على مدى قرون عديدة ظل المدرسون في جزيرة سردينيا يشهدون ظاهرة غريبة. في شهر فبراير من كل عام مع حلول الربيع كان التلاميذ يبدون وكأن كل قواهم قد خارت. فهم يشتكون من الدوار والغثيان، ثم يستغرقون في النوم على تخوتهم. تذهب الحالة المرضية فجأة كما جاءت فجأة إلى أن يحل شهر فبراير التالي. لم تقتصر الظاهرة على طلاب المدارس فقط، بل كان يشكو منها سكان الجزيرة البالغون حتى وصلت نسبة الذين يعانون من الظاهرة المرضية إلى 35% من سكان الجزيرة في بعض الأحيان. كان العديد منهم يموت بعد تبول كميات كبيرة من الدم.

كانت الحالة المرضية هي الأنيميا التكسيرية «Haemolytic anemia». في عام 1956، أعلنت مجموعة من العلماء الأمريكيين أن المصابين بالنوع الوراثي من الأنيميا التكسيرية ينقصهم إنزيم جلوكوز 6 فوسفات ديهيدروجنيز «G6PD». يلعب الإنزيم دورًا مهمًا في سلسلة التفاعلات المنتجة للطاقة لكرات الدم الحمراء. يؤدي نقصه إلى هشاشة الخلية وتدميرها؛ مما ينتج عنه الأعراض السابقة. بعدها تم اكتشاف أن نقص الإنزيم ليس سوى القنبلة الساكنة، أما الفتيل فكان مجموعة من العوامل أهمها فول الفافا، والأدوية المضادة للملاريا، والأسبرين، ومركبات السلفا.

ينمو فول الفافا بكثرة على ضفاف البحر المتوسط وفي عدد كبير من جزره، وهو غذاء أساسي للسكان المحليين في الربيع والصيف. عرف الناس وقتها لماذا كان فيثاغورس ينهى أتباعه عن أكل فول الفافا، أو حتى المشي في الحقول التي كان ينمو فيها «تسبب حبوب اللقاح المستنشقة من زهرة النبات نفس الأعراض التي تحدث عند أكل الفول». شك الفيلسوف الإغريقي في وجود علاقة سببية ما بين المرض والفول. ربما لم يعرف فيثاغورس أن المرض لن يصيب من لا يعانون من نقص إنزيم «G6PD»، ولكن الذي لم يقله أن على الكثيرين ممن يحملون الجين المسبب لنقص الإنزيم أن يوجهوا الشكر لهذا الجين المعيب.

كان عالم الوراثة والأحياء البريطاني ج.ب.س.هالدين (1964- 1892)، قد لاحظ ارتباطًا بين الجين المسبب لمرض الثالاسيميا «thalassemia» والجين المسبب لمرض الخلايا المنجلية من ناحية، ومقاومة الملاريا من ناحية أخرى. أثبت الباحثون بعدها أن الأطفال الذين يحملون جين الأنيميا المنجلية في المناطق التي تنتشر فيها الملاريا يكون في دمائهم عدد أقل من طفيليات الملاريا عن دماء الأطفال الذين يحملون جينات طبيعية، بل ونادرًا ما تحدث حالات الملاريا المميتة بين حاملي الصفة المنجلية «sickle cell trait»، وهم من يحملون نسخة واحدة من الجين المعيب.

نفس الملاحظة انطبقت على الجين المسبب لنقص إنزيم «G6PD»، حيث وصلت كفاءة طفيل الملاريا «plasmodium falciparum» في غزو خلايا الدم الطبيعية ثمانين ضعفًا لقدرته على غزو الخلايا المحتوية على جين نقص إنزيم «G6PD». كما أظهرت بعض حالات الإصابة بالجين المعيب مقاومة كاملة للملاريا. وهكذا فإن الجين الضار أصبح نافعًا في البيئة المواتية. قد يتسبب جين الخلايا المنجلية في تهديد حياة صاحبه إذا كان فوق مرتفعات الهيملايا «لعجز الخلايا عن توصيل الأكسجين لأنسجة الجسم»، في حين يستطيع أن ينقذ حياة نفس الشخص من الملاريا لو تواجد في دار السلام أو كاراكاس.

يتشابه عالم الجينات مع عالم الأحياء، فكما يصير المتهم بطلًا في الأعمال الأدبية والسينمائية، يصبح الجين المهدد لحياة الكائن الحي منقذًا له مع تغير البيئة والظروف المحيطة. في أوائل القرن التاسع عشر كان النوع المنتشر من عثة بستون بتيولاريا «biston betularia» بالقرب من مدينة مانشستر البريطانية رمادي الجسد والأجنحة. مكنها اللون الرمادي المتماهي تمامًا مع لون الصخور وجذوع الأشجار في المنطقة من تمويه أعدائها من طيور الدج ونقار الخشب وذوات القشرة. في منتصف القرن لوحظ تزايد أعداد النوع الأسود من العثة وتراجع السلالة الرمادية. كان التصنيع بما سببه من سناج وتلوث حول المدينة قد غير من لون البيئة المحيطة بالعثة. أصبحت حشرات العثة الرمادية فوق الخلفية السوداء كالمصابيح في الليل هدفًا سهلًا لأعدائها المفترسة.

لم تعد جينات اللون الرمادي قادرة على حماية العثة، وأصبحت خطرًا عليها. مع ظهور نشاط الحفاظ على البيئة وتنظيف أدران الصناعة أخذت الأشجار والصخور تصبح رمادية مرة أخرى، وعادت جينات اللون الرمادي للعثة للعب دور البطولة بعد أن خرجت من قفص الاتهام. لم تترك المجهودات البحثية المتراكمة على الإنسان وغيره من الأحياء للعلماء إلا القول بأن تنوع الظروف البيئية واختلافها يجعل في الجين الواحد إمكانية النجاة أو الهلاك للكائن الحي، وأن المثل القائل «رب ضارة نافعة” لا يخلو من صحةٍ حتى في عالم البيولوجيا والجينات.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد