إذا ما اعتبرنا أن البشر يتشاركون نفس المعلومات الوراثية (الجينوم) تقريبًا، ما الذي يجعلنا مختلفين عن بعضنا البعض؟ وكيف تؤدي نفس المعلومات الجينية في كل خلية إلى العديد من أنواع الخلايا المختلفة، مع كل وظيفة من وظائفها المتخصصة؟ استخدم العلماء مصطلح علم ما فوق الجينات (علم التخلق) لتمثيل الطبقة الإضافية من المعلومات (تعديلات جينية)، بالإضافة إلى المعلومات الجينية التي يجب أن تكون موجودة لتمكين التمايز والتطور.

يمكن اعتبار التعديلات الجينية كنوتات موسيقية، تنحت ملامح سمفونية الجينات، لتحديد أي لحن سيتم عزفه، بداية ونهاية كل مقطوعة موسيقية، وأي آلة سوف يعزف عليها في أي وقت بالتحديد، تؤدي العلامات – التعديلانت – الجينية دورًا مشابها في الجينوم: تحدد بداية ونهاية كل جين لتوفر بذلك بنية للكروموسوم التي تتحكم بدورها في عملية التعبير عن الجينات (النشطة) أو عدم التعبير عنها (الصامتة)، أو تغييرات أكثر دقة.

لتوضيح دور التعديلات الجينية في تحديد «الفينوتيب» أو النمط الظاهري، سنتطرق إلى دراسات أجريت من أجل فهم هذه الظاهرة.

الدراسة الأولى:

في دراسة أجريت على المجاعة الهولندية أو مجاعة الشتاء (1944 – 1945) التي حصلت أثناء الاحتلال الألماني لهولندا، تأكد تعرض الأجنة للمجاعة إلى زيادة الاضطرابات العقلية وتغير تحمل الجلوكوز في النسل؛ مما يؤدي إلى زيادة مرض السكري، والسمنة، وأمراض القلب، والأوعية الدموية. ما يفسر دور البيئة المحيطة في تحديد التعديلات الطارئة على الجينوم البشري. من بين ضحايا المجاعة، نذكر الممثلة أودري هيبورن واحدة من أعظم نجوم السينما في القرن العشرين. عكس بقية الضحايا الذين تعرضوا للمجاعة في مراحل مختلفة من حياتهم (طفولة، شباب، شيخوخة… إلخ) فإن الأضرار التي لحقت بالأجنة لازمتهم طيلة حياتهم.

تتسبب التعديلات الجينية أيضًا في إصابة بالفصام، وهو مرض عقلي يتسبب في أوهام وهلوسة وصعوبات عقلية تتمثل في فقدان القدرة على التمييز بين العالم الحقيقي وعالم الهلوسة، ويعتبر مرضًا مروعًا لتسببه بحالات عنف أحيانًا وصولًا للانتحار (الأفراد المصابون بالفصام أكثر عرضة لمحاولة الانتحار). الفصام حالة شائعة بشكل مأساوي. يؤثر على ما بين 0.5٪ و1٪ من السكان في معظم البلدان والثقافات؛ مما يعني أنه قد يكون هناك أكثر من 50 مليون شخص على قيد الحياة اليوم يعانون من هذه الحالة.

الدراسة الثانية:

عرف الفصام كمرض وراثي، إذ يزيد احتمال إصابة أحد التوائم بالفصام إذا ما كان توأمه مصابًا به. ونعلم أن التوائم المتطابقين يتشاركون نفس الشيفرة الوراثية، نفس الرحم ونفس الظروف المحيطة، فما الذي يحول دون إصابة التوأم بالفصام؟ إن دراسة حالات الأمراض الوراثية لدى التوأم المتطابق تؤكد لنا دور التعديلات الجينية وتحكمها «بالتعبير الجيني».

الدراسة الثالثة:

لنفترض أن طفل الثلاث سنوات تعرض إلى سوء معاملة من قبل والديه، ثم تدخلت الدولة وأبعدته عن والديه البيولوجيين لتولي مهمة الاعتناء به لوالدين بالتبني. يقدم الوالدين الجدد معاملة أفضل بكثير، مؤمنين بذلك علاقة ملؤها الحنان والمودة والحب. قد يحالفه الحظ ويمر كل شيء على مرام، لكن للأسف قد لا يحدث هذا دائمًا إذ قد يتعرض الطفل بعد سنوات إلى مشاكل عقلية (الاكتئاب، الإدمان، الانتحار). الغريب في الأمر أن تبعات سوء المعاملة تطفو على السطح بعد سنوات طويلة، إذ لا يتذكر المعني بالأمر تجربته القاسية مع أبويه البيولوجيين، لكن أثرها يبقى ليعاني الطفل بعد سنوات عواقب عقلية وعاطفية لبقية حياته.

في هاته الأمثلة التي قدمناها، هناك اختلافات إذ تتعلق الأولى بالتغذية خاصة بالنسبة للطفل الذي لم يولد بعد (الجنين)، الثاني حول الاختلافات التي تنشأ بين الأفراد المتطابقين وراثيًا، والأخيرة حول الضرر النفسي طويل المدى نتيجة إساءة معاملة الأطفال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد