في عالم الأفكار- كما في عالم الأزياء – «صيحات»، و«تقاليع» تُفْرَضُ؛ لتلفت أنظار الناس بعيدًا عن الحقيقة، وتستقطب اهتمام الطليعة الفعالة في الأمة بعيدًا عما ينبغي أن يشتغلوا به من واجب الوقت، أو تَفْرِضُ نفسها على الساحة الفكرية، التي صارت في كثير من البلدان خاوية، إلا من إعلام مضلل، أو مطبوعات لا تخضع لرقابة «شرعية».

ومع غياب العلماء، أو تغييبهم، يُفتقد الانضباط، ويكثر اللغط، ويُدلي كلٌّ بدلوه.

ولعل أحدث هذه «الصيحات»، وآخر «التقاليع» ما أسميه «الدروشة الكيوت»، وهي ظاهرة تحتاج إلى تمعن وتحليل، وأقصد بها توجه الشباب والفتيات إلى التدين بطريقة صوفية، بشكل أنيق شبابي جدًا، من تواجد في ساحات الذكر، والرقص على «المولوية»، ولف السُبحة على العنق أو اليدين، والاستماع إلى الأناشيد، والمديح النبوي، وكثرة الحديث عن العشق الإلهي…إلخ.

وتجاوزت الظاهرة الطبقة المتقشفة الفقيرة، إلى الطبقة النخبوية والثقافية، فقد قذفت المطابع – ولم تزل – بعشرات الروايات والقصص التي تُفيض في الحديث عن العشق الإلهي والمحبة وسلامة النفس، وإن كان مسماها «حسن»، إلا أنها سيقت بمنهج مبتدَع دخيل، وأسلوب عجيب غريب، وتهافَتَ الناس على اقتنائها، والتعويل على ما فيها.

(1)

لعلنا نرصد هذه الظاهرة الأدبية انطلاقًا من رواية «قواعد العشق الأربعون»، التي صدرت عام 2010، وهي رواية للكاتبة التركية «إليف شافاق»، تدور الرواية في خطين زمنيين متوازيين:

الخط الزمني الأول: يمثل الأحداث التي تمر بها «إيلا»، في الزمن المعاصر، وهي سيدة أمريكية على مشارف الأربعين، تعيش حياتها الرتيبة الاعتيادية مع أبنائها وزوجها «ديفيد» طبيب الأسنان الناجح.

أما الخط الزمني الثاني: فيقع في القرن الثالث عشر، ويحكي قصة اللقاء العجيب بين الفقيه «جلال الدين الرومي»، والدرويش المتنقل المعروف باسم «شمس الدين التبريزي»، وكيف أنهما معًا جسدّا رسالة شعر الحب الخالدة، ثم ما تلا ذلك من أحداث عاصفة، انتهت بمقتل «التبريزى»، وتحول «الرومي» إلى أهم شاعر صوفي في التاريخ.

فخرج من قفطانه الديني الثقيل إلى لباسه العادي، وهو يدعو إلى وحدة الأديان، وتفضيل العشق الإلهي على غيره من متع الحياة؛ فابتدع «رقصة الدراويش»، وتحرر من جميع القيود والقواعد التقليدية والدينية.

و«الرومي» كشخصية تاريخية من الباطنيين الذين يؤمنون بـ«الحلول، والاتحاد، ووحدة الوجود، وأن الله هو عين المخلوقات، وكذا وحدة الأديان». ومن كلامه: «مسلم أنا، لكني نصراني، وبرهمي، وزرادشتي»!

ثم يتقاطع الزمانان: الحالي والماضي، فأحوال «التبريزي» قد غيرت حياة «إيلا» إلى الأبد؛ فتحولت من مجرد امرأة عادية راكدة، إلى عاشقة مجنونة؛ تضحي بكل شيء في سبيل الحب، كل شيء حتى وفائها لزوجها، وعرضها؛ فتخونه تحت مسمى العشق!

وفي النهاية تندمج القصتان كشيء واحد متناسخ؛ ليبزغ القديم حيًا في أرواح المعاصرين، وليعالج القديم الحديث في توافق وتناسق. لتؤكد المؤلفة – بأشكال عدة – أن القرن الحادي والعشرين، لا يختلف كثيرًا عن القرن الثالث عشر؛ فهما عصرا صراعات دينية، إلى حد لم يسبق له مثيل، وعصران ساد فيهما سوء التفاهم الثقافي، والشعور العام بعدم الأمان والخوف من الآخر.  وفي أوقات كهذه تكون الحاجة إلى سكرة الحب أشد من أي وقت مضى.

فالرواية تبدأ وتنتهي – في ظاهرها – برسالة مفادها: المحبة، والسلام، والعفو، والأمل، والإصلاح الداخلي… وغيرها من المعاني التي يفتقدها البعض في تلك الظروف العصيبة التي تمر بها الأمة الإسلامية، والتي اشتد فيها البلاء والمحن، وتوالت النكسات في أعز من/ما نملك، وهو الشيء الذي يفتقده كثير من الشباب، ويبحثون عنه في نفس الوقت!

وعلى نفس نهج هذه الرواية (البديعة فنيًا) سار كُتاب كُثر (ومنهم أصدقاء أعرفهم)، ونشرت كثير من الروايات تحت مسمى «الأدب الصوفي»، الذي يتسع فنيًا لكثير من فنون «الدراما»، ولا أحب أن أعدد أسماء، يكفي أنهم جميعًا تشابهوا في الفكرة. ولا شك أن هناك رواجًا لمثل هذه الكتابات، ولا أبالغ إن قلت أن هناك دعمًا غربيًا وشرقيًا لها، حتى وإن لم يشعر كُتَّابُها بذلك، وعن ذلك يقول الدكتور «عبد الوهاب المسيري» رحمه الله: ومما له دلالته: أن العالم الغربي الذي يحارب الإسلام يشجع الحركات الصوفية، ومن أكثر الكتب انتشارًا الآن في الغرب، مؤلفات «محيي الدين بن عربي»، وأشعار «جلال الدين الرومي».

وقد أوصت لجنة «الكونغرس» الخاصة بالحريات الدينية «بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية؛ فالزهد في الدنيا، والانصراف عنها، وعن عالم السياسة: يضعف – ولا شك – صلابة مقاومة الاستعمار الغربي…»[1].

وبالفعل بأقل تجربة إحصاء تجد أن كتاب مثل «مثنوي» لـ«جلال الدين الرومي» (الذي كتبت عنه الرواية السابقة)، يتهافت عليه الشباب، والمثقفون كل دورة معرض للكتاب، حتى ينفذ في أيامه الأولى، وكذلك ما يشبهه من كتابات، وما يسمى بأدب التصوف من روايات وقصص وأشعار أهمها أعمال «د. يوسف زيدان» التي كانت سبَّاقة في هذا المجال.

(2)

بمثل هذه الروايات تمت عملية تصالح بين تدين الآباء الصوفي المنحرف، وحداثة الأبناء التي تسخط على التدين، وربما انتهت بهم إلى الإلحاد، وهذه الثنائية كانت حاضرة بقوة في روايات «نجيب محفوظ» مثلًا؛
إذ انقسام المجتمع إلى قسمين: جيل قديم يُمثله شيوخ دين صوفية «خرافيون»، في مقابل جيلٍ طليعَة مُقبل على أسباب الحياة المادية، تضاءلت عنده معالم الإسلام الحق، حتى ركب موجة الإلحاد، فرارًا من أحوال الفريق السابق. فالثوب الجديد الذي يبرز به التصوف هذه السنوات الأخيرة غريب ولافت للنظر؛ فهو يزاوج بين قمة الخرافة فكرًا وممارسة وخطابًا، وبين الخطاب العقلاني والحداثي العلماني في نفس الوقت!

فإذا كان كلنا – أو أغلبنا – على الأقل قد تَعوَّد على أن الطرق الصوفية هي ظاهرة تقتصر – أو تكاد- على أوساط العوام الأميين وأشباه الأميين؛ إذ ينحصر الخطاب الصوفي في ترديد الخرافات عن كرامات شيوخهم ومجاذيبهم، وينحصر نشاطهم الصوفي على الموالد والحضرات، ويغلب على رموزهم السمت التقليدي في الهيئات واللباس والتظاهر بالتدين, فإننا الآن نشاهد حركة تصوف نشطة تخالف ذلك النمط التقليدي مخالفة شديدة في ظاهرها، وإن كانت تتفق معه في أصوله, فالقائمون على هذا التصوف الجديد مثقفون، وأدباء، وشعراء، ودعاة، وأكاديميون في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية وغيرها، لهم بريق لامع، وحُسن طلة، ومنطق حسن، وعرض جذاب، وعاطفة جياشة، وابتسامة ساحرة، وقلم موهوب، وكلمات مؤثرة؛

فبأقل متابعة لكثير من حسابات المشاهير والمثقفين من الكتاب والأدباء تستطيع رصد كثير من مقولات وأشعار في العشق الإلهي، وأن الله يُحبنا، ونحن نحبه، فالمسألة كلها تتلخص في الحب! حتى إن زميلة عزيزة كتبت يومًا «ربنا عرفوه بالحب»! وكأنك أمام «ولهِ وغرام مجنون ليلى، والعذريين»، فلم يحفظوا لله كماله وجلاله، وإن أقل قواعد المنطق تدل بقوة على أن الحب نتاج المعرفة، فكيف تحب من لا تعرف؟ وهكذا، بلا عمل، ولا جهد، ولا صدق إيمان… كل ما عليك أن تُحِب وتُحَب!فأنت أيها العاشق محبوب، بالرغم من أن أحدًا لن يفهم شيئًا عن حبك، أنت مختار مصطفى بذاتك ولذاتك، بكل ما تحمله من آثام وأوزار وتخلف عن ركب العاملين العابدين، المقيمين لحدود الله المجاهدين في سبيله.

أنت كما أنت! يمكنك أن تدخل «جنة نعيم، ودار مقيم»، بلا أي كلل ولا اجتهاد ولا تعب، سوى حزمة من المشاعر الجياشة في عشق الإله، والسكر والتماهي فيه! والجهاد الحقيقي هو فقط جهاد نفسك، فلا تنظر لإصلاح مجتمعك، ولإجهاد الباطل حولك؛ فالحقيقة إذن ليست في العمل، ولا في اتباع الشرع، بل الحقيقة ستجدها في الزهد والرمز والوهم والتماهي في العشق، وأما تغيير واقعك، وتحرير وطنك، وإصلاح أمتك، وتحطيم كل شر، لا يكون، إلا من خلال داخلك فحسب، وليس في خارجها.

هذه النظرة الصوفية التي نراها تعرض نصف الحقيقة؛ فتعتمد على الترغيب دون الترهيب، والنية دون العمل، والعبودية لإله مطلق حال بالعالم، لا يُعرف بذاته ولا بصفاته؛ لأنه -أصلًا- في كل ذات، وابتداع دون اتباع للرسل، تتجسد بتفاصيلها وسردها في رواية قواعد العشق الأربعين، وما تلبث أن تهدم حتى هذا النصف في قواعدها التي لا أجد وصفًا لها سوى أنها – في الكثير منها – قواعد كفرية؛ تجسد التيار الصوفي الباطني المتطرف، الذي يؤمن بعقيدة «وحدة الوجود والحلول والاتحاد ووحدة الأديان».

كما يرى مركزية الكون ومعياريته في مكنون الذات الإنسانية، لا في الأحكام والشرائع الربانية المنزّلة. كما يتضح أيضًا التعدي – جليًا – على الذات الإلهية، ووصف الله تعالى بما لا يليق بكماله وجلاله.

(3)

هذا على المستوى الأدبي، ومثله على المستوى الفني التمثيلي؛ فهناك أيضًا أعمال كثيرة تُوجه إلى هذا النوع من التصوف، كالفيلم التونسي«بابا عزيز»، والفيلم الأجنبي «مسيو إبراهيم وزهور القرآن» الذي قام ببطولته الممثل «عمر الشريف»، وفيلم «ألوان السما السابعة» بطولة «فاروق الفيشاوي وليلى علوي»، ثم ظهرت أكثر في أعمال «خالد الصاوي» الدرامية الأخيرة، فمن تابع مسلسل «تفاحة آدم» فجع بقدر هائل من قلب الحقائق والعبث بها، لكن اللافت للنظر فيه: اشتماله على شيء من الشطحات الصوفية؛ إذ احتفى العمل بتوبة بطله محترف النصب، بفضل علاقة حب جمعته بفتاة متصوفة دأبت على الغناء في الموالد وحلقات الذكر تلك الشطحات الصوفية العارضة تحضر بصورة أوضح وأعمق وأوسع في مسلسل «الصعلوك»؛ فالمسلسل يحفل بـ«رؤى» تتراءى لصعلوك: يلعب «الصاوي» دوره، تنقله إلى التواصل في المنام واليقظة مع «ولي» ميت يدعى «العدوي»، يقوم الصعلوك على خدمة مقامه في أحد الأحياء الشعبية منذ سنوات. وكثيرًا ما يظهر العدوي للصعلوك بصحبة امرأة متبرجة: نعرف من العمل أنها كانت غانية تُباع وتُشترى، وتهدى متنقلة من سيد لآخر، إبان هيمنة الإنجليز على مصر، في عهود أسرة «محمد علي»، وأن العدوي الذي كان يعمل في حياته رئيس عصابة شعبية مسلحة يقوم بإنقاذها وتحريرها؛ لتبدأ بينهما قصة حب عاصفة، يؤكد «الولي» للصعلوك أنه «لن يعرف نفسه أو يعرف ربه»، إلا إذا عايش قصة حب مثلها!

وبطبيعة الحال، بغية تحقيق سبي المشاهد وإبهاره بروعة التوجه الصوفي، يكتظ العمل بالمصادفات العجيبة المثيرة، والكرامات المعجزة المزعومة، فالصعلوك يتمتع بقوة بدنية خارقة، نراها تتجسد، وهو يطلب المدد من سيده العدوي، وينجو من كثير من المآزق، وتتفتح أمامه الأبواب الموصدة، ويتراكض علية القوم للدفاع عنه ببركة «وليه» الذي يظهر له عند الملمات لإرشاده إلى ما يتوجب عليه عمله!

أما عن الحضور المتزايد للفنانين والمبدعين لعوالم الصوفية في حفلات الإنشاد الديني، والعزف الصوفي، إلى رقص «التنورة»، فحدث ولا حرج، وكثير منهم مشهور بتصوفه الشخصي.

(4)

أما المستوى الإعلامي الدعوي.

فقد أنتجت ظاهرة «الدعاة الجدد» خطابًا معاصرًا متطورًا في الشكل والعرض، بداية من الأستاذة «كريمان حمزة»، والحاجة «عبلة الكحلاوي» والحاجة «ياسمين الحصري»، مرورًا بربيبها «عمرو خالد» (الدكتور الآن) إلى تلاميذه من أمثال «معز مسعود» و«مصطفى حسني»، هذا الخطاب المبني على المشترك الإنساني، ومكارم الأخلاق، والمشاريع الخدمية، والتعايش… وكل ذلك حسن، إلا أننا لا نوافق على تصديره للناس على أنه هو الدين فقط، دون أن يكون له سياج حامٍ من تشريعات وعقائد واضحة ثابتة لا تميع فيها! وهو ما غفل عنه هؤلاء الدعاة أو تغافلوا، وبالطبع لا نستطيع أن نشك في نيتهم الحسنة، وإرادتهم للخير، وهذا يلمسه كل من كان على مقربة منهم! أو عرفهم معرفة شخصية.

إلا أن كل حدث في حياة الناس تجد له صُنَّاعًا، وتجد له رُكّابًا، تجد من جد واجتهد، وتجد من جاء بليل وقطف الثمرة، تجد من جاهد، ومن استغل الحدث ووجهه.

فإن كان عمرو خالد شخصية دعوية حركية عاملة طموحة، يسعى للتميز دائمًا، وكان يتجهز لفرصة يحقق من خلالها ذاته، فلما جاءته بغياب أحد الدعاة عن درسه بنادي الصيد، لم يضيعها، فقفز عمرو مكانه فورًا، ثم كانت بدايته في مسجد «الحصري»، ونقلته إلى الفضائيات على يد «صالح كامل» رجل الأعمال، ومع محاولة توظيفه، إلا أنه استطاع أن يستقل بنفسه فيما بعد.

أما الآخرون فقد خرجوا إلى ساحة مهيأة لخطابهم، فبدءوا يعملون على أرض مجهزة، وجمهور حاضر متشوق لخطاب كخطاب عمرو خالد.

ومن هنا ظهر «مصطفى حسني»، ودعا إلى نفس دعوة عمرو خالد، وبنفس الأسلوب تقريبًا، إلا أنه تميز عنه بتحريه ما يقول، وإجلاله للمشايخ، ودعوته إلى التفقه على أيدي العلماء، والقراءة في كتب السلف، الشيء الذي أكسبه ثقة، في الوقت الذي بدأت الثقة تنسحب من عمرو خالد؛ لمغالطات كثيرة في خطابه العلمي.

ثم كان أول صدام له في برنامجه «خدعوك فقالوا» وحديثه عن البدع، وتجويزه لكثير من بدع الصوفية، الشيء الذي كشف عن أن له توجه صوفي، لا يصرح بالدعوة إليه، ولا ينسب نفسه إليه صراحةً.

(5)

ومع مصطفى حسنى ظهر «مصطفى عاطف»: منشد شاب صوته عذب، استغل صوته في تقديم مدائح نبوية، وقصائد في حب الله، ولكن بشكل «الكليبات» والحفلات الغنائية، أحيانًا بالفصحى، وكثيرًا بالعامية، فأثرت في الشباب والبنات، وهيجت عواطفهم وصارت له شعبية ضخمة (أغلبها من البنات)، وكان واضح من هيئته – بالرغم من صغر سنه – توجهه الصوفي بالمديح الذي يقدم، والكلمات الصريحة بالتصوف، مثل: «الله الله دراويش دراويش.. أنا سايب إيدهم ماتسبنيش»، كذا مظهره الأنيق، المشهور المسبحة التي تقوم بوظيفة «الحظاظة» على يديه، في تزاوج بين التصوف الروحي، والشكل «الكيوت» المحبوب لدى الشباب خاصة البنات من معجبيه.

(6)

والغريب أن وراء هذين المصطفيين شخصية واحدة، في ظني أنه من صنعهما؛ ليزاحما في الساحة الإسلامية؛ لبث أفكاره المتصوفة، «محمد عوض المنقوش»: ليبي متصوف، يعد شيخًا لهما، أينما يوجههما توجها كعرائس «المريونت»؛ فقد شارك في إعداد برنامج «خدعوك فقالوا» (هكذا كتب في «تتر» البرنامج، وإلا فأظن أن البرنامج ما هو إلا كتاب المنقوش المسمى بنفس الاسم)!

وكذا فمصطفى عاطف مرتبط بالمنقوش – أيضًا – جدًا، وقدم معه برنامج «صُحبة»، وشارك معه في ملتقيات كثيرة.

وهما يصرحان الآن بهذه العلاقة ويتفاخران بأدب شيخهما وحسن خلقه، والحق أنه كذلك، لكن ليس بالأخلاق الحسنة وحدها يعبد الله! لا بد من عقيدة سليمة، وعبادة صحية، ومعهم الأخلاق الحسنة.

والمنقوش في بدايته كان من أهل السنة، وكانت له دار نشر لكتب السنة، ثم حنق عليهم ودرس على يدي «د. علي جمعة» (المفتي السابق والمتصوف الكبير) فغير في فكره وأثر فيه، وربما يكتمل المشهد إذا علمت أن الشيخ «أسامة الأزهري» أيضًا من الداعمين لهما، وهو أيضًا تلميذ «د. علي جمعة» ومعروف بتوجهه الصوفي.

وبذلك يكتمل المشهد؛ لترى منهجية علمية عملية لتوجيه الشباب والفتيات إلى التصوف، ليس بالشكل التقليدي القديم، ولكن بشكل حديث مزدوج بالفن والأدب والإبداع والحركة والنشاط والشكل الجميل الجذاب «الكيوت»!

ولعل ذلك استجابة إلى دعوة «مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية» التابع لـ«دار الإفتاء المصرية»، إلى نشر التصوف وتفعيل دوره في مواجهة التطرف والإرهاب، وذلك في تقريره الثلاثين الصادر بعنوان «التصوف الصحيح ودوره في مواجهة التطرف»!

(7)

في مثل تلك الظروف – التي تمر بها البلاد – قد تلجأ القلوب المتعبة للفرار من الظلم والغدر والشحناء والعقاب المجتمعي الذي لا ذنب لهم فيه.

تلجأ إلى البحث عن شيء يهدهد مشاعرهم، ويحيي عواطفهم، ويُسلي أحزانهم، ويرفع عنهم كللهم وما يعانونه؛ فهم يعيشون في خواء روحي، يحتاجون إلى تعبئته في الوقت الذي تصارعت فيه التيارات الإسلامية، وشوه بعضهم، وخون الآخر، وفشل الكثير؛ فكانت العبادات الصوفية ملجأهم؛ لتفريغ طاقتهم الروحية المكبوتة، وهذه الطريقة ليس فيها جهاد أو صراع، لا مع محتل، ولا ضد الطغاة، وبالتالي لا خسائر فيها بالنسبة لهم، بالإضافة إلى أن الترفيه الحاصل من خلال التنزه والجري والتقاط الصور الأثرية والتذكارية والرقص والهز على أصوات الدفوف، سوف يشعرهم بنشوة مزيفة يظنون أنها هي الروحانية التي ينشدونها!

ثم هم بعد ذلك لم ينفكوا عن دنيتهم بما فيها، فهم يمارسون أعمالهم في الدنيا كما تعودوا، ويظنون أن هذه «الحفلة الصوفية» الأسبوعية أو الشهرية تؤدي المطلوب منهم للآخرة ! وبذلك ينتشر التصوف بين الشباب والفتيات وفي أواسط المثقفين!

(8)

ليس الهدف من هذا المقال تشويه أحدٍ أو النيل منه؛ بل الهدف إيقاظ الوعي والإدراك للواقع الذي نعيشه، فلا أستطيع أن أحدد سببًا واحدًا لهذه الظاهرة، أو أن أُلقي باللوم على شخص معين؛ فالأحداث الكبرى لا يقوم بها شخص واحد، ويصعب تعليلها بسبب واحد، ولا تظهر بين عشية وضحاها!

يكثر الفاعلون، وتتعدد الأسباب، وتكون فترة تكوين ممتدة عبر عقود الزمان، تبدأ بصراعٍ فكري بين النخبة يظهر أثره تدريجيًا في واقع الناس. كما حدث في الآونة الأخيرة.

وليس حلًا أن نخرج عليهم أو أن نجهز على أجهزتهم، فالحل – من وجهة نظري – هو أن نُخرج رجالًا كرجالهم، ونُنتج خطابًا كخطابهم، ونمارس آليات وأدوات كأدواتهم.

فهل من المعقول أن يكون الأمل في صناعة الوعي الشعبي للمسلمين مرتبطًا بمقدرتهم على فهم كتب التنظير الإسلامي المعقدة؟

كيف نحول هذه الكتب التنظيرية الجامدة إلى مفاهيم ثابتة راسخة في عقل كل شخص بسيط من الشعب المسلم؟

لا بد من تخفيف القالب، دون تخفيف المفاهيم، لا بد من جعلها أكثر قربًا من الشعب، لا من النخبة.

هنا يجئ دور الأدب والفن؛ دوره في أن يحول هذا التنظير الجامد إلى مُغلف براق لامع يسر القارئين ويخطف الأنفاس ويحقق له الشعبية.

هذه الخطوة ما هي إلا تمهيد للخطوة الأهم على الإطلاق: تحويل الأدب إلى «سينما ودراما»، إلى عوالم مرئية يسهل للمُشاهد التفاعل معها، دون ضرورة تعلمه للقراءة، وصرف أوقات طويلة لها.. إن هو إلا «فيلم» ساعتان يبقى في الذاكرة إلى الأبد.

نحتاج إلى شيخ كالمنقوش، ينسى نفسه، ويهتم بفكره ودعوته، في إنتاج جيل جديد، بمفاهيم جديدة، وآليات حديثة، وأساليب متنوعة، يحركهم من خلف الستار، فيصيروا نجوم الحدث والحديث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جيل الدروشة

المصادر

[1] من مقالة «الإسلام والغرب».
عرض التعليقات
تحميل المزيد