم الذين قوبلوا بمقاومة بطولية، خاصة من مناضلي الاتحاد العام لطلبة تونس في مارس 1982 بمنوبة (مفخرة منوبة)، عندما أرادوا اقتحام المركب الجامعي في تواصل لنهج الجهاد في سبيل أسلمة الجامعة وتطهيرها من أهل الكفر و الإلحاد «المزعوم»، سنة 1985 أسس إخوان الظالم بمعية السلطة الدستورية منظمة طلابية موازية تهدف أساسًا إلى ضرب وحدة الصف الطلابي (مسلم/ كافر)، وبذلك تكون إحدى أدوات النظام لتخريب الحركة الطلابية وتدجينها.

تمسكت الأطراف الطلابية التقدمية بالاتحاد العام لطلبة تونس ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا لعموم الطلبة.

  • الحركة الطلابية بعد انقلاب 7 نوفمبر 1987

جاء الجنرال العميل زين العابدين بن علي عقب صراع أجنحة داخل الحزب الحاكم، وأطلق في بيان نوفمبر وعودًا بالقطع مع الماضي الاستبدادي، وفتح المجال أمام حرية العمل السياسي والنقابي، وعود عدها عدد من المكونات السياسية يبنى عليها، ودعت بضرورة إنجاز المؤتمر 18 خارق للعادة، بينما البعض الآخر عدوا انقلاب 7 نوفمبر خدعة جديدة للشعب والطبقة العاملة، وأن الوعود التي أطلقت هي مجرد مخاتلة سياسية.
سنة 1988 حصل انقسام بين من واصل في مؤتمر 18 خ.ع، رغم دعم السلطة له وبين من رفض هذا المؤتمر لأنه رأى فيه انقلابًا على شعار «القطيعة التنظيمية والسياسية مع السلطة»، ودعا إلى مؤتمر استثنائي، و1988 انقسمت المواقف بين مؤيدين لمبادرة المؤتمر الاستثنائي – التي لاقت صدى كبيرًا في صفوف طلبة العديد من الكليات- وبين من نادوا «بمؤتمر التصحيح» الذين يخفون في داخلهم تشبثًا بالهياكل والمواقع، إلى أن جاءت انتفاضة 17 ديسمبر (كانون الأول)- 14 يناير (كانون الثاني) التي بلورت رؤى وتصورات أخرى متجددة في علاقة بالحركة الطلابية وذراعها النقابي الاتحاد العام لطلبة تونس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد