في الماضي القريب، كنت أتساءل كيف كان وقع خبر إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 على المسلمين والعرب، ويبدو أنني وجدت الإجابة، وذلك بعد إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، هذا الإعلان الذي لم أكن أظن يوما أنني سأشهده حصريًّا.

يأتي المدعو ترامب ويعلنها بكلِّ وقاحة، عاصمة للكيان الصهيوني متجاهلا بذلك كلّ التحذيرات العالمية والإسلامية والعربية، من الاتحاد الأوروبي والبابا إلى أردوغان وحركة حماس، وطبعا فَعَلها بتواطؤ من السعودية والإمارات ومصر كما جاء في القناة العبرية العاشرة.

فلنتحدّث بصراحة، الكلُّ يلقي باللّوم على شخصِ ترامب، ويحمِّله المسؤولية على قراره، نعم هو يتحمّل قسطًا وافرًا لأنه كان المُعلن عنه، ولكنّه كان أمرًا متوقّعًا من شخصٍ يكنُّ العداء الشديد للإسلام، وهو ما تجلّى في قراره بمنع مواطني ست دول مسلمة من دخول الولايات المتحدة، وكذلك بإعادة بث تغريدات قائدة تنظيم نازي بريطاني ضد المسلمين، فقد كان يجسِّد انتماءه وفكره الصهيوني بثقة وبدون تمثيلية على غرار الرؤساء السابقين له. ثمّ لا يخفى علينا دور اللُّوبي الصهيوني في اختيار رؤساء أمريكا، ودعم اليمين الصهيوني الكامل لترامب، ويبدو أنه قد تمّ إعداده للمرحلة الأخيرة لوضع النقاط على الحروف.

لذلك ترامب على ما يبدو ليس سوى دمية لتنفيذ الأوامر والقرارات، وهو الشّخص المناسب لهذه المرحلة، يتم تحريكه من وراء الستار بواسطة أجندة خفية كالمعتاد لإكمال المخطط الصهيوني الذي تم الشروع فيه منذ عقود طويلة.

والسؤال هنا: إذا لم يكن ترامب هو المسؤول فمن يكون؟

سأشارككم نظرتي الشخصية للموضوع وبعيدا عن التحليلات السياسية بدءًا من قوله سبحانه وتعالى في الآية 139 في سورة آل عمران «وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»، أي وأنتم الظاهرون، الغالبون، المنتصرون، إن كنتم مؤمنين، وبغض النّظر عن الأسباب والعوامل التاريخية والاجتماعية والثقافية، فابتعادنا عن الله، وتركنا لنُصرته، ونسياننا للأمانة التي تركها لنا محمد صلى الله عليه وسلم، استجلب لنا هذا الذلّ والهوان الذي نحن فيه، فهذا من سنن الله الكونية، فمثلما الفيزياء تحكمُها قوانين، كذلك قيام الأمم تحكمها قوانين.

ومن سنن الله تعالى أن يسلّط علينا من أعدائه من يعيدنا إلى الطريق المستقيم، فحينما انصرفت اهتماماتنا إلى توافه الأمور، وأصبح همّ أمتنا الإسلامية بطنها وفرجها إلا من رحم الله، تكالب علينا الأعداء وصاروا يقسِّموننا كيف يشاؤون مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت»، وهذا كله في قضاء الله وقدره.

وعد ترمب.. ووعد الله

تكشّفت الأوراق، وطفا الخونة على السّطح، وحانت لحظة الحقيقة، فها هي الصورة تتضح شيئًا فشيئًا، كشّر الحكام العرب المتصهينون عن أنيابهم ضد الإسلام وعزمهم على بيع فلسطين كما باعوا شرفهم، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

رغم الهوان الذي أصابنا ورغم ما يحدث لأمتنا من تكالب، ورغم إعلان ترامب المشؤوم إلا أنني أستبشر بهذا القرار على أنه بداية النهاية، فالله سبحانه وتعالى يقول في سورة الإسراء: «وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا…»104 بمعنى أن وعد الآخرة بدأ بإعلان قيام دولة إسرائيل، ويقول في آية أخرى: «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا» (7).

ولكن هذا لا يعني أننا نكتفي بموقف المتفرج وننتظر نصر الله، بل يجب أن نتخذ الأسباب كاملة «إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ».

جيل النصر وتحرير القدس

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يربي الصّحابة بالقرآن في دار الأرقم بن أبي الأرقم في بداية دعوته، فقد حرص على تعلقهم بالقرآن فقط، وألا يختلط تعليمهم بأي شيء دون القرآن، لذلك تعلّق الصحابة بالقرآن لأبعد الحدود وصارت أرواحهم وقلوبهم متعلقة به، فصقلهم وحولهم إلى أشخاصٍ جدد تمامًا، ومكّنهم من بلوغ مشارق الأرض ومغاربها وتبليغ دعوة الإسلام، فقد كانوا نماذج لن يتكرّر مثلهم أبدًا، فنصرُوا الله ونصرهم.

إذًا، فلا بديل عن التربية بالقرآن، والتوحّد تحت راية إسلامية واحدة، شعارها «الله غايتنا»، فلا القومية ولا العروبة ولا الوطنية يمكنها إعادة القدس. والقرآن هو الوسيلة الوحيدة التي من شأنها أن تُخرج لنا جيلًا ربانيًا فريدًا صادقًا مخلصًا لله ومجاهدًا في سبيله، ذا همة عالية ولا يخاف في الله لومة لائم، فالله لن ينصر إلا عباده الصادقين ولا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه وهذا لن يأتي إلا بالقرآن.

ونحن هنا عندما نقول التربية بالقرآن، فنحن لا نعني الحِفظ فقط، فقد انحرفت نظرتنا إلى القرآن ولم نعد نستخدمه للغرض الذي أنزل من أجله وصرنا نتباهى بمزامير داود وإقامة المسابقات والمهرجانات وتكريم أعذب الأصوات وما إلى ذلك، فالأولى أن نربي أطفالنا على التعلق به وتطبيقه والعمل به باعتباره منهج حياة.

ومثال ذلك الجيل الذي أخرجته حركة الإصلاح التي قادتها المدرسة الغزالية (أبو حامد الغزالي) والقادرية (عبد القادر الجيلاني) في ميادين الحياة المختلفة. فقد أنجبت جيلًا جديدًا، جسّد بتكوينه النفسي وسلوكه العملي تعاليم الإسلام وأخلاقه من غير أن تلوثه التعصبات المذهبية أو الشهوات الدنيوية. فكان بذلك جيل صلاح الدين الذي حرّر القدس.

وحين انتشر أفراد هذا الجيل، واحتلُّوا مواقعهم في مؤسسات السياسة والجيش والتربية والاجتماع والاقتصاد في المنطقة التي ركزوا جهودهم فيها، ظهرت آثار سياستهم وممارساتهم في مجابهة المشكلات والتحديات التي برزت على مسرح الحياة الإسلامية في الداخل، وفي مواجهة الأخطار التي هددت الأمة من الخارج.

من سيكون هذا الجيل؟ كيف سيكون ومن أين سيأتي؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد