في مشهد تنعدم فيه الإنسانية والرحمة وعدم احترام حقوق الموتى في أن يُكرموا في دفنهم، مشهد يتحكم فيه المال حتى في حرمات الموتى؛ قام عمال نظافة القبور بإخراج جثث الموتى الذين يعجز ذويهم عن سداد إيجار المقابر الخاصة لإفساح المجال أمام القادرين، المتهرطقين، والانتهازيين والعسكريين في قطف بطولاتهم وكسر شوكة انتمائهم وزرع الضغائن والأحقاد بين نفوس العوام ولعن روح الشهيد.

يعتبر العديد من الباحثين أن المؤسسة العسكرية واحدة من مؤسسات الدولة والتي تُشرف على ضمان أمن الدولة من الأخطار الخارجية والداخلية وتفترض هذه الرؤية على أن القوات النظامية تتحرك بأمر من السلطة التشريعية بعد مناقشة وتداول الجلسات في تضمين آليات تفعيل الأوامر والتحركات، لكن ما نلاحظه هو ضرب ذلك عرض الحائط وبدرجة واحدة يوضع القرار بين يدي السلطة التنفيذية المتمثلة في الأجهزة الوزارية والمكتب الرئاسي وقيادات الدولة، ولكن هنالك تجاوزات عديدة دائما ما يُقحم العسكريون أنفسهم في السلطة بدعوى المحافظة على مصالح البلاد العليا من الأخطار والتهديدات الخارجية أو العودة إلى المبادئ السياسية التي يقوم عليها الدستور والقانون في البلاد ووضع حد لحالتي الفوضى والتدهور التي لم يجد الحكام لها حلًّا، ولكن للأسف تغرق البلدان بحمامات من الدم.

فلو نظرنا قليلا إلى تجربة أرض الأشجار «جواتيمالا»، لذرفنا دما وغرقنا في هول تشرذمها وتفكك قوميتها واستشفينا الأمل في كسب حرية الأوطان. لكن ما هي «جواتيمالا»؟

هل هي «جواتيمالا» الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في أمريكا الوسطى، والتي تضيف وفرة النظم الإيكولوجية الفريدة في «جواتيمالا- الحضارة» إلى صيت أمريكا الوسطى باعتبارها نقطة ساخنة من حيث التنوع البيولوجي؟ أو هي «جواتيمالا- الثقافة»، التي تمركزت بها أقوى الحضارات وأكثرها رخاء وهي حضارة المايا السابق والتي استمرت طوال فترة ما بعد الكلاسيكية حتى وصول الإسبان؟ أم هي «جواتيمالا- الفكرة»؟

دعونا نلمس «جواتيمالا- الفكرة» ونسرد قصة «أسباط المايا وجنرالات الدم». 4 يوليو عام 1944، انفجر بركان التغيير بفوران الشعب الجواتيمالي ضد جحافل الديكتاتورية العسكرية التي لم تقتصر آثارها على قمع الحريات واحتكار الحياة السياسية فقط بل امتدت إلى اقتصاديات البلاد واستنزافها وتجريفها وبيع مقدراتها للمستثمرين الأجانب وأبرزها «يونايتد فروتس» المملوكة وقتها لسياسيين أمريكيين بارزين منهم المستذئب «جورج بوش».

فاحتكرت ما يقارب نصف أراضي وممتلكات ومقدرات وثروات «جواتيمالا»، كما تمتعت الشركة بتسهيلات كبيرة ومارست عملها في ظل فساد مستشرٍ وغياب رقابي واضح، بينما يعمل الشعب كمماليك المحروسة حتى أصبحوا سلاطين فيما بعد. حينها اضطر الطاغية «خورخي أوبيكو كاستانيدا» إلى الاستقالة من منصبه استجابة لموجة من الاحتجاجات وإضراب عام، ونقل سلطانه إلى الجنرال البديل «خوان فريدريكو» والذي تنحى هو أيضًا من منصبه في 20 أكتوبر 1944. دعا المجلس العسكري ومجلس قيادته لانتخابات حرة، والتي فاز بغالبية أصواتها المعلم البارز والمحافظ «خوان بيرميخو» بالرئاسة، انتقدت سياساته المسيحية الاشتراكية المستوحاة من الشيوعية.

ثم تولى بعده في انتخابات حرة عام 1950 الرئيس «جاكوبو أربينز» الذي فتح باب الحريات على نطاق أوسع، فشمل حرية تشكيل الأحزاب بما فيها الحزب الشيوعي ولكن إنجازه الأكبر كان شروعه في التحرر من قبضة «يونايتد فروتس» بإقرار قانون للإصلاح الزراعي، الأمر الذي هدد مصالح شركة «يونايتد فروتس»، مما قلق بشأنها أصحابها وحلفائهم من العسكريين والإسراع في الضغط بشدة على الحكومة الأمريكية للتدخل لإسقاط النظام. الحقيقة أن «الولايات المتحدة الأمريكية» خشيت من تحول الحكومة الاشتراكية إلى جسر يربطها بالاتحاد السوفييتي ويفشل مخططاتها الاستعمارية بالبلاد. محاولات الانقلاب على الثورة بدأت منذ عهد «برميخو» وهي المحاولات التي لم تتوقف إلى أن نجحت فعلا في الإطاحة بالرئيس «أربينز»، وتولي قوى الثورة المضادة للحكم عام 1954.

قاد حلفاء «السي آي إيه» حملة منظمة لنشر سلسلة من الشائعات في إطار حرب نفسية لإرباك المواطنين وترويعهم، واتُهم الرئيس المنتخب «أربينز» بأنه يسعى لتسليم البلاد للسوفييت، خصوصًا بعد حصوله على صفقة أسلحة من «تشيكوسلوفاكيا» وخشية من تغلغل أيديولوجيات «ماركس» و«أنجلز» عقول السكان الأصليين ورفضهم للبرجوازيةالأمريكية مستقبلا. وبالفعل تم إسقاط «أربينز» ليخلفه الكولونيل «كارلوس كاستيو أرماس» عام 1954. وحكم البلاد حتى اغتياله على يد أحد حراسه عام 1957. تولى الجنرال «ميجيل فونتيس» السلطة، وذاعت شهرته بجرأته وشجاعته.

لكنها لم تحافظ على تهوره وفشله بغزو خليج الخنازير عام 1961. أطيح به بانقلاب قاده وزير دفاعه العقيد «إنريكي أزورديا» في عام 1966، حتى انتخاب «خوليو سيزار مونتينجرو» رئيسا للبلاد، وكانت سياسة الانفتاح مصدر إلهام الشعب الجواتيمالي وكذا تشكلت حينها فرق الموت وعلى رأسها «مانو بلانكو» سيئة السمعة.

بعام 1970 انتخب العقيد «كارلوس مانويل» حاكما للبلاد حتى زادها دمارا وخرابا بفعل نشأة ميليشيات جديدة بداخل «جواتيمالا» وقدوم عصابات إجرامية من خارجها. وفي عام 1974 فاز جنرال آخر بسدة الحكم وهو «كخيل جارسيا» بعد إسقاط منافسه في انتخابات شابها الكثير من الغش والتزوير والاحتيال، وبعدم جهوزيته في تنمية حقيقية كونه يفتقر لمهارة الصانع وعقلية المهندس؛ فلم تكن «جواتيمالا» مستعدة لموجة زلازل 76، تسببت تلك الأزمة في مقتل 25000 وشرد الكثيرين، حتى أطاحت به وتسلم الراية الجنرال «روميو لوكاس جارسيا» عام 1978 في انتخابات مزورة. في عام 1980 قامت مجموعة من سكان «الكيشي» الأصليين بالسيطرة على مقر سفارة «إسبانيا» للاحتجاج على مذابح «جارسيا» في ريف «جواتيمالا». وبدم بارد وبلا مسئولية أمر «جارسيا» جنوده بحرق المبنى بأكمله بكل من فيه.

زعمت حكومة «جارسيا» بأن النشطاء السياسيين هم من أشعلوا الحريق، ولكن هذا لم يترك شكا للسفير الإسباني عن صحة تلك الأكاذيب؛ معللا بأن الشرطة الجواتيمالية هي من قتلت عمدا كافة المعتصمين في المبنى وأحرقته لمحو آثار المجزرة. أطيح بالحكومة في عام 1982 بعد انهيار العلاقات الدبلوماسية بين «إسبانيا» و «جواتيمالا»، وعين بدلا منه الجنرال «إفرين ريوس مونت» رئيسًا للبلاد، والتي شهدت حينها استمرار حملات التعذيب والاختفاء القسري وسياسة الأرض المحروقة، وأصبحت وقتها البلاد الأكثر منبوذة بالعالم أسره.

توالت الانقلابات التي أخذت في طياتها كل غالٍ ونفيس حتى أودت بالبلاد إلى حروب أهلية طاحنة أرغمتها على طمس الأنوف بالوحل وكسر أعين شديدي البأس لفترة قاربت 4 عقود لم يشهد لها التاريخ الجواتيمالي من قبل! حتى أعلن في عام 1996 نهاية شلالات الدم بين الحكومة والمتمردين بمفاوضات كانت برعاية كل من «إسبانيا» و«النرويج».

خلال السنوات العشر الأولى، كان ضحايا العنف من الطلاب والعمال وشخصيات بارزة من المعارضة، ولكن في السنوات الأخيرة شمل العنف جميع أنحاء البلاد وشعبها، ودُمّرت أكثر من 450 قرية من قراهم كما شُرِّد نحو مليون شخص ضمن حدود «جواتيمالا» أو خارجها، وأخيرا وكعادتها اعترفت «الولايات المتحدة الأمريكية» بخطئها في إدارة أزمة «جواتيمالا».

لأقول لكم: «إن الانقلاب العسكري كأحد أفرع فلسفة البرجماتية العسكرية، هي عملية عسكرية بحتة، يقوم بها بعض المغامرين العسكريين، في جيش تقليدي محترف، من أجل السيطرة على الحكم؛ لمصالحهم الخاصة أو مصالح قوى رجعية قائمة على الصراع البيّن بين فئات الشعب». نجد وبشكل عام، بأن كل حادث يرتبط بالثاني، فالآخر ثم الذي يليه وبشكل كارتيزي مرسوم لإجهاض إيمان الشعوب في خلاصها من استكمال مسيرتها نحو سقف لا محدود من الديمقراطية والكرامة والعدالة الإنسانية، حتى لو تباينت الأساليب والعرائس المستخدمة في تزيين الحفل الدموي المخزي للغاية!

وبموجب الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال «السيسي»، فقد وجدنا تسييسًا للأعمال، تزييفًا للحقائق وسعيا خلف الهلاك من قبل «العسكر» بصورة غير معبرة عن الشرعية الثورية الحالمة! لتؤول إلى تلك الخطايا المضنية لهذا الكيان بهيمنته العسكرية الذي يدّعي دائما وأبدا انتمائه وإخلاصه في الحفاظ على قدسية القومية وعزة الوطنية:

  1. النزاعات القائمة بين الحكومة والمعارضة.
  2. انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت بسبب هذا النزاع والصراع السياسي.
  3. الاختفاء القسري الذي لم يعرف مصيره للعديد من الثوار وغير الثوار.
  4. عدم إرساء مقومات المصالحة والمصارحة وإشاعة قيم وثقافة المواطنة.
  5. عدم الوقوف على مسؤوليات أجهزة الدولة أو أي أطراف أخرى.
  6. الحنث بوعود دفع التعويضات وجبر الضرر لأهالي الشهداء ومصابي الثورة.لأختتم حديثي متسائلا: هل «جواتيمالا» ظاهرة ولن تتكرر سوى بكتب التاريخ، بالرغم من كونها درسا تظهر فصوله في يوميات ما بعد 30 يونيو؟ أم تجربة طويلة الأمد يعاد سياقها أمام أعيننا على أرض «المحروسة»، بالرغم من كون التجربة مجموعة خبرات نستطيع من خلالها توقع نهاية المسألة قريبا؟ أو قبضة الثورة وثوارها سيكونان هما الشعلتين اللتين ستقصما ظهر البعير وعودتهم لثكناتهم؟ وفي الأخير يكون مربط الفرس ولجامه في يد فرسان الثورة وحماة الوطن. فلا نامت أعين الجبناء. دمتم في رعايته.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد