ديموقراطية من دون شباب.. ديموقراطية بدون مستقبل

▪︎مقدمة

لقد ذهب المصلحون وأهل الفكر المذاهب، في معرض البحث عن أصل الانحطاط، وتعداد مسبّبات ذلك الداء العضال الذي نخر كيان الأمة، فأخّرها من بعد ريادتها، فنجدها مثلًا قد تصل إلى 86 سببًا في كتاب «أم القرى» للكواكبي، إلا أنه وفي ختام مسيرته أو بعد ما سمّاه بنضج الخميرة الفكريّة، استقرّ رأيه، على أن كل ما سلف ذكره، مجرّد أعراض، أو فروع تعود إلى أصل واحد، ألا وهو: الاستبداد السياسي. وكأنه بذلك يضع أسسًا للنظرية العكسيّة، لصاحب علم الاجتماع «ابن خلدون»، فيرفق الصدر بالعجز، ليكون بيت القصيد واحدًا:

«العدل أساس العمران … والاستبداد أصل الانحطاط»

ولما لعبدي الرحمن من فضلَيْ السبق والإبداع، كأول من صحّت فيهما صفة فلاسفة السياسة من العرب والمسلمين، فإنّ توصّل كليهما إلى نتيجتين متكاملتين، يجعل اعتماد غير هذه المقاربة، كمدخل رئيسي لفهم مشروع النهضة الحضارية الشامل، ضربًا من ضروب العبث أو التطاول.

1- تفشّي الاستبداد وتعدد الواجهات

فلئن كان باب السياسة، منفذ الاستبداد الأول إلى حضارتنا الإسلامية، من خلال ما صاحب انهيار التجربة الشورية للحكم، من إطاحة بقيم التعاقد والتراضي، لاستبدالها بمعادلة الجبر والإكراه، التي سادت علاقة المجتمع بدولته إبتداء، ولكنها لم تتوقف عند حدودها.

إذ هاج بحر الاستبداد وماج وانسكب، ليغرق كل جوانب الحياة العامة والخاصة، حتى أصبح المجتمع المستبدّ به بذاته، ورشة نشِطة لإعادة إنتاج الاستبداد وضخّه في كل الاتجاهات، وأضحى قانون القوة، والتي هي بطبيعة الأشياء كالماء، تنهمر من المرتفعات نحو ما هو أقلّ انخفاضا، رأس السهم الموجِّه لفعل الطغيان، والموزّع الوحيد لأدواره، بين غالب ومغلوب على أمره، بشكل تراتبي تنازلي، لا يربط رأس الهرم الاجتماعي بقاعدته فحسب، وإنما كل طبقاته وحلقاته فيما بينها.

فتجبّر أهل السلطة على العوام، والمستكرشون من أصحاب المال على ضعاف الأحوال، والمتغلّب المذهبي ومن ثمّة الأيديولوجي على غيره من التيارات الفقهيّة أو الفكريّة الأخرى، وعلى نحو ذلك اتسمت علاقة المركز بالأطراف والحواضر بالأرياف والجهات الترابية والقطاعات المهنيّة مع بعضها البعض، وصولًا إلى وحدات المجتمع الأوّليّة من عشائر وأسر، حيث تفشّى طغيان الرجال على النساء، فكان الاستبداد السياسي محرّكا لإنعاش أقدم أشكال الاضطهاد الإنساني، كما ورد في كتاب «المرأة بين القرآن وواقع المسلمين».

فهل يعقل بعد كل هذا أن نغفل عن شكل آخر للاستبداد، يضاهيه قِدَما ويفوقُه انتشارًا؟ أو أن نزعم بأنّ فضاء واحدًا في المجتمع قد ظلّ في معزل عن تبعات هذه الحالة الشموليّة؟ بل أن تغييب أي شكل كان من أشكال الاستبداد، يجعل من مجرّد إتمام المعادلة المنقوصة، موجبًا لإيلائه الأولوية القصوى، الضرورةَ الألزم، للانبعاث الحضاري، حتى وإن قلّ وزنه أو انعدم ثقله، وليس الحال كذلك.

والحال أنه من الطبيعي أن يتجذّر في مجتمع الاستبداد، تعسّف الفئات العمريّة العائلةِ على الأخرى المُعَالَةِ، وهنا لم يشذّ الاستبداد عن عادته، بل جرى كعهدنا به من قمّة الهرم الديموغرافي حيث الشرائح العمريّة العتيقة، منحدرًا ليجبّ قاعدته ومن اعتمرها من شرائح فتيّة.

فما الذي يجعل الإستبداد الجيلي، أشدّ مكبّلات الإنبعاث الحضاري وأخطرها؟

2- أوجه خطورة الاستبداد الجيلي على المشروع الحضاري

أ-حجمه وتركيبته:

بالمنطق العددي، فإنّ التركيبة الديموغرافية لمجتمعاتنا، حيث يبلغ من هم أصغر سنّا من 35 سنة زهاء 70%، تجعل من الطبيعي أن شريحته الأعرض، هي الأكثر عرضة لهذا الفعل العام. بما يضع الشباب تحت وطأة أكثر أشكال الاستبداد تعقيدًا في تركيبته، إذ يتداخل فيه السياسي مع الطبقي والجهوي والقطاعي… على حسب انتماءاتهم، ثم لينضاف إلى كل ذلك ختاما الاستبداد الجيلي، ويزداد الطين بلّة إن كانوا من الإناث، لتلتحق حينئذ «الجنسانيّة» كبعد استبدادي آخر. ولو أنّنا اعتمدنا قاعدة الكواكبي، التي تربط بين حجم الاستبداد وعدد المتعرّضين له، إذ قال:

«يخفّ الإستبداد طبعا كلّما قلّت نفوس الرّعيّة».

فلن يسعنا إلا أن نستنتج، أن الشباب هم الأكثر تعرّضًا لأكثر أنواع الاستبداد تعقيدًا وأضخمه حجمًا.

أو أن الشباب هم الأكثر تواجدًا في أكثر نقاط تقاطع نيران الاستبداد ضراوة.

ب- طبائع الشباب:

إنّ فعل الاستبداد، ومنذ أن أنشب مخالبه في أمّة الإسلام، سرعان ما التحقت به جهود تنظيريّة، لتبسط تحت قدميه أرضيّة فكريّة من المسوّغات، تبرّر لوجوده، وتهندس لثقافة مجتمعيّة مطبّعة معه، حتى أضحى متلبّسًا بلبس العرف والعادات، فألفته الأنفس وركنت إليه.

وبما أن الشباب بطبعهم، هم الأكثر نزوعًا إلى التمرّد على السائد من التقاليد والمواريث التراثيّة، فإن ذلك الفعل يفقد كلّ مشروعيّة أو معقوليّة في مخيالهم الجمعي، بما يزيد في مرارته وفي تأجيج الإحساس بالغبن الاجتماعي، فالقاعدة أن:

«الوعي بالظلم، يزيد الظلم ظلما»

وليس على المعرّج على الفنون الشبابية، كأبلغ تعبيرات المشاعر الجماعية وأصدقها، من مشقّة بحث في استقراء ذلك، بل قد يكفيه مجرّد المرور على مقطوعة جابت الأمصار لتلج مسرحة العالميّة مترنّمة:

«صغير وفي قلبي غمّة…نحب نطير قصولي جناحي»

فالشباب إذا هم أيضًا، أكثر الفئات تذوّقا لمرارة الاستبداد.

ج-البطريركيّة الأبويّة:

وممّا يزيد قطعا في إلهاب هذا الخنق الجماعي، ويضخّم تبعاته، هو حاجة هذه الشريحة العمريّة  الملحّة إلى اثبات الذات في رحلة بحثها عن كينونة وأنطولوجيا اجتماعية خاصة بها، خارج سلطة وضلال الأب البيولوجيّ، فيلتهب عزمهم أثناء المراهقة لتحقيق ذلك ويبذلون وسعهم فيه، ضنّا منهم أن مجرّد مغادرة تلك الدائرة، كفيل بالولوج بهم إلى مساحات أفسح من الفعل والحرّية، فإذا بهم أينما حلّوا، يرتطمون بفيوء جديدة، لآباء جدد: آباء سياسيون واجتماعيون وثقافيون.. إلخ.

ولكن المطيّة الفكريّة لجميعهم واحدة، فكل ذرائع الاستبداد مردودة لأصل مشترك، وهو «البطريركيّة الأبويّة» المشرعنة لوصائية من هم أكثر خبرة بالخير وسبله، على من هم أقلّ نضجًا وتجربة.

وذلك ما يولّد شعورًا مريرًا بالدوران في حلقة مفرغة، لانتهاء مساعيهم التحرّريّة مرارًا وتكرارًا، إلى عودة على بدأ، إلى ظلّ أب جديد. فعلى قدر علوّ الهمّة وبُسُوقِ الطّموح، تكون سقطة اليأس سحيقة، ويفضي الطواف في سجن الأبوّة الأبدي، إلى حالة إما من الجنون وإمّا من المجون، كما وصّف الشاعر الفيلسوف محمد إقبال مصارع الاستبداد.

وذلك ما ينطبق تماما على ردود أفعال شباب الأمّة المهاجر، فقد يهاجر إلى الدنيا ماجنا نحو المخدّرات واللهو، أو جنونا إلى أحضان الجريمة والعنف، وقد يهاجر إلى الآخرة حالما، بانخراطه في تيارات التطرّف والإرهاب، وبين هذا وذاك يصبح نزيف الأدمغة والارتماء في قوارب الموت، مجرّد هجرة أخرى من ضمن هجرات عديدة.

وإن تفاقم هذه الظاهرة بتشكّلاتها المختلفة، التي تقابل «الانقباض عن السعي» بالمصطلح الخلدوني، لدليل في حد ذاته على مدى تنامي ما يقع على الشبيبة من ضيم، وهو القائل:

«على قدر الاعتداء ونسبته، يكون الانقباض عن السعي»

وربّما نجد في القانون الفيزيائي لحفظ الطاقة، الذي ينصّ على أنه: «في أي نظام، الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم، ولكن يمكن تحويلها من صورة إلى أخرى.»، تفسيرًا شافيًا لذلك. فطاقة جيل الأبناء، التي لا تنجح في الظهور كطاقة بناء أو صعود للمجتمع، تتحول إلى أشكال حراريّة، تعطّل الحركة لما تنتجه من احتكاك جاذب للخلف، وأمّا انحباسها فيؤذن بانفجارات قد تنسف الاجتماع السياسي من أساسه.

د-صراع خارج أسوجة المَأْسَسة:

هنا وجب التفطّن إلى أن كل أشكال الاستبداد (السياسي، الطبقي، الفكري، الجهوي، القطاعي، الجنساني…)، وما يتولّد عنها من ردود أفعال مناهضة، قد نجحت في هيكلة فضاءات الصراعات خاصتها، تحت لواء هيئات رسمية أو غير رسمية، بداية من الأحزاب والنقابات مرورا عبر المنظمات الاجتماعية والنسويّة، وصولا إلى اللوبيات ودوائر الضغط، إلّا الصراع الجيلي فقد ظلّ وحده فاقدا لكل تأطير مؤسّساتي، فحتى المنظمات الطلابية (وليس كل الشباب طلبة) لارتباطاتها السياسيّة والأيديولوجية، تبقى أشبه ما يكون بالقطاعات الحزبية أو الملحق بالأحزاب من مكاتب شبابية، لا ترتقي لتمثيل هذه المشاعر الجماعيّة برمّتها، ولا إلى لعب دور الوساطة بينها وبين السلطة.

ومن المعلوم أن كل انزلاق حركيّ خارج أسوجة المأسسة، يزيد في قابليّته للانفجار، وفي صعوبة التكهّن به فضلا عن التعامل معه، فيتضاعف خطره أضعافا مضعّفة.

ه- البعد الغائب عن معادلة البناء:

حقيقة فإن أكثر ما يحسب لحركة النهضة ويصنع خصوصيّتها، كحاملة لعبء المشروع الحضاري الشامل، تستمدّ من سؤاله اسمها، ومن الإجابة عنه غايتها الوجوديّة، هو سَبْقها بين أخواتها في استنباط ما كان غائبا عنها من أبعاده. فرغم أن صراعه كان مختزلا في فجر الصحوة، تأثّرا بتفاسير «البضاعة المشرقيّة الوافدة»، في بعده العقائدي، إلا أنها سرعان ما نجحت، تفاعلا مع بيئتها وعصرها ومن خلال الانفتاح النقديّ على مخرجات الفلسفة الغربيّة، في استعياب جبهات أخرى له، كالاجتماعيّة والليبراليّة والتعدّديّة.

الّا أن تناول «الجيل» كطليعة نضاليّة، وفهم صراعه كمرتكز للانبعاث الحضاري، يكاد يكون غائبا في أدبيّاتها، أو مقتصرا ظهوره على بعض الومضات البرقيّة.

وليس عليها في ذلك من حرج، فكلّ تلك مفاهيم مستجدّة حتى عند الغرب أنفسهم، فلئن كان أغلب الباحثين يعيدون جذورها إلى القرن 19 مع ظهور المدرسة الوضعيّة للفلسفة، إلّا أن بروزها الفعليّ كان متزامنا مع حراك مايو (ماي) 1968 الشبابي، والذي انطلق من باريس ليعمّ ارجاء واسعة من العالم، ووصفه آنذاك أحد أبرز متزعّميه، «دانيال كوهين»، قائلًا:

«ماي 1968 عملية تحديث للمجتمع، يقودها جيل ما بعد الحرب، فهذا الجيل رأى أن جيل الحرب لديهم رؤية منغلقة بالكامل، بالنسبة للعالم والمجتمع والأخلاق، منغلقة لدرجة العجز عن طرح المستقبل».

ومن الطريف أن انبعاث الجماعة الإسلامية في تونس، كحركة «سوسيو-دينيّة» شبابيّة، كان في نفس تلك الفترة، وعلاقتها به وبموجاته الارتدادية، موضع للبحث لم يقع تناوله ولا يتسع له مقام الحال.

ولكنّ الأهمّ أن الحزب اليوم، وخاصة وهو يتصدّر مسارا أطلقه الشباب، لهو الأجدر بنيل شرف السّبق، بالإدلاج في استيعاب هذا الصراع، تأصيلا وممارسة، فإنّ مجرّد غيابه عن معادلته، يغني عن كل ما سبق تعداده من أخطاره، ويجعل منه أكثر تحديات المرحلة جسامة وإلحاحًا.

3- ممكنات الحضارة واستدراك الاحتضار

إذ أنه لن يسعنا أيّ حديث صادق، عن مسار نهضة حضاريّة جادة، إلّا بإيجاد المعادلة الكفيلة، بتحشيد كل الطاقات، وخاصة المعطّلة منها، في اتجاهه، فإنّ الضامن الوحيد لمسير المجتمع على طريقه، هو تحرك كل فئاته وشرائحه على وتيرة متناسقة وإيقاع منسجم، وإلّا لكان المشي أعرجا، آيلا إما إلى السقوط أو الانحراف عن الوجهة.

فما بالك لو كان الخلل قد انزرع في محرّكه الأعظم وخزّانه الرئيسي؟

فإن أردنا استئصال تلك العطالة من جذورها، فلا مهرب من العودة على المنطلقات (الاستبداد السياسي)، حتى يكون من جنس الدّاء الدّواء، وما من مناص عن التمكين السياسي الصادق للشباب، كأبرز آليات الاستشفاء من النّكوص الجيليّ وما نتج عنه من انتكاس حضاري.

وقد وضع الكواكبي في ختام بحثه فعلا أصبعه على الحلّ، حينما استخلص بـ«أنّ الخلاص انما يكون في الشورى الدستورية»، وما الترجمة الإجرائيّة المعاصرة لقوله هذا، إلا انتخاب البرلمانات، فإذا أحلنا ذلك إلى القياس على حالة الشباب، لما استنتجنا إلّا:

أن تشبيب الكتل البرلمانيّة والدفع بالشباب إلى مواقع متقدّمة في القوائم الانتخابيّة، لاستحقاق حضاري لا ريب.

وتعزّز هذه النتيجة، نظريّة «أوغست كونت»، أحد مؤسسي علم الاجتماع، ومؤسس المدرسة الوضعيّة للفلسفة، الذي اعتبر أن: «الجيل حدث اجتماعيّ بامتياز». أي أن تطور التاريخ والفكر الإنساني، يكون على نفس إيقاع التعاقب الجيلي، فكلّما تأخّر تداول الأجيال في أمّة ما، إلّا وتعمّقت الهوّة الحضاريّة أمامها وزاد تخلّفها عن الريادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد